بحلول عام 2050، سيكون الذكاء الاصطناعي قد أنتج ثروات هائلة، لكن أغلبنا لن يملك ما يشتريها. في سباق محموم نحو الإنتاجية، تتنافس الشركات على أتمتة كل ما يمكن أتمتته، معتقدة أن خفض التكاليف هو طريق الربح الأوحد. لكن دراسة حديثة في دورية Nature تحذر من مفارقة خطيرة، كلما زاد اعتمادنا على الذكاء الاصطناعي في استبدال العمال، كلما اقتربنا من انخفاض بنسبة 21% في الاستهلاك الفردي بحلول 2050. فالمشكلة ليست في كفاءة الآلة، بل في أنها تنتج سلعاً لا يملك عمالها سابقاً ما يكفي لشرائها. بينما تتراكم الأرباح في الأعلى، تنكمش الطبقة الوسطى، ويتحول النمو الاقتصادي إلى وهم بلا مستهلكين.
صحيح أن الذكاء الاصطناعي يحقق مكاسب للمستهلك على المدى القريب، عبر خفض تكاليف الإنتاج مما ينعكس على أسعار السلع، وتوفير أدوات ذكية لمقارنة الأسعار، وتقديم توصيات شراء مخصصة تقلل الهدر المالي. لكن هذه الإيجابيات سرعان ما تتلاشى أمام التأثيرات الهيكلية الأعمق. فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف فقط، بل يخفض الأجور أيضاً، إذ يجد العامل نفسه مضطراً للتنافس مع آلة لا تطلب راتباً، مما يدفع الشركات إلى خفض تعويضاته أو تقليص ساعات عمله. النتيجة أن حتى من لم يُفصل يشعر بانخفاض دخله الحقيقي، ومع تراكم هذه الضغوط على ملايين الأسر، يتراجع الطلب الكلي، فتجد الشركات نفسها تنتج أكثر ولكنها تبيع أقل.
وفق النماذج الاقتصادية التي نشرتها دورية Nature، فإن زيادة معتدلة في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى انخفاض الدخل المتاح للفرد بـ 26%، ومؤشر الاستهلاك بـ 21% خلال ثلاثة عقود فقط. والأكثر إثارة للقلق أن الدراسة تؤكد وجود عتبة حرجة، فعندما يتجاوز الاستبدال نسبة معينة، لن تستطيع حتى معدلات خلق الوظائف المرتفعة تعويض الانكماش الاستهلاكي. بعبارة أبسط، هناك نقطة لا عودة بعدها، عندها يتحول الذكاء الاصطناعي من محرك للنمو إلى عامل انكماش.
في الولايات المتحدة، يمثل الـ 10% من أصحاب الدخل الأعلى حوالي نصف إجمالي الإنفاق الاستهلاكي. ومع الذكاء الاصطناعي، ستتراكم المكاسب بشكل حاد في الأعلى عبر أرباح الشركات والعوائد على رأس المال، بينما تتراجع حصة الطبقات الوسطى والدنيا. وهذا يعني أن الاقتصاد سيصبح معتمداً بشكل خطير على شريحة ضيقة من المستهلكين، وهو هيكل هش، فإذا توقف إنفاق الأغنياء لأي سبب، انهار الطلب الكلي. يتعمق التناقض حين ندرك أن التقنية التي تصنع الوفرة هي نفسها التي تقوّض القدرة على تملكها.
الذكاء الاصطناعي ليس نهاية حتمية للاستهلاك، بل أداة لإعادة توزيعه. فالتقنية نفسها ليست المشكلة، بل الطريقة التي ندمجها بها في اقتصاداتنا. الحل ليس في كبح التطور التكنولوجي، بل في سياسات استباقية تعيد توازن المعادلة. يقدم صندوق النقد الدولي رؤية واضحة تتلخص في تحديث شبكات الأمان الاجتماعي عبر برامج دعم مالي مرنة ودراسة الدخل الأساسي الشامل، وفرض ضرائب مبتكرة على أرباح الشركات التقنية وتوجيهها لدعم المتضررين، والاستثمار في التعليم المستمر والتركيز على المهارات الإنسانية الفريدة كالإبداع والقيادة، وتطوير سياسات سوق عمل نشطة تشمل إعانات الأجور المؤقتة ومراكز توجيه مهني ذكية. وبدلاً من السباق مع الآلات، علينا الاستثمار في المهارات التي يصعب تقليدها.
إن مستقبل الاقتصادات لن يتحدد بقدرتها على إنتاج المزيد باستخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل بقدرتها على المحافظة على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، فكل اقتصاد يفقد قوته الشرائية يفقد تدريجياً محرك نموه الداخلي، ولذلك فإن نجاح ثورة الذكاء الاصطناعي لن يقاس بعدد الوظائف التي استبدلتها الآلات، بل بعدد الوظائف الجديدة التي خلقتها، وبمدى قدرتها على رفع مستوى معيشة الإنسان لا مجرد زيادة أرباح الشركات، والخيار واضح أمامنا، فإما أن نعيد تصميم عقودنا الاجتماعية اليوم، أو نواجه غداً اقتصاداً ينتج وفرةً لا يشتريها أحد، ويتحول النمو إلى وهم في واقع من الآلات الصامتة.