7/22/2020

التمور والقمح يستنزفان المياه

إن الجانب الاقتصادي والأمني لقضايا وشؤون المياه لهما أهمية كبيرة تتناسب مع أهمية الرفاهية الاجتماعية في المديين القريب والبعيد. فقد برهنت الدراسات والأبحاث على أن قضايا المياه تعد من أهم القضايا الحيوية المرتبطة بشؤون الحياة بكافة نواحيها السياسية والاقتصادية والمحلية بشكل مباشر وغير مباشر حتى في الدول التي تتمتع بوفرة المياه المتجددة نراها تخطط وتضع استراتيجيات فاعلة لإدارة وتطوير مواردها المائية على أنها سلعة استراتيجية قابلة للنضوب فعندما ينخفض منسوب مياه الأنهار في موسم الصيف في تلك الدول التي توجد فيها أنهار من العالم المتقدم فإن حكوماتها المحلية لا تتردد في مطالبة مواطنيها بترشيد المياه وتتخذ إجراءات احتياطية من أجل المصلحة العامة. وإن ما يثير الاستغراب لو إن سعوديا ما ذهب إلى تلك البلدان وشاهد كثرة سدودها الكبيرة والعديدة مع غزارة هطول الأمطار فيها بصفة شبه مستمرة وكثرة أنهارها وبحيراته،ا لجعله يثير العديد من التساؤلات عن قضية المياه في بلدنا. إن بلدنا يستهلك 12 مليار متر مكعب سنوياً من المياه الجوفية غير المتجددة أو 57 في المائة من إجمالي الاستهلاك كما أنه يستهلك ثمانية مليارات مترا مكعب سنويا من المياه السطحية والجوفية المتجددة التي بلغت نسبتها 38 في المائة من إجمالي الاستهلاك و840 مليون متر مكعب سنويا من مياه البحر المحلاة بنسبة 38 في المائة من إجمالي الاستهلاك بينما بلغ حجم استهلاك الماء الفائض المسترد 210 ملايين متر مكعب سنوياً ما يعادل 1 في المائة من الاستهلاك العام. وهنا نتفق مع الدكتور محمد حبيب بخاري على أن توجيه الجهات المعنية في السعودية إعاناتها التي تقدمها لمزارعي النخيل إلى فتح المزيد من المستشفيات أو تحسين خدماتها واستيراد المزيد من الأدوية وبناء مساكن للفقراء أفضل وأنفع بكثير من دعم زراعة النخيل غير المجدية اقتصاديا في ظل إتلاف نحو 80 في المائة من إنتاجها السنوي. كما أكد الدكتور بخاري في دراسته أنه من الأجدى توجيه الدعم الحكومي لتصنيع التمور بقصد التصدير إلى الأسواق العالمية بعد أن حصلنا على عضوية التجارة العالمية وتوفير كوادر فنية لتسويق الإنتاج وأن نكتفي بكمية النخيل الحالية التي تجاوز عددها 23 مليون نخلة من مختلف الأصناف حيث إن تكلفة إنتاج الطن الواحد من التمور غير مكلف اقتصاديا حسب قوله والذي تبلغ تكلفته دون قيمة الماء 20 ألف ريال (5.4 ألف دولار) تقريبا ودون إضافة أجور النقل والتغليف. كما أكد ضرورة التفكير في استغلال إنتاج التمور كمادة خام لإنشاء صناعات جديدة مهمة، مشبها التمر بالنفط كثروة وطنية يجب الاهتمام بها وتسويقها بطرق ناجحة. علما أن الحكومة السعودية تمنح المزارعين 50 ريالا عن كل فسيلة جديدة تزرع، و0.25 ريال لكل كيلو جرام ينتج في المزارع، مع 50 في المائة كدعم من قيمة المعدات والمكائن والآليات. ويبلغ مجموع ما تصرفه الحكومة السعودية لدعم زراعة النخيل أكثر من 18 مليار ريال سنويا لإنتاج 879 ألف طن في