9/15/2026

النووي السعودي.. فوق الجبال

          

د. فهد محمد بن جمعة                             13-09-2026م

من فيينا، جاءت الرسالة السعودية واضحة بأن المملكة ماضية في تطوير برنامجها النووي السلمي بشفافية، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين، ومن دون حاجة إلى العمل في الظلام أو خلف الأبواب المغلقة. وأكد الأمير عبدالعزيز بن سلمان أن الطموح السعودي لا يحتاج إلى أقنعة أو مخابئ تحت الجبال، في إشارة إلى أن المملكة تتعامل مع مشروعها النووي باعتباره خيارًا استراتيجيًا معلنًا، وليس نشاطًا تسعى إلى إخفائه عن المجتمع الدولي.

البرنامج النووي السعودي ليس مشروعًا منفصلًا عن التحول الاقتصادي، ولا يقتصر على إنتاج الكهرباء وتلبية الطلب المحلي المتزايد على الطاقة. فهو جزء من منظومة متكاملة تستهدف تنويع مزيج الطاقة وتعظيم القيمة الاقتصادية للموارد الوطنية. ومع زيادة الاعتماد على مصادر متنوعة لتوليد الكهرباء، يمكن توجيه كميات أكبر من النفط إلى التصدير والصناعات التحويلية والبتروكيماوية، بما يرفع القيمة المضافة ويعزز العائد الاقتصادي من كل مورد.

وتزداد أهمية الطاقة النووية مع ارتفاع الطلب العالمي على الكهرباء، مدفوعًا بالنمو الصناعي والتوسع التقني ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. وفي هذه البيئة، لم تعد وفرة الطاقة وحدها كافية، بل أصبحت الموثوقية والاستقرار واستمرارية الإمدادات وتنوع المصادر عناصر أساسية في دعم النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات. ومن هنا يأتي النووي السعودي إلى جانب النفط والغاز والطاقة المتجددة، ضمن مزيج متنوع يستهدف تلبية احتياجات اقتصاد يتوسع ويتحول بسرعة.

ولا تتوقف الطموحات السعودية عند إنشاء المفاعلات، بل تمتد إلى الموارد التي يمكن أن تدعم بناء صناعة نووية متكاملة. فقد كشف الأمير عبدالعزيز بن سلمان عن اكتشاف 110 ملايين طن من الخام الذي يحتوي على تركيزات من اليورانيوم في منطقة المدينة المنورة. كما تمضي المملكة في استكشاف اليورانيوم وتطوير طرق الاستفادة منه، بما في ذلك استخراجه المصاحب لعمليات تصنيع الأسمدة، بما يعزز الاستفادة الاقتصادية من الموارد الوطنية.

وتستهدف المملكة إضافة نحو 17 غيغاواط من الطاقة النووية بحلول عام 2040، وهو هدف يتجاوز بناء المفاعلات إلى تأسيس منظومة متكاملة من القدرات الوطنية. ويتطلب ذلك تطوير الكفاءات البشرية، والقدرات الهندسية والصناعية، وسلاسل الإمداد، والبنية التنظيمية، ومراكز البحث والتطوير. ولذلك فإن البرنامج النووي يمثل أيضًا مشروعًا لبناء المعرفة وتوطين التقنية وتأهيل الخبرات السعودية، بما يتيح للمملكة امتلاك قدرات مستدامة تتجاوز مرحلة إنشاء المفاعلات وتشغيلها.

ويمثل التعاون الدولي محورًا رئيسيًا في المسار السعودي، خصوصًا من خلال اتفاقية "المادة 123" للاستخدامات السلمية مع الولايات المتحدة واتفاقية الضمانات الثنائية. وتوفر هذه الأطر أساسًا لشراكة طويلة الأمد في التكنولوجيا والاستثمار ونقل المعرفة وتطوير الكفاءات، إلى جانب تصميم المفاعلات وبنائها وتشغيلها وصيانتها وتأمين الوقود. كما تفتح المجال أمام الشركات الأمريكية المتخصصة للمشاركة في السوق السعودية، بما يعزز فرص نقل الخبرة وبناء قاعدة صناعية وتقنية محلية.

