7/21/2026

الاقتصاد… اليد الخفية للحروب

21/07/2026

د. فهد محمد بن جمعة

اقتصاديًا، تمثل الحروب في كثير من الأحيان نقطة تحول لإعادة توزيع الثروة العالمية، وإعادة توجيه تدفقات رؤوس الأموال، وتغيير مسارات التجارة والاستثمار. فمع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، تتجه الاستثمارات نحو الاقتصادات والأسواق الأكثر استقرارًا، بينما تحقق قطاعات مثل الطاقة، والصناعات الدفاعية، والخدمات اللوجستية، والتمويل مكاسب متفاوتة بحسب طبيعة الصراع ومدته.

وفي الوقت ذاته، تؤدي الحروب إلى إعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية، وتسريع نقل الصناعات الاستراتيجية، وإعادة رسم خرائط الإنتاج والتجارة، بما يفضي إلى تشكيل تحالفات اقتصادية جديدة وموازين قوى مختلفة. ومن هذا المنظور، لا تُقاس نتائج الحروب بحجم المكاسب العسكرية وحدها، بل بقدرتها على إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والثروة عالميًا.

لذلك، فإن فهم أي حرب لا يكتمل دون تحليل آثارها الاقتصادية وتحديد المستفيدين من التحولات التي تفرضها على الأسواق والتجارة والاستثمار، إذ غالبًا ما تكشف حركة رؤوس الأموال واتجاهات الأسواق أهدافًا استراتيجية أعمق من تلك التي تظهر في ساحات القتال.


الإيرادات العامة.. حوكمة واستدامة

الثلاثاء 7 صفر 1448هـ 21 يوليو 2026م

المقال
الرياض
تمثل كفاءة الإيرادات العامة إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الاستدامة المالية وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، إذ لم يعد تطوير منظومة تحصيل الإيرادات وإدارتها مجرد إجراء تنظيمي، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا يرسخ الاستقرار المالي ويدعم التنويع الاقتصادي، ويجسد نظام إيرادات الدولة المحدث هذا التوجه من خلال تأسيس مرحلة جديدة في إدارة الإيرادات العامة، تقوم على الحوكمة والشفافية والكفاءة، بما يعزز نمو الإيرادات غير النفطية ويواكب التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة.

وقد مهدت المملكة لهذا التحول عبر برنامج الاستدامة المالية، الذي انطلق عام 2016 تحت مسمى برنامج التوازن المالي، وأسهم في ترسيخ الانضباط المالي، وتطوير التخطيط متوسط وطويل الأجل، وتنويع مصادر الدخل، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، ومع استكمال البرنامج مستهدفاته، أصبحت الاستدامة المالية جزءًا أصيلًا من منهجية العمل الحكومي، لتأتي الأنظمة والتشريعات الجديدة، وفي مقدمتها نظام إيرادات الدولة، امتدادًا عمليًا لهذه المرحلة، وتحولًا من برامج الإصلاح إلى مؤسسات مستدامة.

ولا يقتصر النظام على تنظيم إجراءات تحصيل الإيرادات، بل يقدم إطارًا متكاملًا يشمل تقدير الإيرادات العامة وإدارتها وتنميتها ومتابعتها وفق منظور يمتد لعشر سنوات، مع تحديد واضح للأدوار والمسؤوليات بين الجهات الحكومية. ويسهم ذلك في توحيد الإجراءات، والحد من تداخل الاختصاصات، ورفع كفاءة الأداء المالي، وتحسين دقة تقديرات الإيرادات، بما يعزز جودة التخطيط المالي واستقرار المالية العامة. كما يرفع النظام كفاءة التحصيل عبر إجراءات واضحة ومرنة تعزز الامتثال للمستحقات الحكومية، مع المحافظة على حقوق الخزينة العامة. ويمنح ديون الدولة أولوية في السداد، ويلزم الجهات الحكومية بالإبلاغ عن المخالفات المالية خلال ثلاثين يومًا، بما يعزز الرقابة ويحد من الهدر المالي. وفي الوقت ذاته، يتيح حلولًا تنظيمية مثل تقسيط بعض المستحقات وفق ضوابط محددة، بما يحقق توازنًا بين حماية المال العام واستمرارية الأنشطة الاقتصادية.