العام من التمور، وحسب قوله يتلف منها 80 في المائة نتيجة لسوء التسويق. وتنتج السعودية أكثر من 490 صنفا من التمور منها 80 في المائة ذات جودة متدنية يعادل إنتاجها 703 آلاف طن غير قابلة للتسويق ولكن يمكن استعمالها في إنتاج الكحول الطبي والسكر والأنزيمات والأحماض. لقد طالت فترة دعم الحكومة لإنتاج التمور لمدة 20 عاماً دون توقف حيث إنها اعتبرته أنه من أهم الثروات التي يمتلكها الوطن حيث تنتشر زراعة النخيل في جميع المحافظات والمدن والقرى وحتى الصحارى ومع ذلك لم يستطع أن يصبح قطاعا مستقلا وغير مستهلك للمياه الجوفية بشكل الحالي. ونتيجة لذلك الدعم وما تعرضت له هذه الثروة من مشاكل كثيرة من أهمها وفرة الإنتاج وعدم وجود منافذ للتسويق، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية تجاوز أعداد النخيل خلال السنوات الخمس المقبلة 60 مليون نخلة. ويرجع بخاري ارتفاع أعداد زراعة النخيل في البلاد إلى الإعانات التي تدفعها الحكومة للمزارعين كون بعض المزارعين يهمهم تحصيل الإعانة أكثر من عملية التسويق. ففي دراسة متخصصة نشرت أخيرا طالبت بوقف الدعم الذي تقدمه الحكومة سنوياً لزراعة القمح في السعودية مبررة ذلك بأن الاستمرار في هذا الدعم لإنتاج القمح المحلي يترجم إلى استهلاك قدره 32 في المائة من كمية المياه الجوفية العميقة غير المتجددة، في حين تستهلك جميع المحاصيل الأخرى مجتمعة ما يقارب 68 في المائة أو ما يعادل تسعة ملايين متر مكعب ما يجعلنا نشكك في الوقت نفسه حول الجدوى من استهلاك محصول واحد لثلث كمية المياه الجوفية. وبما أن الدكتور القنيبط قد ذكر أن معدل استهلاك الفرد السعودي من المياه يومياً قد وصل إلى 242 لتراً تقريبا لترتفع كمية العجز في المياه المتجددة إلى 14 مليار متر مكعب تقريبا تقابله فقط خمسة مليارا ت متر مكعب سنويا من كميات المياه السطحية التي يمكن استغلالها في المملكة طبقا لإحصاءات وزارة المياه والري بينما لا تتجاوز كمية المخزون الكلي من المياه الجوفية 500 مليار متر مكعب. وهذا ما يؤيد فكرة إنهاء الدعم لمزارعي القمح مقابل تسوية عادلة بينهم وبني الحكومة وسد حاجات السوق السعودية من القمح من خلال القنوات العالمية بعد أن أصبحنا عضوا في منظمة التجارة العالمية.إن هذه الخطوة سوف تزيل عبئا كبيرا من أكتاف الدولة حيث إن سعر القمح في الأسواق العالمية في الوقت الراهن 450 ريالاً للطن (120 دولاراً) تقريبا بينما تشير بعض المصادر إلى أن تكلفة الطن الواحد من القمح في السعودية (500 دولار) بينما سعره في السوق العالمية (170 دولارا) أي أن قيمة الخسارة تعادل (330 دولارا) تتحملها الدولة والمجتمع. ففي صياغ هذا الحديث استحوذت الزراعة على نحو 80 في المائة من إجمالي استهلاك المياه في السعودية رغبة في توفير المنتجات النباتية والحيوانية لأفراد المجتمع ومع ذلك وصفتها وزارة المياه بأنها نسبة طبيعية مقارنة بالقطاعات الزراعية في معظم دول العالم ولكنها مخطئة بالتأكيد فليست طبيعية أبدا في بلد توجد فيه ندرة مياه مطلقة.

