الثلاثاء 5 شوال 1447هـ - 24 مارس 2026 م
المقال
الرياض
يتجه الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط إلى مرحلة أكثر خطورة مع انتقال المواجهة العسكرية من ساحات القتال التقليدية إلى قلب قطاع الطاقة العالمي، فمع توسّع الهجمات الإسرائيلية داخل إيران، بالتزامن مع ضربات إيرانية استهدفت منشآت للطاقة في الخليج، دخلت المنطقة ما يمكن وصفه بـ"حرب الطاقة". ويكتسب هذا التحول حساسية كبيرة، إذ إن استهداف منشآت النفط والغاز لا يهدد الدول المتحاربة فحسب، بل يضع الاقتصاد العالمي أمام مخاطر اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار وما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية واسعة.
وشهد 18 مارس تصعيدًا لافتًا، إذ وسّعت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل إيران لتشمل شمال البلاد، في خطوة غير مسبوقة منذ اندلاع المواجهة أواخر فبراير، واستهدفت الضربات منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، من بينها مرافق في حقل بارس الجنوبي، أكبر حقل غاز في العالم، مما مثّل نقطة تحول في مسار الصراع. وفي المقابل، ردّت إيران بضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع للطاقة في دول الخليج، فقد تعرّضت منشأة رأس لفان الصناعية في قطر لهجوم تسبب في حرائق وأضرار أجبرت المشغّلين على إعلان القوة القاهرة ووقف الإنتاج 1لما يقدر بـ 17 % من صادرات الغاز المسال، كما تعرضت بنى تحتية للطاقة في عدة دول خليجية لهجمات مماثلة.
انعكست هذه التطورات سريعًا على أسواق الطاقة العالمية، إذ قفزت أسعار النفط مع تصاعد المخاوف من نقص الإمدادات. وخلال الأسبوع، ارتفع خام برنت بنحو 9 دولارًا، أو 8.8 %، ليصل إلى 112.19 دولارًا، في حين تراجع خام غرب تكساس بشكل طفيف بنحو 0.39 دولارًا، أو 0.4 %، إلى 98.32 دولارًا. وتعكس هذه التحركات مدى حساسية الأسواق لأي تهديد قد يطال تدفقات النفط من الشرق الأوسط، الذي يوفّر أكثر من ثلث الإمدادات العالمية.
وتزداد المخاطر مع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم، ولا تقتصر التداعيات على أسواق النفط والغاز فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، فارتفاع أسعار الطاقة قد يعيد إشعال موجة تضخم جديدة، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي يبطئ وتيرة النمو الاقتصادي.
كما تواجه الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما في أوروبا وآسيا، ارتفاعًا ملحوظًا في تكاليف الاستيراد، مما يزيد الضغوط على الموازنات العامة ويضعف القدرة الشرائية للمستهلكين، ومع استمرار استهداف منشآت الطاقة وتبادل الضربات، تبدو أسواق النفط والغاز مقبلة على مرحلة من عدم اليقين.
فالمواجهة لم تعد مجرد صراع عسكري تقليدي، بل تحولت إلى تنافس مباشر على شرايين الطاقة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، وإذا استمر هذا التصعيد، فقد يواجه العالم صدمة طاقة جديدة قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو مرحلة من الركود التضخمي خلال الفترة المقبلة.