ومن أبرز التحولات التي يجسدها النظام انتقاله من التركيز على التحصيل إلى بناء ثقافة مؤسسية قائمة على الأداء والنتائج، إذ يربط تنمية الإيرادات بحوافز مالية للجهات الحكومية والعاملين فيها، بما يشجع على الابتكار، وتحسين الخدمات، وتنمية الموارد الذاتية. كما يعزز وضوح المسؤوليات والإجراءات، ويرفع مستويات الانضباط المالي والمساءلة، ويزيد من ثقة المستثمرين والقطاع الخاص في البيئة التنظيمية، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على تنافسية الاقتصاد الوطني. وتتجاوز آثار النظام الجانب المالي، إذ تسهم استدامة الإيرادات في منح الحكومة مرونة أكبر لتمويل المشروعات التنموية والخدمات الأساسية دون الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية أو أدوات التمويل قصيرة الأجل. كما تعزز قدرة المالية العامة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، وتوفر بيئة أكثر استقرارًا تشجع الاستثمار، وتدعم نمو القطاع الخاص بوصفه محركًا رئيسيًا للتنمية الاقتصادية.

ويمثل نظام إيرادات الدولة المحدث نقلة مؤسسية في إدارة الإيرادات العامة، تستكمل مسيرة الإصلاح المالي التي أرستها المملكة خلال السنوات الماضية. فمن خلال ترسيخ الحوكمة، وتعزيز التخطيط طويل الأجل، ورفع كفاءة التحصيل، وتنمية الإيرادات غير النفطية، يرسخ النظام أسس الاستدامة المالية، ويدعم مستهدفات رؤية 2030، ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستدام ومواجهة المتغيرات المستقبلية بكفاءة وثقة.

7/20/2026

السعودية‬⁩ تطلق تأشيرة العمرة متعددة الدخول لمدة عام

 ‏⁧دفعة قوية للسياحة والضيافة

‏يمثل هذا القرار نقلة نوعية في قطاع السياحة الدينية، حيث سينعكس إيجاباً على:

‏· الإنفاق السياحي: تعدد الزيارات يعني مضاعفة حجم الاستهلاك في القطاعات الخدمية.

‏· التوظيف: ارتفاع الطلب على الخدمات يُترجم إلى مزيد من فرص العمل في الفنادق والمطاعم وقطاع النقل.

‏· تمكين القطاع الخاص: يُتيح للفنادق وشركات السياحة التخطيط لاستراتيجيات طويلة المدى وعروض موسمية جاذبة.

‏كلما زاد عدد الزوار وتكررت عودتهم، كلما تعززت استدامة النمو الاقتصادي، وهذا يُعد خطوة محورية نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد وزيادة مساهمة السياحة.

7/14/2026

الذكاء الاصطناعي.... معادلة الكفاءة والاستهلاك

بحلول عام 2050، سيكون الذكاء الاصطناعي قد أنتج ثروات هائلة، لكن أغلبنا لن يملك ما يشتريها. في سباق محموم نحو الإنتاجية، تتنافس الشركات على أتمتة كل ما يمكن أتمتته، معتقدة أن خفض التكاليف هو طريق الربح الأوحد. لكن دراسة حديثة في دورية Nature تحذر من مفارقة خطيرة، كلما زاد اعتمادنا على الذكاء الاصطناعي في استبدال العمال، كلما اقتربنا من انخفاض بنسبة 21% في الاستهلاك الفردي بحلول 2050. فالمشكلة ليست في كفاءة الآلة، بل في أنها تنتج سلعاً لا يملك عمالها سابقاً ما يكفي لشرائها. بينما تتراكم الأرباح في الأعلى، تنكمش الطبقة الوسطى، ويتحول النمو الاقتصادي إلى وهم بلا مستهلكين.