نظرية ذروة إنتاج النفط

الاقتصادية
د. فهد محمد بن جمعه
2009
  إن نظرية ذروة إنتاج النفط Peak Oil التي طرحها هلبرتن Halliburton في عام 1956 عندما توقع إن ذروة الإنتاج في الولايات المتحدة ستحدث في عام 1970 وهذا ما حدث فعلا حيث بلغ إنتاجها تسعة ملايين برميل في اليوم, والآن تحت ستة ملايين برميل في اليوم. ومنذ ذلك اليوم أصبح الاقتصاديون والجيولوجيون يستخدمون طريقته لتقييم إنتاج النفط في العالم. وعلى سبيل المثال كان يقدر نمو الطلب العالمي على النفط في عام 1999 بنسبه 2 في المائة سنويا بينما كان الإنتاج يقدر بأقل من 3 في المائة وعلى ذلك فإن العالم يحتاج إلى 50 مليون برميل يوميا إضافية بحلول عام 2010. فدائما أصحاب نظرية الذروة يطرحون السؤال التالي: إذا ما كانت نسبه 5 في المائة نقص في الإنتاج العالمي في عام 1973 قد رفع الأسعار ثلاث مرات مضاعفه فماذا نتوقع إذا ما تقلص الإنتاج بنسبة 50 في المائة في المستقبل؟ إن 8 في المائة نقص في الإنتاج العالمي سنويا سوف يتسبب في 50 في المائة نقص في الإنتاج في أقل من تسع سنوات. وهذا ما جعل بعض الخبراء يتوقعون أن نسبه النقص في الإنتاج ستراوح بين 10 في المائة و13 في المائة وأن عام 2005 هو نهاية الأسعار الرخيصة وقد تكون نهاية من دون عودة كما يتوقعونه. حينما تتوقع شركات النفط إن الفجوة بين العرض والطلب سوف تتشكل في عام 2007 وستصل إلى ذروتها في الفترة ما بين عامي 2008 و2012، وقد تكون بداية العصر الجديد الذي أسماه بعض العلماء بالعصر الصناعي الحجري الثاني. وهذا لا يعني بمجرد وصوله النفط إلى ذروة الإنتاج سواء كنا نتكلم عن بئر في حد ذاتها أو دولة منتجة أن منابع النفط ستجف ولكن عند نقطة الذروة تكون عمليه الإنتاج قد استهلك منها ما يقارب 50 في المائة ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج على إنها من أهم المتغيرات التي تحدد حجم الإنتاج وسوف تتصاعد كلما اجتاز الإنتاج النصف الأول من مخزونه أي عندما يتجاوز الإنتاج قمة منحنى الجرس ويأخذ شكل المنحنى الهابط فإن الأسعار سوف تتصاعد إلى معدلات لم نعهدها من قبل مع ارتفاع سعر التكلفة والكمية المطلوبة. وعلى سبيل المثال لو كانت ذروه الإنتاج هي عام 2006 فإن الإنتاج العالمي في عام 2046 سيكون مثل ما كان عليه في عام 1959 ولكن الطلب العالمي لن يكون عند ذلك المستوى في عام 2046 مثلما كان عليه قبل 46 عاما لزيادة الطلب العالمي الذي يدعمه التوسع الصناعي والزيادة السكانية وتحول الدول من الإنتاج المحلي إلى الإنتاج الخارجي بقصد التصدير ضمن منظومة التجارة العالمية. إن السؤال المفروض طرحه ليس "متى يتوقف الإنتاج؟" وإنما هل ما يتم إنتاجه مستقبليا سيكفي لسد الفجوة بين العرض والطلب المتزايدة؟ فلو توقعنا أن الزيادة في الطلب على النفط سترتفع من 2 في المائة إلى 10 في المائة فإنها نسبة كافيه لرفع الأسعار إلى معدلات قد تتجاوز 200 دولار للبرميل ويكون لها تداعيات اقتصاديه خطيرة على الاقتصاد العالمي وعلى مستوى معيشة الأفراد. وعلى النقيض قد يحدث في جانب العرض مثلما حدث في عام 1973م عندما انخفض حجم الإنتاج العالمي بنسبه 5 في المائة ودفع الأسعار إلى أن تتضاعف قيمتها إلى إن عاد الإنتاج مره ثانية في نهاية السبعينات وخفض الأسعار إلى أدنى مستوياتها. لكن ماذا تتوقع عندما يتناقص إنتاج النفط في المستقبل بمقدار 4 في المائة وهو سيناريو محتمل حدوثه عندما نشاهد حاليا إن معظم الدول المنتجة للنفط تنتج عند أعلى طاقة إنتاجيه ممكنة لها وبعضها قد وصلت إلى ذروة إنتاجها ولم تستطع أن تزيد من إنتاجها إلى أكثر من 84 مليون برميل في اليوم ما جعلها تدعو إلى المزيد من الاستثمارات في الطاقة الإنتاجية في المستقبل. فلو إننا نظرنا إلى الجدول التالي سنلاحظ أن أكبر حقول النفط العالمية في انخفاض من الآن فما بالك في عام 2037 وهي نقطة الذروة التي يتوقعها أنصار تلك النظرية, ولكن بتأكيد أن الانخفاض سيستمر نسبيا مع حجم الطلب عليه. أما الذين لا يتفقون مع تلك النظرية فإنهم يقولون إنها السطورة The Myth Of Peak Oilوأن موقف أنصار نظرية الذروة لا يختلف كثيرا عن موقف أنصار نظرية المؤامرة فكلاهما يحاولان أن يخلقا ندرة إنتاجيه مصطنعة حتى ترتفع الأسعار أما لتحقيق هامش من الأرباح في ظل ارتفاع هامش تكلفة إنتاجية معامل التكرير الأمريكية أو دعما لتطوير بدائل الطاقة الأخرى. فكيف نصدق نظرية الذروة والسعودية لديها مخزون نفطي مثبت يبلغ 267 مليار برميل حسب تقديرات عام 2006 وهذه كمية كافية لما يزيد على 70 عاما وقد تصل إلى 100 عام حتى ولو زاد إنتاجها إلى 15 مليون برميل في اليوم حسبما هو متوقع في المستقبل القريب. وإن زيادة طاقة السعودية الإنتاجية لا تعني أبدا أن الذروة قد اقتربت وإنما أمر طبيعي أن تزيد السعودية إنتاجها. كما أن هناك تقارير تتحدث عن زيادة كبيرة في مخزون روسيا النفطي بشكل ملحوظ قد يتجاوز احتياطي السعودية. هنا يتضح لنا التعارض بين نظرية الذروة التي تؤمن بتناقص الإنتاج واستمرارية تزايد المخزون النفطي والإنتاج ما يجعلنا نشكك في قوة تلك النظرية وإنها لا تتفق مع الحقائق في البلدان المنتجة للنفط. وفي الحلقة المقبلة سأتكلم عن نظرية بدائل الطاقة.