ويحمل ملف الوقود النووي أهمية خاصة في الرؤية السعودية، إذ يتيح إطار التعاون بحث إمكانية إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل المملكة، بالاستفادة من الموارد المحلية. ويمهد ذلك، من حيث المبدأ، لبناء سلسلة قيمة تبدأ من التعدين والاستكشاف وتمتد إلى معالجة الموارد وإنتاج الوقود النووي. وتعكس هذه الرؤية توجهًا يتجاوز شراء التكنولوجيا وتشغيل المفاعلات، نحو تطوير قدرات محلية أوسع، مع استمرار البرنامج ضمن الأطر الدولية والضوابط المرتبطة بالاستخدامات السلمية.

ويمثل البرنامج النووي السعودي سوقًا استراتيجية واعدة أمام شركات التكنولوجيا النووية، وفي مقدمتها ويستنغهاوس، للمشاركة في مشاريع بناء المفاعلات وتوفير خدمات التشغيل والصيانة وإمدادات الوقود. وتكتسب هذه الشراكات أهمية لأنها لا تقتصر على تنفيذ المشاريع، بل يمكن أن تشمل نقل المعرفة وتطوير الكفاءات وبناء سلاسل إمداد محلية. وفي المقابل، تستفيد المملكة من الخبرات الدولية لتسريع تطوير قدراتها النووية والصناعية وفق المعايير والاشتراطات المعمول بها.

إن الرسالة السعودية أكبر من مجرد إنتاج الكهرباء أو إضافة مصدر جديد إلى شبكة الطاقة. المملكة تريد استثمار مواردها المتنوعة، من النفط والغاز إلى اليورانيوم والمعادن والطاقة المتجددة، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وصناعية مستدامة. والهدف هو بناء منظومة طاقة أكثر تنوعًا وقدرة على دعم النمو الصناعي والتقني، بالتوازي مع تطوير قاعدة معرفية وهندسية وطنية تجعل من البرنامج النووي جزءًا من مسار أوسع للتنويع الاقتصادي.

ومن فيينا جاءت الرسالة بلا غموض، فالسعودية لا تخفي طموحها النووي ولا ترى حاجة إلى ذلك، بل تضع مشروعها أمام العالم ضمن شراكات دولية وأطر معلنة ورؤية اقتصادية طويلة المدى. وبينما يدور الحديث عن المفاعلات واليورانيوم والوقود والتقنية، تتشكل صورة أوسع لمشروع يريد تعزيز أمن الطاقة وتطوير الصناعة ودعم الاقتصاد. لذلك فإن النووي السعودي ليس مشروعًا خلف الجبال، بل مشروع فوق الجبال، واضح الأهداف ومعلن الطموح.

النفط بين هرمز والمندب

 د. فهد محمد بن جمعة                           13-09-2026م                     


لم يعد سوق النفط العالمي يتعامل مع مضيقي هرمز وباب المندب باعتبارهما مجرد ممرين بحريين، بل تحوّلا إلى عنصرين حاسمين في تسعير الطاقة، بعد ستة أشهر من الحرب الأمريكية الإيرانية، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والهجمات على الناقلات ومنشآت الطاقة. ويمثل هرمز شريان صادرات الخليج، بينما يشكّل باب المندب بوابة رئيسية لحركة النفط والمنتجات بين الشرق والغرب عبر البحر الأحمر وقناة السويس.


وتزداد المخاطر مع سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية في منطقة باب المندب، بينها بلدة ذو باب وجزيرة بريم، بحسب تقارير ميدانية. ويمر عبر المضيق نحو 6.2 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى أوروبا. وأي اضطراب قد يدفع الناقلات إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أياماً إلى الرحلات ويرفع تكاليف الشحن والتأمين.


لكن هرمز يبقى الحلقة الأكثر حساسية، إذ تمر عبره في الظروف الطبيعية تدفقات تعادل نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. ومع تراجع حركة الناقلات بسبب المخاطر الأمنية، تظهر معادلة خطرة تتمثل في أن النفط قد يكون متوافراً في الحقول والمخزونات، لكن تعذر نقله يعني عملياً أن جزءاً من الإمدادات لم يعد متاحاً للمستهلكين.