صحيح أن الذكاء الاصطناعي يحقق مكاسب للمستهلك على المدى القريب، عبر خفض تكاليف الإنتاج مما ينعكس على أسعار السلع، وتوفير أدوات ذكية لمقارنة الأسعار، وتقديم توصيات شراء مخصصة تقلل الهدر المالي. لكن هذه الإيجابيات سرعان ما تتلاشى أمام التأثيرات الهيكلية الأعمق. فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف فقط، بل يخفض الأجور أيضاً، إذ يجد العامل نفسه مضطراً للتنافس مع آلة لا تطلب راتباً، مما يدفع الشركات إلى خفض تعويضاته أو تقليص ساعات عمله. النتيجة أن حتى من لم يُفصل يشعر بانخفاض دخله الحقيقي، ومع تراكم هذه الضغوط على ملايين الأسر، يتراجع الطلب الكلي، فتجد الشركات نفسها تنتج أكثر ولكنها تبيع أقل.

وفق النماذج الاقتصادية التي نشرتها دورية Nature، فإن زيادة معتدلة في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى انخفاض الدخل المتاح للفرد بـ 26%، ومؤشر الاستهلاك بـ 21% خلال ثلاثة عقود فقط. والأكثر إثارة للقلق أن الدراسة تؤكد وجود عتبة حرجة، فعندما يتجاوز الاستبدال نسبة معينة، لن تستطيع حتى معدلات خلق الوظائف المرتفعة تعويض الانكماش الاستهلاكي. بعبارة أبسط، هناك نقطة لا عودة بعدها، عندها يتحول الذكاء الاصطناعي من محرك للنمو إلى عامل انكماش.

في الولايات المتحدة، يمثل الـ 10% من أصحاب الدخل الأعلى حوالي نصف إجمالي الإنفاق الاستهلاكي. ومع الذكاء الاصطناعي، ستتراكم المكاسب بشكل حاد في الأعلى عبر أرباح الشركات والعوائد على رأس المال، بينما تتراجع حصة الطبقات الوسطى والدنيا. وهذا يعني أن الاقتصاد سيصبح معتمداً بشكل خطير على شريحة ضيقة من المستهلكين، وهو هيكل هش، فإذا توقف إنفاق الأغنياء لأي سبب، انهار الطلب الكلي. يتعمق التناقض حين ندرك أن التقنية التي تصنع الوفرة هي نفسها التي تقوّض القدرة على تملكها.

الذكاء الاصطناعي ليس نهاية حتمية للاستهلاك، بل أداة لإعادة توزيعه. فالتقنية نفسها ليست المشكلة، بل الطريقة التي ندمجها بها في اقتصاداتنا. الحل ليس في كبح التطور التكنولوجي، بل في سياسات استباقية تعيد توازن المعادلة. يقدم صندوق النقد الدولي رؤية واضحة تتلخص في تحديث شبكات الأمان الاجتماعي عبر برامج دعم مالي مرنة ودراسة الدخل الأساسي الشامل، وفرض ضرائب مبتكرة على أرباح الشركات التقنية وتوجيهها لدعم المتضررين، والاستثمار في التعليم المستمر والتركيز على المهارات الإنسانية الفريدة كالإبداع والقيادة، وتطوير سياسات سوق عمل نشطة تشمل إعانات الأجور المؤقتة ومراكز توجيه مهني ذكية. وبدلاً من السباق مع الآلات، علينا الاستثمار في المهارات التي يصعب تقليدها.

إن مستقبل الاقتصادات لن يتحدد بقدرتها على إنتاج المزيد باستخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل بقدرتها على المحافظة على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، فكل اقتصاد يفقد قوته الشرائية يفقد تدريجياً محرك نموه الداخلي، ولذلك فإن نجاح ثورة الذكاء الاصطناعي لن يقاس بعدد الوظائف التي استبدلتها الآلات، بل بعدد الوظائف الجديدة التي خلقتها، وبمدى قدرتها على رفع مستوى معيشة الإنسان لا مجرد زيادة أرباح الشركات، والخيار واضح أمامنا، فإما أن نعيد تصميم عقودنا الاجتماعية اليوم، أو نواجه غداً اقتصاداً ينتج وفرةً لا يشتريها أحد، ويتحول النمو إلى وهم في واقع من الآلات الصامتة.

