6/02/2026

اقتصاد الأمن والمخاطر

الثلاثاء 16 ذو الحجة 1447هـ 2 يونيو 2026م
المقال
الرياض

لم تكن الأزمة الحالية مجرد صراع إقليمي عابر، بل نقطة انعطاف تعيد رسم الاقتصاد العالمي، بالانتقال من عولمة منخفضة التكلفة إلى اقتصاد الأمن والمخاطر، حيث تقدم المرونة على الكفاءة. وقد كشفت أزمة بنيوية عميقة، إذ تكبدت 279 شركة خسائر بنحو 25 مليار دولار، وفقًا لرويترز، بينما قفز الغاز الأوروبي لأكثر من 100 % في يومين.

وتوزعت الخسائر القطاعية بشكل يعكس مدى حساسية القطاعات لصدمة الطاقة، حيث تصدر قطاع الطيران قائمة المتضررين بخسائر قاربت 15 مليار دولار، أي ما يعادل 60 % من إجمالي الخسائر، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود وتكاليف التشغيل، في حين تُشير التقديرات إلى أن كل زيادة بنسبة 10 % في أسعار الوقود تؤدي إلى تراجع أرباح القطاع بنحو 12 %. وجاءت شركة تويوتا في المرتبة التالية بخسائر بلغت 4.3 مليارات دولار، ثم شركة بروكتر آند جامبل بخسائر متوقعة تقارب مليار دولار، وهو ما يعكس أن قطاعات السلع الاستهلاكية أقل حساسية نسبيًا لصدمات الطاقة.

وفي حال استمرار التصعيد لأشهر إضافية، تشير التقديرات إلى أن أسعار النفط قد تتراوح بين 120 و150 دولارًا، ما يرفع التضخم العالمي ويزيد الضغوط على تكاليف الإنتاج والنقل والغذاء، مع خسائر إجمالية قد تصل إلى تريليون دولار. أما في السيناريو الأكثر قتامة، وهو اندلاع حرب طويلة وإغلاق كامل لمضيق هرمز، فقد تتجاوز أسعار النفط 200 دولار للبرميل، مما يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود واسع واضطراب حاد في سلاسل الإمداد وتراجع التجارة الدولية، مع خسائر تتجاوز ثلاثة تريليونات دولار.

وتشير تقديرات كابيتال إيكونوميكس إلى أن وصول النفط إلى 100 دولار يرفع التضخم العالمي بمقدار يتراوح بين 0.6 % و0.7 %، بينما يرى محللو باركليز أن كل زيادة مستدامة بمقدار 10 دولارات في سعر النفط قد تخفض النمو الاقتصادي العالمي بين 0.1 % و0.2 % خلال عام. ومع الارتفاع الحالي الذي تجاوز 50 دولارًا، يتوقع صندوق النقد الدولي تراجع النمو العالمي إلى 2.5 % مقارنة بـ3.1 % قبل الحرب، ما يعني خسارة تقارب 600 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وامتدت الأزمة أيضًا إلى قطاع الشحن البحري، بعد أن علقت شركات كبرى مثل ميرسك وهاباج لويد عبور سفنها عبر الخليج، وحولت مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، ما أضاف نحو 20 يومًا إلى رحلات الشحن بين آسيا وأوروبا. وتشير التقارير إلى وجود عشرات ناقلات النفط المتوقفة قرب المضيق تحمل نحو 12 مليون برميل من الخام، في وقت ارتفعت فيه تكاليف التأمين والشحن البحري بأكثر من 100 %.

ورغم تراجع الأسعار بشكل حاد خلال الأسبوع الماضي، حيث تراجع برنت بأكثر من 11 %، أو 12.42 دولارًا الى 91.12 دولارًا، وغرب تكساس 10.58 %، أو 9.24 دولارات إلى 87.36 دولارًا، إلا ان الأسعار مازالت مرتفعة ومتقلبة وقد تعود الى ما فوق 100 دولارًا، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وفتح مضيق هرمز. وفي كل الأحوال مازال هناك نقص في إمدادات النفط والغاز وقد يمتد ذلك حتى نهاية العام الحالي، ما يمارس ضغوطًا تضخمية على نمو الاقتصاد العالمي.

في ظل هذه التطورات، بدأت قاعدة الكفاءة التي هيمنت على العولمة لعقود تتراجع تدريجيًا أمام قاعدة جديدة عنوانها الأمن ولو كان مكلفًا، فالعالم يتجه اليوم نحو إعادة هيكلة سلاسل الإمداد عبر تقصيرها، وزيادة الاحتياطيات الاستراتيجية، ورفع الإنفاق على أمن الطاقة، وتعزيز المرونة الاقتصادية بشكل غير مسبوق. وما نشهده اليوم لا يبدو مجرد أزمة عابرة تعقبها عودة إلى ما كان عليه الحال، بل هو ملامح مرحلة اقتصادية جديدة، تصبح فيها معايير الصمود والاستقرار أكثر حضورًا وأعمق تأثيرًا من منطق الكفاءة وحده.

