الثلاثاء 11 ذو القعدة 1447هـ- 28 إبريل 2026م
المقال
الرياض
أوضح تقرير رؤية 2030 لعام 2025 أن المملكة دخلت مرحلة متقدمة من التحول، لم يعد فيها النمو غاية بحد ذاته، بل انعكاسًا لأثر اقتصادي أعمق. فقد مثّل عام 2025 نقطة نضج انتقلت فيها النتائج من تسجيل معدلات نمو إلى إحداث تغيّر ملموس في بنية الاقتصاد وتوازن منظومة الطاقة. وبذلك، أصبح التركيز موجّهًا نحو تعظيم الأثر واستدامته، عبر نهج أكثر مرونة يسرّع الإنجاز ويعزّز كفاءة توجيه الموارد وفق أولويات واضحة.
على مستوى الاقتصاد الكلي، لم يعد نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي البالغ 4.5% هو المؤشر الأهم بحد ذاته، بل دلالته على اتساع القاعدة الإنتاجية التي قاربت 4.9 تريليون ريال. ويتجلى الأثر بصورة أوضح في نمو الأنشطة غير النفطية بمعدل 4.9%، بما يعكس تحولًا حقيقيًا نحو اقتصاد أكثر تنوعًا. كما يتعزز هذا الأثر مع ارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 55% من الناتج المحلي، وزيادة الصادرات غير النفطية إلى 624 مليار ريال.
وفي المالية العامة، يتضح التحول من خلال تنامي كفاءة الإيرادات، حيث بلغت الإيرادات غير النفطية 505.3 مليار ريال، بما يعادل نحو 45.45% من إجمالي الإيرادات، في دلالة على تراجع الاعتماد النسبي على النفط وليس الاستغناء عنه. كما يظهر الأثر في تحسن جاذبية الاقتصاد، مع ارتفاع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر بمعدل 13% إلى 1.1 تريليون ريال، مدعومًا ببيئة استثمارية أكثر تنافسية، فيما عززت الأصول الاحتياطية البالغة 1.73 تريليون ريال من متانة الاستقرار المالي.
أما على المستوى الهيكلي، فيتجلى الأثر في التحول النوعي للاقتصاد، مع تجاوز عدد الشركات العالمية ذات المقرات الإقليمية 700 شركة، إلى جانب تصدّر المملكة نمو منظومة الابتكار عالميًا، وتسجيل الرياض أعلى معدل نمو بين أفضل 100 مدينة، بما يعكس انتقال الاقتصاد تدريجيًا نحو نموذج قائم على الإنتاجية والابتكار.
وفي قطاع الطاقة، لم يعد التوسع في القدرات هدفًا بحد ذاته، بل أداة لتعزيز أمن الإمدادات واستدامتها. فقد ارتفعت قدرات الطاقة المتجددة بواقع 87% لتصل إلى 12.3 غيغاواط، كما صعدت حصتها في مزيج الكهرباء إلى 12.2% مقارنة بـ0.5% في عام 2020. ويجسّد هذا التحول أثرًا مباشرًا في تنويع مصادر الطاقة، مدعومًا بتطوير الشبكات وأتمتتها، ورفع قدرات التخزين إلى 30 غيغاواط/ساعة. وفي موازاة ذلك، واصل قطاع النفط التقليدي نشاطه، مع تسجيل 41 اكتشافًا جديدًا للزيت والغاز منذ عام 2020 حتى نهاية العام الماضي، بما يعزز مرونة منظومة الطاقة واستمرارية الإمدادات.
كما يتعزز هذا الأثر من خلال التقدم نحو تحقيق مستهدف إنتاج 50% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، حيث تم إنجاز نحو 24% من هذا الهدف، بالتوازي مع رفع كفاءة الطاقة التقليدية عبر التوسع في إنتاج الغاز الطبيعي، لا سيما من حقل الجافورة، بما يسهم في تقليل استخدام النفط في توليد الكهرباء وتعزيز كفاءة المنظومة. ويأتي ذلك ضمن توجه أوسع لتنويع مسارات التصدير وتقليل المخاطر المرتبطة بالمضائق البحرية.
وتؤكد نتائج عام 2025 هذا التحول، مع تحقيق 93% من مستهدفات الرؤية، واكتمال أو تقدم 90% من المبادرات، بما يعكس انتقالًا فعليًا إلى مرحلة يُقاس فيها النجاح بكفاءة الأثر واستدامته. وفي هذا السياق، يتبلور نموذج سعودي جديد يقوم على تعظيم الأثر لا مجرد تحقيق النمو، عبر مزيج متوازن بين الاستفادة من الموارد التقليدية وتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، في ظل اقتصاد أكثر تنوعًا وقطاع طاقة أكثر توازنًا واستشرافًا للمستقبل.