7/20/2020

أيها المتسترون.. فرصتكم الأخيرة


الثلاثاء 30 ذو القعدة 1441هـ - 21 يوليو 2020م
المقال
الرياض

د. فهد بن جمعه
وافق مجلس الشورى الأسبوع الماضي على نظام مكافحة التستر الجديد، وبهذه المناسبة شكراً لوزير التجارة ووزارته على جهدهم الكبير لمكافحة التستر ودرء مخاطره الاقتصادية، بداية بتطبيق نظام المدفوعات الإلكترونية في المحال التجارية الصغيرة والذي سيقلص حجم استخدام النقدية في عمليات الشراء، مما يحد من انتشار معاملات الاقتصاد الخفي ومنه التستر. وهذا النظام الجديد سيعالج عجز وضعف نظام التستر القديم الذي صدر في 2004م، لعدم قدرته على إثبات الجريمة حال وقوعها. وبهذا يوجه هذا النظام ضربة قاتلة للمتسترين والمتستر عليهم بتغليظ عقوبة الجريمة من سنتين إلى خمس سنوات ومن مليوني ريال إلى خمسة ملايين كحد أقصى أو بكلاهما.
كما أن هذا النظام يتعامل مع منابع ظاهرة التستر بالتصدي لمراحله الأولية التي تسبق وقوع الجريمة، بإيقاع العقوبة على صاحب المنشأة الذي يمنح الأجنبي بشكل غير نظامي أدوات تمكنه من التصرف المطلق في المنشأة بما لا يزيد عن 500 ألف ريال كحد أقصى، ويعمل النظام أيضاً على التصدي للتستر في سلاسل الإمدادات المرتبطة بالتشكلات العمالية خاصة في قطاع التجزئة بتجريم الاشتراك في تعاملاتها والتي يكثر انتشارها منذ فترة طويلة.
ولمعرفة مكامن التستر في المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد في العالم، فقد أوضح تقرير "منشآت" للربع الأول/2020 عن عدد المنشآت متناهية الصغر 1-5 عمال؛ الصغيرة 6-49 عاملاً؛ المتوسطة (50-249) عاملاً، بلغ (560,083) منشأة وبنمو قدره 2 %، ووظفت 4,966,411 عاملاً، منهم (16.7 %) سعوديون، بينما الأجانب (83.2 %).
كما أوضح مسح الهيئة العامة للإحصاء للمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والكبيرة في 2018م، عدد المشتغلين في هذه المنشآت على التوالي: 77,748، 403,655، 360,539، 861,624 سعودياً؛ بينما وظفت 856,218، 2,090,899، 1,392,194، 2,554,556 أجنبياً. كما أنها حققت إيرادات تشغيلية بلغت 1.67 تريليون ريال وقد حازت المنشآت متناهية الصغر؛ الصغيرة؛ والمتوسطة على التوالي: 643 مليار ريال؛ 603 مليارات ريال؛ 425 مليار ريال، وبهذا تصبح إيرادات المنشآت متناهية الصغر هي الأكبر وبنسبة 39 % من إجمالي الإيرادات، حيث تمثل إيراداتها من تجارة الجملة والتجزئة 50 % أو (324) مليار ريال من إيراداتها.
كما نلاحظ أن معدل توظيف السعوديين في المنشآت متناهية الصغر متدنٍ جداً ولا يتجاوز 9 %، بينما إيراداتها التشغيلية أعلى من الصغيرة والمتوسطة لكثرة عددها، وهنا تتشكل بؤرة التستر أولاً ثم تنتقل العدوى إلى الصغيرة وبنسبة أقل إلى المتوسطة والذي يكلف الاقتصاد السعودي مليارات الريالات سنوياً. فإننا نتطلع إلى صدور النظام الجديد واللائحة التي تتضمن آلية لتصحيح أوضاع مخالفي نظام مكافحة التستر للحد من التستر والتهرب الضريبي وتوظيف المواطنين وتمكينهم من بدء أعمالهم الصغيرة.

