06-09-2026
د. فهد
مجمد بن جمعة
لم تعد
أسعار النفط تتحرك وفق معادلة العرض والطلب التقليدية وحدها، بل أصبحت العوامل
الجيوسياسية قادرة على إعادة تشكيل هذه المعادلة بسرعة، خصوصًا عندما ترتبط بأحد
أهم ممرات تجارة الطاقة العالمية، مثل مضيق هرمز. ولذلك فإن تأثير الجيوسياسة على
سوق النفط قد يكون أعمق وأسرع من تأثير التغيرات الفعلية في مستويات الإنتاج.
د. فهد
مجمد بن جمعة
لم تعد
أسعار النفط تتحرك وفق معادلة العرض والطلب التقليدية وحدها، بل أصبحت العوامل
الجيوسياسية قادرة على إعادة تشكيل هذه المعادلة بسرعة، خصوصًا عندما ترتبط بأحد
أهم ممرات تجارة الطاقة العالمية، مثل مضيق هرمز. ولذلك فإن تأثير الجيوسياسة على
سوق النفط قد يكون أعمق وأسرع من تأثير التغيرات الفعلية في مستويات الإنتاج.
فالأسواق لا تتعامل فقط مع كمية النفط المنتجة، وإنما مع
قدرة المنتجين على تصديرها ووصولها إلى الأسواق العالمية. وقد يستمر الإنتاج عند
مستوياته الطبيعية، لكن اضطراب طرق النقل أو ارتفاع المخاطر الأمنية قد يؤدي إلى
تراجع الصادرات، وهو ما يقلص الإمدادات المتاحة فعليًا للمستهلكين ويدفع الأسعار
إلى الارتفاع.
وتبرز أهمية مضيق هرمز في هذه المعادلة؛ فالمخاطر
الجيوسياسية فيه لا تعني بالضرورة توقف الإنتاج، وإنما قد تعيق حركة الناقلات أو
تؤخر وصول الشحنات إلى الأسواق. وهنا يتحول الخطر الجيوسياسي إلى علاوة مخاطر ترفع
أسعار النفط، ليس بسبب نقص الإنتاج، بل بسبب ارتفاع تكلفة ومخاطر إيصال البرميل
إلى المستهلك.
والأهم أن أسواق النفط تتحرك أحيانًا استباقيًا. فعندما
ترتفع المخاطر، يبدأ المتعاملون في تسعير احتمال حدوث نقص في الإمدادات قبل وقوعه
فعليًا. لذلك يمكن لخبر سياسي أو عسكري أن يرفع أسعار النفط خلال ساعات، بينما
يحتاج انخفاض الإنتاج الفعلي إلى وقت أطول حتى يظهر أثره في السوق.
فإن انتهاء الأزمة وعودة حركة الناقلات واستعادة تدفقات
النفط عبر مضيق هرمز يمكن أن تزيل جزءًا كبيرًا من علاوة المخاطر بسرعة، خصوصًا
إذا لم يحدث نقص حقيقي في الإنتاج. وهذا يفسر لماذا قد تهبط الأسعار بالسرعة نفسها
التي ارتفعت بها، لتعود إلى مستويات تعكس أساسيات السوق من إنتاج واستهلاك
ومخزونات.
إن الجيوسياسة أصبحت متغيرًا أساسيًا في تسعير النفط،
وقد يكون تأثيرها في المدى القصير أسرع، وفي بعض الحالات أعمق، من تأثير التغيرات
الفعلية في الإنتاج؛ لأنها لا تؤثر في الكميات فقط، بل في الثقة والمخاطر وتوقعات
المستقبل وتكلفة النقل والتأمين.
وفي سوق النفط، قد يكون الخوف من نقص الإمدادات أكثر
تأثيرًا من النقص نفسه. ولهذا فإن مراقبة أسعار النفط اليوم تتطلب قراءة الجغرافيا
السياسية إلى جانب بيانات الإنتاج والمخزونات والطلب؛ لأن البرميل لا يتحرك في
الأسواق بمعزل عن الأحداث التي تحيط بممرات تدفقه.