النفط... مخاطر الإمدادات تتصاعد
د.
فهد محمد بن جمعة
مدونة
اقتصاديات الطاقة
المقال:
تواصل التوترات
الجيوسياسية في الشرق الأوسط الضغط على أسواق النفط، مع تصاعد الهجمات على ناقلات
النفط في مضيق هرمز ومحيطه، وتراجع حركة الملاحة، بالتزامن مع تعطل جزء من الإنتاج
الأميركي بسبب الإعصار إساياس في خليج المكسيك. وتعكس تحركات الأسعار استمرار
هيمنة مخاطر الإمدادات وتكاليف الشحن على تأثير التصريحات السياسية بشأن التهدئة،
ما يؤكد أن استقرار السوق لا يرتبط بالتطورات الدبلوماسية وحدها، بل بمدى انعكاسها
على تدفقات النفط الفعلية.
أنهت أسعار
النفط الأسبوع على ارتفاع، إذ صعد خام برنت 2.48 دولار، أو 2.4%، إلى 104.73
دولار، فيما ارتفع خام غرب تكساس 0.74 دولار، أو 0.8%، إلى 91.85 دولار. وجاء ذلك
بعد تراجع الأسعار عقب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن واشنطن لن تشن
هجوماً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، إلى جانب حديثه عن
محادثات مثمرة لإنهاء الصراع. ويشير اختلاف استجابة السوق إلى أن الآمال السياسية
بالتهدئة لا تزال تصطدم بمخاطر الإمدادات على أرض الواقع.
وتظل الملاحة
في مضيق هرمز محور المخاطر؛ إذ تعرضت تسع ناقلات لهجمات خلال أسبوع، فيما أظهرت
بيانات كبلر عبور نحو 9.5 مليون برميل يومياً خلال الأسبوع المنتهي الثلاثاء،
بانخفاض يقارب 30% عن مستويات ما قبل التوترات. وقدرت بيانات أخرى التدفقات بنحو
10.1 مليون برميل يومياً، مع عبور سبع ناقلات فقط الثلاثاء، وهو أدنى مستوى منذ
أواخر يوليو. وتكشف هذه الأرقام عن اضطراب ملموس في حركة الشحن، حتى مع استمرار
تدفق كميات من النفط عبر المسارات المتاحة.
وتتجاوز أهمية
المضيق حجم التدفقات المتراجعة؛ فقد كان يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط
والوقود العالمية قبل الحرب. ورغم بلوغ إجمالي تدفقات النفط من الشرق الأوسط، بما
يشمل الكميات المنقولة عبر خطوط الأنابيب، 16.4 مليون برميل يومياً، فإن استمرار
المخاطر البحرية يهدد انتظام الإمدادات ويرفع تكاليف التأمين والشحن ويحد من توافر
الناقلات. كما قد تتسع الفجوة بين أسعار العقود الآجلة وتكلفة الحصول على الشحنات
الفعلية، إذا ظلت الإمدادات المتاحة أقل من احتياجات المشترين.
وفي الولايات
المتحدة، أوقف المنتجون نحو 1.3 مليون برميل يومياً من إنتاج النفط في خليج
المكسيك، بما يعادل 62.9% من الإنتاج الحالي، استجابة للإعصار إساياس. ويضيف ذلك
ضغطاً مؤقتاً على المعروض، فيما تتوقف سرعة التعافي على نتائج فحص المنشآت
واستئناف العمليات. وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية للأسبوع المنتهي
في 2 أكتوبر 2026 انخفاض مخزونات النفط التجارية 3.3 مليون برميل، وارتفاع مخزونات
البنزين 0.4 مليون برميل، مع استقرار مخزونات المقطرات، بما يعكس تباين حركة
المخزونات بين المنتجات النفطية.
وفي المقابل،
استأنفت الصين صادرات الوقود بحصة تبلغ 3.7 مليون طن لشهر أكتوبر، ما قد يخفف
الضغوط على أسواق المنتجات المكررة، خصوصاً الديزل ووقود الطائرات. كما أعلن ترامب
اتفاقاً مع الرئيس الروسي لزيادة إمدادات الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة
والأسواق العالمية، تبدأ بأكثر من 300 ألف طن فوراً، وترتفع إلى 500 ألف طن خلال
نوفمبر، ثم مليون طن بعده، مع توقع وصول الإجمالي إلى 3 ملايين طن. وأصدرت وزارة
الخزانة الأميركية ترخيصاً مؤقتاً يسمح بتصدير الديزل الروسي، في خطوة تستهدف
زيادة المعروض وتهدئة الأسعار التي ارتفعت بنحو 70% منذ اندلاع الحرب في إيران.
ومع ذلك، فإن زيادة إمدادات الديزل قد تخفف
ضغوط سوق الوقود، لكنها لا تعوض بالضرورة نقص النفط الخام أو مخاطر تعطل الملاحة
الخليجية، لاختلاف المنتجات ومسارات الإمداد. لذلك، سيظل اتجاه أسعار النفط
مرتبطاً بتطورات مضيق هرمز، ومسار المفاوضات، وحجم الإمدادات المتوقفة، وسرعة
عودتها إلى السوق. وقد تخفض التهدئة السياسية علاوة المخاطر، لكن استمرار الهجمات
وتراجع حركة الناقلات سيحدان من فرص هبوط مستدام للأسعار، ما لم تتحسن سلامة
الملاحة وتتعافَ التدفقات الفعلية.