7/14/2020

العمالة الوطنية.. مورد لا ينضب


الثلاثاء 23 ذو القعدة 1441هـ - 14 يوليو 2020م
المقال
الرياض
د. فعد ين جمعه
إن الاعتماد على الموارد البشرية الوطنية لا يختلف عن الاعتماد على الموارد غير النفطية، حيث إن العمالة الأجنبية راحلة والنفط مورد ناضب. وهذا ما أكدت عليه رؤية المملكة 2030 بحتمية تنويع الاقتصاد والمحافظة على استدامته في مواجهة التقلبات الاقتصادية وعدم استقرار أسواق النفط العالمية لتخفيف المخاطر المستقبلية. فإذا ما كان معظم مبادرات وأهداف الرؤية تركز على الاقتصاد غير النفطي، حيث إنها تدرك جيداً إن موارد النفط والغاز (الهيدروكربونية) موارد ناضبة، بمعنى آخر قد تكون ذات قيمة اقتصادية غير مجدية في العقود القادمة، فإن الطاقة البشرية الوطنية هي المورد الأول الذي لا ينضب، إذا ما تم استثمارها بكفاءة وتم تدريبها وتأهيلها لمواجهة المخاطر المستقبلية المتعلقة بتحديات العمالة الأجنبية وعدم الاعتماد عليها وقت الأزمات كما كان في عام 1990م إبان غزو الكويت، ناهيك عن تدفق مليارات الريالات إلى خارج البلاد بقيمة مضافة متدنية داخل الاقتصاد.
وأوضحت الهيئة العامة للإحصاء تراجعاً طفيفاً في معدل البطالة السعودية من 12.5 % في الربع الأول 2019 إلى 11.8 % في الربع الأول 2020 مقارنة، مع تراجع عدد المشتغلين الأجانب بـ(0.02 %) خلال نفس الفترة، وأيضاً ارتفاع عدد المشتغلين السعوديين المسجلين لدى التأمينات الاجتماعية بنسبة أكبر 22.7 % من إجمالي المشتغلين في الربع الأول 2020 وهو أعلى بـ0.4 % عن الربع الأول 2019، ولكن ارتفع عدد الباحثين السعوديين عن عمل بـ7.5 % في نفس الفترة، وهنا يبدو أن العلاقة أصبحت واضحة بين عرض العمالة الوافدة ومعدل البطالة السعودية.
وقد تركز توظيف السعوديين بنسب أكبر في القطاعات التالية: الأنشطة المالية والتأمين 83.2 %؛ الإدارة العامة والدفاع والضمان الاجتماعي الإلزامي 73.2 %؛ التعدين واستغلال المحاجر 62 %؛ التعليم 56.2 %؛ المعلومات والاتصالات 49.8 %؛ أنشطة الصحة البشرية والخدمة الاجتماعية 47.3 %؛ إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء 46.9 %. ولكن في القطاعات ذات الكثافة العمالية كان نصيب السعوديين أقل بكثير من المتوقع؛ التشييد 12.3 % من 2.3 مليون؛ تجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات ذات المحركات والدراجات النارية 22.3 % من 1.95 مليون؛ أنشطة الخدمات الإدارية وخدمات الدعم 10.8 % من 1.094 مليون؛ الصناعات التحويلية 23.8 % من 831 ألف؛ أنشطة الإقامة والخدمات الغذائية 18.9 % من 416.7 ألف.
إن فرص العمل للمواطنين الباحثين عن عمل والقادمين سنوياً والعاطلين كثيرة ومتنوعة، ولكن الأمر يتطلب تحسين إدارة سوق العمال وتمكين السعوديين بنسب أكبر في جميع القطاعات وخاصة ذات الكثافة العمالية، ليكون الهدف رفع نسبة المشتغلين السعوديين من 23 % حالياً إلى (44 %) بنهاية رؤية 2030، مما سيقلص معدل البطالة إلى ما دون 7 %.

حرب الطاقة.. ركود تضخمي عالمي

الثلاثاء 5 شوال 1447هـ - 24 مارس 2026 م المقال الرياض د. فهد محمد بن جمعة يتجه الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط إلى مرحلة أكثر خطورة مع انتقا...