5/26/2026

التهديد الأكبر لأمن الطاقة


9 ذو الحجة 1447هـ 26 مايو 2026م

المقال


تمر أسواق النفط العالمية بمرحلة غير مسبوقة منذ عقود، إذ تحولت الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط إلى أزمة مباشرة تهدد أمن الطاقة العالمي. ويحذّر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية من أن العالم يواجه "أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ"، في إشارة إلى اضطرابات إمدادات فاقت في حدتها أزمات 1973 و1979 و2022 مجتمعة، سواء من حيث حجم الانقطاع أو اتساع نطاقه الجغرافي أو تنوع السلع المتأثرة.

تتمركز جذور الأزمة في اضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، الذي تمر به نحو خمس تجارة النفط والغاز عالميًا. وتظهر بيانات أمريكية تراجع التدفقات بنحو 30 % إلى 14.6 مليون برميل يوميًا، بينما تقدر وكالة الطاقة الدولية فقدان 12.8 مليون برميل يوميًا منذ فبراير 2026. وفي تطور لاحق، أوضح غولدمان ساكس أن التدفقات هوت إلى 5 % فقط من مستوياتها الطبيعية، مما يمثل العامل الرئيس في التراجع الحاد للمخزونات.

لا تقتصر الأزمة على النفط الخام، بل تمتد إلى الغاز الطبيعي المسال، والغازات السائلة، والهيدروجين، والأمونيا، والأسمدة، والهيليوم، والميثانول، وبعض المعادن الحيوية كالألمنيوم. كما أن المشكلة لم تعد كمية فحسب، بل نوعية أيضًا، بسبب اعتماد الأسواق على خامات متوسطة وحامضة يصعب تعويضها، مما يفاقم اختلالات المصافي ويرفع تكاليف التشغيل وهوامش التكرير.

تشير تقديرات غولدمان ساكس إلى أن سحوبات المخزونات التراكمية بلغت 250 مليون برميل، فيما أوضح جيه بي مورغان أن المخزونات العالمية تراجعت من 8.5 مليار برميل إلى مستويات حرجة تقترب من 6.88 مليار برميل. وفي تحديث لاحق، يحذر غولدمان ساكس من تسارع غير مسبوق، إذ تتراجع المخزونات العالمية بمعدل 8.7 مليون برميل يوميًا، ويعود ثلثا هذا الانخفاض إلى تراجع النفط المخزّن على الناقلات في البحر. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن المخزونات سُحبت بمعدل قياسي بلغ 4 ملايين برميل يوميًا في أبريل 2026 وحده.

وأدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والغذاء، مما أعاد الضغوط التضخمية إلى الواجهة، مع تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي. وقد يدفع ذلك البنوك المركزية إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة أو تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا، مما يضغط على النمو العالمي ويزيد من هشاشة الاقتصادات الناشئة.

وبدأت بوادر ضعف الطلب تلوح في الأفق في بعض الأسواق، حيث انخفضت واردات المصافي في الصين، وهوت مبيعات الوقود محليًا، في مقابل تراجع حاد في واردات أوروبا من وقود الطائرات بنسبة 60 % تقريبًا، مما يُبرز تصاعد الضغوط التي تواجه قطاع الطيران وسلاسل التوريد.

ورغم سحب نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، وزيادة الإمدادات من الولايات المتحدة وكندا وروسيا، لم تنجح هذه الإجراءات في وقف تراجع المخزونات. ويحذر وود ماكنزي من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول يُشكّل أكبر تهديد لإمدادات الطاقة، إذ تسببت الحرب في تعطيل أكثر من11 مليون برميل يوميًا من النفط، وفقدان إمدادات غاز مسال تعادل 20 % من الإمدادات العالمية.

نتيجة لذلك، تجاوز برنت حاجز 100 دولار، مسجلاً متوسط 117 دولاراً في أبريل 2026، بزيادة سنوية بلغت 60 %، فيما يتحرك حالياً قرب مستوى 106 دولارات. وفي السيناريو الأكثر تشاؤماً، تتوقع مورغان ستانلي وصول الأسعار إلى 150 دولاراً، بينما ترى وود ماكنزي أنها قد تلامس حاجز 200 دولارًا في حال استمرار تعطل الإمدادات.

وبهذا يدخل سوق النفط مرحلة من التقلبات الممتدة، في ظل استمرار الحرب، وغموض مستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز، وشكوك حول قدرة الاقتصاد العالمي على تحمّل الأسعار المرتفعة. ومع اقتراب المخزونات من مستويات حرجة، تراهن إيران على عامل الوقت، إذ كلما طال الأمد، زادت الضغوط على القوى الكبرى للدفع نحو تسوية تعيد فتح المضيق. وتُشير غولدمان ساكس إلى أن استمرار انخفاض التدفقات عند هذه المستويات غير المسبوقة قد يُبقي الأسواق في حالة شح حاد، ما لم يحدث انفراج جيوسياسي أو إعادة توجيه فعّالة لسلاسل الإمداد.

اقتصاد الأمن والمخاطر

الثلاثاء 16 ذو الحجة 1447هـ 2 يونيو 2026م المقال الرياض د. فهد محمد بن جمعة لم تكن الأزمة الحالية مجرد صراع إقليمي عابر، بل نقطة انعطاف تعيد...