مذكرة تفاهم.. لا تنهي الحرب


الثلاثاء 29 محرم 1448هـ 14 يوليو 2026م

المقال
الرياض

لم تُنهِ مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران حالة المواجهة في المنطقة، كما لم تنهِ المخاطر التي تحكم أسواق النفط، فقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الاتفاقات الدبلوماسية، مهما بدت واعدة، لا تمنع عودة التصعيد العسكري، ولا توفر ضمانة دائمة لاستقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم. لذلك، سواء استمرت مذكرة التفاهم أم انتهت، يبقى أمن الإمدادات النفطية رهينة مزيج من الدبلوماسية والردع العسكري والرقابة البحرية.

وتكشف الأحداث الأخيرة حقيقة هذه المذكرة، بعد تبادل الضربات العسكرية بين واشنطن وطهران، على إثر هجمات استهدفت ثلاث سفن قبالة السواحل العُمانية، من بينها ناقلة غاز طبيعي مسال قطرية وناقلة نفط سعودية، ثم عودتها مجدداً مع مطلع الأسبوع. وقد أثارت تلك الهجمات قلقاً واسعاً بشأن أمن الإمدادات، ما دفع أسعار النفط للارتفاع بأكثر من 6 %، ليبلغ برنت 78.6 دولاراً، قبل أن يعود إلى 76 دولاراً بنهاية الأسبوع، وهو ما يعكس حساسية الأسواق تجاه أي اضطراب يطرأ على مضيق هرمز.

لم يعد المضيق ذلك الممر الآمن الذي اعتمدت عليه أسواق الطاقة لعقود طويلة، إذ إن تصاعد المخاطر الأمنية والنفوذ الإيراني في إدارة حركة الملاحة قلّصا مستوى الثقة بهذا الشريان الحيوي، ورغم استحالة الاستغناء عنه في المستقبل المنظور، فإن استمرار التوترات يدفع الدول المنتجة والمستهلكة إلى تسريع تطوير بدائل تقلل الاعتماد عليه، مع إدراك أن هذه البدائل لن تكون قادرة على تعويض كامل الكميات التي تعبره في المدى القريب.

ورغم أن تعزيز خطوط الأنابيب وممرات التصدير البديلة يشكل ضرورة استراتيجية، إلا إن ذلك يتطلب استثمارات ضخمة وفترات طويلة لتنفيذها. وحتى بعد إنجازها، ستبقى هذه المشاريع مكمّلة لدور المضيق، لا بديلاً عنه، ما يعني استمرار اعتماد العالم على هرمز بوصفه الشريان الرئيس لتجارة النفط العالمية.

كما تصاعدت المخاطر التشغيلية أمام ناقلات النفط، إذ يواجه المشغلون خيارات صعبة في تحديد مسارات العبور، حيث إن المسار الشمالي مرتبط بالمخاطر الإيرانية، بينما المسار الجنوبي لم يعد في منأى عن التهديدات رغم الوجود العسكري الدولي. ونتيجة لذلك، ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، وزادت حالة الحذر بين شركات النقل البحري، ما يضيف أعباء جديدة على تجارة الطاقة العالمية.

ولهذا طغت هذه المخاطر على جميع أساسيات السوق، بما في ذلك قرارات تحالف أوبك+ بزيادة الإنتاج تدريجياً. فالأسواق تدرك أن أي زيادة في الإمدادات لن تكون كافية لتعويض تعطل التدفقات عبر مضيق هرمز إذا تعرضت الملاحة لاضطرابات واسعة، وهو ما يجعل العامل الجيوسياسي أكثر تأثيراً من معادلات العرض والطلب في تحديد اتجاه الأسعار.

تؤكد هذه التطورات أن مذكرة التفاهم لا تنهي الحرب، بل تحدّ منها وقد تؤجلها، وتفتح حواراً لكنها لا تمنع هجمات بحرية تعيد المخاطر سريعاً، ما يبقي علاوة المخاطر في تسعير النفط. فإن استقرار السوق لا يقوم على السياسة أو القوة وحدها، بل بمزيج من الدبلوماسية والردع وحماية الملاحة وبدائل تصديرية، وإلا يبقى مضيق هرمز الأكثر حساسية لإعادة رسم الأسعار والإمدادات.

الاقتصاد… اليد الخفية للحروب

21/07/2026 د. فهد محمد بن جمعة اقتصاديًا، تمثل الحروب في كثير من الأحيان نقطة تحول لإعادة توزيع الثروة العالمية، وإعادة توجيه تدفقات رؤوس ا...