هرمز... توترات ومفاوضات
د. فهد محمد بن جمعة
المقال
شهدت أسواق
النفط أسبوعًا شديد الحساسية، مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتراجع الإمدادات، بما
أدى إلى اضطراب ديناميكية أساسيات السوق. وقفز برنت 4% إلى 107.18 دولار للبرميل
يوم الخميس، وارتفع غرب تكساس بالنسبة نفسها إلى 95.82 دولار، بعد إطلاق الحوثيين
صواريخ على السعودية، لتعود علاوة المخاطر الجيوسياسية بقوة إلى تسعير الخام.
وعلى مستوى
الأسبوع، ارتفع برنت 0.45 دولار، أو 0.43%، إلى 104.32 دولار، بينما انخفض غرب
تكساس 7.89 دولار، أو 7.86%، إلى 92.41 دولار. ويعكس هذا التباين انفصالًا نسبيًا
بين أثر المخاطر الجيوسياسية المباشرة وبين توقعات السوق بشأن الإمدادات والنمو
والطلب، إذ لا تتحرك الأسعار فقط وفق حجم الخلل الفعلي في المعروض، بل أيضًا وفق
احتمالات اتساعه أو انحساره.
ويظل مضيق هرمز
محور هذه المعادلة، إذ تسعّر السوق احتمالات تعطل التدفقات قبل حدوث نقص فعلي. فقد
تراجعت أسعار النفط يوم الجمعة انعكاسًا للمفاوضات الأمريكية الإيرانية، مع بحث
مسار تدريجي يتضمن إعادة فتح هرمز مقابل رفع الحصار الاقتصادي عن إيران. إلا أن
المخاطر الأمنية لا تزال مرتفعة؛ إذ عبرت 17 سفينة المضيق خلال عطلة نهاية
الأسبوع، مقارنة بمتوسط نحو 125 سفينة يوميًا قبل الحرب. وبلغت تدفقات الخام عبر
المضيق 33.7 مليون برميل خلال الأسبوع الذي بدأ في 20 سبتمبر، عبر 19 ناقلة، منها
17 ناقلة عملاقة قادرة على نقل مليوني برميل، فيما كان نحو 20% من إمدادات النفط
العالمية يمر عبر المضيق قبل الحرب.
وفي مواجهة هذه
المخاطر، برزت مرونة البنية التحتية السعودية كعامل مهم في احتواء صدمة الإمدادات.
فقد استؤنف خط الشرق-الغرب جزئيًا، وعززت أرامكو صادراتها من الخليج، واستخدم
النقل من سفينة إلى سفينة عبر عمان، مع دراسة مساري تصدير رابع وخامس. كما باعت
السعودية نحو 100 مليون برميل لمشترين آسيويين للتسليم خلال أكتوبر ونوفمبر، وحملت
أرامكو 14 مليون برميل عبر 7 ناقلات من محيط رأس تنورة. وتوضح هذه التحركات أهمية
تنويع مسارات التصدير والقدرة اللوجستية في الحد من أثر اضطرابات الممرات البحرية
على تدفقات النفط.
وفي السوق
الأمريكية، ارتفعت مخزونات النفط 3 ملايين برميل إلى 426.4 مليون برميل في الأسبوع
المنتهي في 18 سبتمبر، بينما تراجعت مخزونات البنزين 1.7 مليون برميل ونواتج
التقطير 400 ألف برميل، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وتزامن ذلك مع
مستويات قياسية لأسعار الديزل، وسط بحث قيود طوعية على صادراته، مع نفي وجود حظر
لمدة 90 يومًا.
وتظل روسيا
وأوكرانيا عاملًا إضافيًا في معادلة الطاقة العالمية؛ فأي اتفاق قد يتيح لروسيا
تصدير مزيد من الطاقة والديزل، وهي ثالث أكبر منتج للنفط الخام عالميًا بعد
الولايات المتحدة والسعودية في 2025، وفق بيانات الطاقة الأمريكية. ومن شأن تغير
التدفقات الروسية أن يضيف بعدًا آخر إلى معادلة الإمدادات العالمية، خصوصًا في سوق
تتأثر في الوقت نفسه باضطرابات هرمز وتغير مسارات التجارة.
وهكذا تتحرك أسعار النفط بين ضغط التوترات
الجيوسياسية ومسار المفاوضات، بينما يبقى العامل الحاسم هو حجم التدفقات الفعلية
وقدرة البدائل على تعويض أي نقص. وستحدد استعادة حركة الملاحة في هرمز، ومرونة
البنية التحتية، وتعدد مسارات التصدير، وتطور الإمدادات الروسية، قدرة السوق على
امتصاص الصدمات واتجاه الأسعار خلال المرحلة المقبلة.