وتتضاعف المخاطر مع انتقال الاستهداف إلى البنية التحتية البرية البديلة. فقد كشف استهداف خط أنابيب شرق-غرب في العاشر من سبتمبر، وهو أحد أهم مسارات تعويض مخاطر هرمز، أن التهديد بات يشمل البدائل البرية أيضاً. ومع إعلان وزارة الطاقة السعودية عن إصابات وتوقف احترازي للخط، يصبح تضرر هذا المسار عاملاً إضافياً يحد من قدرة السوق على امتصاص الصدمات.


وتأتي هذه التطورات وسط تحذيرات وكالة الطاقة الدولية من ضيق متزايد في السوق، مع توقع انخفاض إمدادات النفط العالمية بنحو 5.7 مليون برميل يومياً في 2026 إلى متوسط 100.7 مليون برميل، مقابل انخفاض الطلب بنحو 2.5 مليون برميل يومياً. كما تراجعت المخزونات العالمية المرصودة 95 مليون برميل في أغسطس، ليصل السحب التراكمي منذ فبراير إلى 507 ملايين برميل.


وخلال الأسبوع الماضي، ارتفع سعر برنت بـ8.33 دولارات، أو 8.65%، إلى 104.61 دولارًا. كما صعد غرب تكساس 8.57 دولارات، أو 9.37%، إلى 100.05 دولارًا، وسط تقديرات بإمكانية ارتفاع الأسعار إلى 120 دولارًا إذا طال أمد الاضطرابات، حسب تقديرات جولدمان ساكس. وتعني كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر البرميل، مع استهلاك عالمي يقترب من 100 مليون برميل يوميًا، نحو مليار دولار إضافية يوميًا من التكلفة على الاقتصاد العالمي.


هكذا أصبح هرمز والمندب وخطوط الأنابيب البرية أجزاء مترابطة من معادلة أمن الإمدادات. وكلما اتسع الاستهداف، ارتفعت علاوة المخاطر وتراجعت قدرة السوق على امتصاص الصدمات، ما يجعل استعادة الاستقرار وحماية البنية التحتية النفطية العامل الحاسم لعودة السوق تدريجياً إلى أساسيات العرض والطلب.

9/08/2026

النفط للمجهول

الثلاثاء 26 ربيع الأول 1448هـ 8 سبتمبر 2026

المقال
الرياض
دخلت أسواق النفط مرحلة جديدة من التقلبات الحادة مع تجدد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران في محيط مضيق هرمز، وسط مخاوف من تحول المواجهة إلى أزمة ممتدة تهدد أحد أهم ممرات الطاقة عالميًا. ورغم تراجع الأسعار جزئيًا بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن العمليات ضد إيران لن تستمر طويلًا، فإن اضطراب حركة الناقلات وتراجع المخزونات الأمريكية يبقيان علاوة المخاطر مرتفعة، ويعززان احتمالات عودة أسعار الخام إلى 100 دولار.

وتبقى حركة الملاحة في هرمز المؤشر الأكثر حساسية للسوق. فقد أظهرت بيانات شركة كيبلر تراجع عدد سفن السلع العابرة للمضيق إلى نحو أربع أو خمس سفن يوميًا، مقارنة بمتوسط بلغ 13 إلى 14 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة. وفي المقابل، أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت عبور نحو 17 مليون برميل من النفط الخام للمضيق في أحد أيام الأسبوع، بما يعكس استمرار تدفق الإمدادات رغم المخاطر الأمنية.

وتشير بيانات تتبع السفن TankerTrackers.com إلى مرور نحو 5 ملايين برميل يوميًا من الخام عبر هرمز خلال آخر 28 يومًا، معظمها من دول غير إيران، إلى جانب نحو 2.5 مليون برميل يوميًا عبر موانئ خليج عُمان، بما فيها الفجيرة الإماراتية. وتظل هذه التدفقات كافية لتخفيف أثر محاولات طهران استخدام المضيق كسلاح اقتصادي، إذ إن استمرار تدفق نفط الخليج، بمساعدة أمريكية، حدّ من قدرة إيران على إحداث صدمة عالمية واسعة.

وفي نهاية الأسبوع، ارتفع خام برنت إلى نحو 96.28 دولارًا للبرميل، فيما بلغ غرب تكساس 91.48 دولارًا. وإذا استمرت الهجمات والتوترات العسكرية بين واشنطن وطهران، فإن سوق النفط ستظل رهينة للتطورات الميدانية، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة وامتداد تداعياتها إلى منشآت الطاقة وممرات الإمداد.

