الثلاثاء 18 ذو القعدة 1447هـ - 5 مايو 2026 م
المقال
الرياض
جاء قرار الدول السبع في أوبك+، يوم الأحد، بزيادة الإنتاج تدريجيًا بنحو 188 ألف برميل يوميًا خلال يونيو، ليؤكد استمرار التحالف في إدارة السوق بمنهج مؤسسي مرن، قادر على التكيّف مع متغيرات العرض والطلب دون الإخلال بهدفه الأساسي في تحقيق الاستقرار، كما يعكس المضي في تنفيذ الخطط، رغم انسحاب الإمارات، قوة تماسك التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية على المديين القريب والبعيد، بدلًا من أن يشكّل ذلك عامل إضعاف.
لم يكن هذا التطور مفاجئًا؛ إذ لوّحت الإمارات بالانسحاب خلال السنوات الماضية، كما واجهت تحديات في الالتزام بحصص الإنتاج. وتشير تقديرات السوق إلى تباين مستويات الالتزام داخل التحالف بين 70 % و110 %، ما خلق فجوة بين المستهدفات الرسمية والإنتاج الفعلي. ومن ثم، فإن خروج دولة تميل إلى تجاوز القيود قد يسهم في رفع متوسط الالتزام لبقية الأعضاء وتعزيز مصداقية سياسة الحصص.
وعلى صعيد الأرقام، بلغ إنتاج أوبك+ نحو 42.76 مليون برميل يوميًا في فبراير 2026، منها قرابة 3.4 مليون برميل يوميًا للإمارات، أي ما يقارب 8 % من إجمالي إنتاج التحالف. ومع خروجها، ينخفض الإنتاج إلى نحو 39.3 مليون برميل يوميًا، بما يعادل قرابة 37 % من الإمدادات العالمية. ورغم هذا التراجع، تظل القدرة الإنتاجية الفائضة، خصوصًا لدى المملكة، نحو مليوني برميل يوميًا، عامل توازن محوري قادر على امتصاص الصدمات وضبط إيقاع السوق.
هنا يبرز الدور القيادي للمملكة العربية السعودية بوصفها الركيزة الأساسية لاستقرار التحالف، حيث يُتوقع أن ترتفع الثقة في إدارتها للسوق النفطية، مستندة إلى مرونتها الإنتاجية وقدرتها على التدخل السريع عند الحاجة، فالسعودية لا تكتفي بتوفير الإمدادات، بل تقدم موثوقية عالية تجعلها عنصرًا حاسمًا في استقرار السوق العالمية، خاصة في بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.
وعلى مستوى السوق العالمية، يُرجّح أن يكون الأثر الفوري لخروج الإمارات محدودًا في ظل التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها اضطرابات مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 % من تجارة النفط العالمية. أما على المدى الطويل، فمن المتوقع أن يدفع هذا التحول أوبك+ إلى تبني سياسات أكثر ديناميكية تقوم على مراجعة دورية للإنتاج والحصص بما يتماشى مع تطورات السوق. كما يفتح المجال أمام التحالف لإعادة ضبط آليات الإنتاج بمرونة أكبر، سواء عبر إعادة توزيع الحصص أو تسريع وتيرة تخفيف ما تبقى من التخفيضات الطوعية، بما يعزز كفاءة إدارة المعروض النفطي.
في المقابل، لم تكن إشادة الرئيس ترمب بالقرار في محلها، إذ تجاهلت أثر تراجع الأسعار على إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، الذي يقترب من ذروته عند 13.6 مليون برميل يوميًا. فانخفاض الأسعار يضغط على الجدوى الاقتصادية للإنتاج الأعلى تكلفة، ما قد يسهم بشكل غير مباشر في إعادة التوازن للسوق، خصوصًا مع تسارع نمو الإمدادات من خارج أوبك+.
تؤكد التجارب التاريخية قدرة المنظمة على التكيف مع التحولات الكبرى، ما يجعل هذا الانسحاب أقرب إلى تحول رمزي منه إلى تغيير جوهري في توازنات السوق، ولا يعني ذلك تراجع دور أوبك+، بل قد يمهّد لمرحلة أكثر انضباطًا وواقعية، يُقاس فيها تماسك التحالف بمدى الالتزام وتجانس السياسات بين أعضائه، لا بعددهم. وإذا أُحسن استثمار هذه المرحلة، فقد تتحول الخطوة إلى فرصة استراتيجية تعزز قدرة أوبك+، بقيادة المملكة العربية السعودية، على تحقيق هدفها الأساسي في استقرار سوق النفط العالمي وضمان أمن الإمدادات في مختلف الظروف.