وتزداد الضغوط مع انخفاض مخزونات النفط الخام التجارية الأمريكية 4.5 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 28 أغسطس، بالتزامن مع تراجع الاحتياطي الاستراتيجي 3.1 مليون برميل إلى 286.6 مليون برميل. ورغم مساعدة المخزونات العالمية المرتفعة السوق على امتصاص الصدمة الأولية، فإن استمرار الأزمة قد يستنزف تلك الاحتياطيات. وفيما يدعم التصعيد الأسعار، فقد يحد من مكاسب استمرار حركة الشحن.

هكذا تبدو السوق عالقة بين سيناريو تهدئة يخفض علاوة المخاطر، وآخر أكثر تصعيدًا قد يدفع النفط فوق 100 دولار. ومع استمرار الضغوط الاقتصادية داخل إيران، وتراجع الريال، وارتفاع التضخم، ونقص الوقود، تصبح خيارات طهران أكثر صعوبة بين العودة إلى التفاوض أو التصعيد. وفي الحالتين، بات مسار النفط أكثر ارتباطًا بأمن مضيق هرمز والتطورات العسكرية، وأقل خضوعًا لأساسيات العرض والطلب.

9/06/2026

الجيوسياسة.. التأثير الأعمق

06-09-2026

د. فهد مجمد بن جمعة

لم تعد أسعار النفط تتحرك وفق معادلة العرض والطلب التقليدية وحدها، بل أصبحت العوامل الجيوسياسية قادرة على إعادة تشكيل هذه المعادلة بسرعة، خصوصًا عندما ترتبط بأحد أهم ممرات تجارة الطاقة العالمية، مثل مضيق هرمز. ولذلك فإن تأثير الجيوسياسة على سوق النفط قد يكون أعمق وأسرع من تأثير التغيرات الفعلية في مستويات الإنتاج.

فالأسواق لا تتعامل فقط مع كمية النفط المنتجة، وإنما مع قدرة المنتجين على تصديرها ووصولها إلى الأسواق العالمية. وقد يستمر الإنتاج عند مستوياته الطبيعية، لكن اضطراب طرق النقل أو ارتفاع المخاطر الأمنية قد يؤدي إلى تراجع الصادرات، وهو ما يقلص الإمدادات المتاحة فعليًا للمستهلكين ويدفع الأسعار إلى الارتفاع.

وتبرز أهمية مضيق هرمز في هذه المعادلة؛ فالمخاطر الجيوسياسية فيه لا تعني بالضرورة توقف الإنتاج، وإنما قد تعيق حركة الناقلات أو تؤخر وصول الشحنات إلى الأسواق. وهنا يتحول الخطر الجيوسياسي إلى علاوة مخاطر ترفع أسعار النفط، ليس بسبب نقص الإنتاج، بل بسبب ارتفاع تكلفة ومخاطر إيصال البرميل إلى المستهلك.

والأهم أن أسواق النفط تتحرك أحيانًا استباقيًا. فعندما ترتفع المخاطر، يبدأ المتعاملون في تسعير احتمال حدوث نقص في الإمدادات قبل وقوعه فعليًا. لذلك يمكن لخبر سياسي أو عسكري أن يرفع أسعار النفط خلال ساعات، بينما يحتاج انخفاض الإنتاج الفعلي إلى وقت أطول حتى يظهر أثره في السوق.

فإن انتهاء الأزمة وعودة حركة الناقلات واستعادة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز يمكن أن تزيل جزءًا كبيرًا من علاوة المخاطر بسرعة، خصوصًا إذا لم يحدث نقص حقيقي في الإنتاج. وهذا يفسر لماذا قد تهبط الأسعار بالسرعة نفسها التي ارتفعت بها، لتعود إلى مستويات تعكس أساسيات السوق من إنتاج واستهلاك ومخزونات.

إن الجيوسياسة أصبحت متغيرًا أساسيًا في تسعير النفط، وقد يكون تأثيرها في المدى القصير أسرع، وفي بعض الحالات أعمق، من تأثير التغيرات الفعلية في الإنتاج؛ لأنها لا تؤثر في الكميات فقط، بل في الثقة والمخاطر وتوقعات المستقبل وتكلفة النقل والتأمين.

وفي سوق النفط، قد يكون الخوف من نقص الإمدادات أكثر تأثيرًا من النقص نفسه. ولهذا فإن مراقبة أسعار النفط اليوم تتطلب قراءة الجغرافيا السياسية إلى جانب بيانات الإنتاج والمخزونات والطلب؛ لأن البرميل لا يتحرك في الأسواق بمعزل عن الأحداث التي تحيط بممرات تدفقه.

9/05/2026

مجاعة النفط الإيراني


05-09-2026

د. فهد بن جمعة

دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة يمكن وصفها بـمجاعة النفط، بعدما تحولت أزمة تصدير الخام إلى أزمة عملة ونقد أجنبي ومعيشة. فالمشكلة لم تعد في قدرة إيران على إنتاج النفط، بل في قدرتها على تصديره وتحويل عائداته إلى دولارات، في ظل العقوبات الأمريكية والقيود على حركة الناقلات وقنوات التمويل والشحن.

وتكشف بيانات الشحن حجم الاختناق؛ إذ تراجعت الصادرات الإيرانية إلى نحو 260 ألف برميل يوميًا في أغسطس 2026، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يوميًا في أغسطس 2025، وبأكثر من النصف عن يوليو، بعدما كانت تقترب من مليوني برميل يوميًا في مارس. ويعني ذلك فجوة تصديرية ضخمة تضغط مباشرة على إيرادات الدولة من العملة الصعبة. ورغم تأكيد طهران استمرار الإنتاج ومحاولاتها الالتفاف على القيود، فإن الفارق بين الإنتاج والقدرة على الوصول إلى الأسواق أصبح أكثر وضوحًا.

وتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار النفط العالمية؛ إذ اقترب خام برنت من 100 دولار للبرميل، مدفوعًا بالمخاوف من اضطراب الإمدادات والتوترات العسكرية. لكن ارتفاع السعر العالمي لا يعوض إيران عن فقدان قدرتها على تصدير النفط وتحصيل عائداته بحرية.

وتنتقل الصدمة سريعًا إلى العملة والأسعار. فقد تراجع الريال الإيراني بنحو 60% منذ بداية الحرب في السوق الموازية، متجاوزًا 2.2 مليون ريال للدولار، بينما بلغ التضخم السنوي نحو 69.9%، ووصل تضخم الغذاء إلى 128%. كما انخفضت التجارة الخارجية بنحو 35%، وفق تصريحات إيرانية، في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبة متزايدة في توفير السيولة والعملات الأجنبية لتمويل الواردات.

ولا تتوقف الأزمة عند النفط والتجارة؛ فالقطاع المصرفي والموازنة العامة يضيفان ضغوطًا داخلية إلى العقوبات الخارجية. كما تواجه إيران أزمة وقود رغم كونها منتجًا كبيرًا للنفط، بسبب محدودية قدرات التكرير، ما يضطرها إلى استيراد البنزين واستنزاف احتياطياتها من النقد الأجنبي.

وتدفع هذه التطورات الاقتصاد نحو ما يشبه اقتصاد البقاء؛ تقنين بعض السلع، تقييد الوصول إلى العملات الأجنبية، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، في وقت ترتفع فيه تكاليف الغذاء والسكن بوتيرة تفوق نمو الدخول.

وهنا تكمن جوهر مجاعة النفط؛ إنتاج النفط لا يحقق قيمته الاقتصادية بمجرد استخراجه، وإنما عندما يمكن تصديره وتحويل عائداته إلى نقد أجنبي قابل للاستخدام. وإذا استمر اختناق الصادرات، فقد تتحول أزمة النفط من أزمة إيرادات إلى أزمة اقتصادية شاملة، تُضعف قدرة الدولة على تمويل الواردات والإنفاق، وتزيد الضغوط المعيشية والاجتماعية. وحتى انتهاء الأعمال العسكرية لن يعني بالضرورة عودة الأموال سريعًا؛ فإعادة بناء قنوات الشحن والتأمين والتمويل والمراسلة المصرفية قد تستغرق وقتًا، ما يجعل التعافي الاقتصادي الإيراني أطول وأصعب من مجرد وقف الحرب.

النووي السعودي.. فوق الجبال

            د. فهد محمد بن جمعة                             13-09-2026م من فيينا، جاءت الرسالة السعودية واضحة بأن المملكة ماضية في تطوير ب...