أسعار النفط... والعلاوة الجيوسياسية
د. فهد محمد بن جمعة
مدونة
اقتصاديات الطاقة
مقال:
شهدت أسواق النفط خلال 2026 تحولات حادة في الأسعار،
انتقلت خلالها السوق من توقعات بوفرة المعروض وضغط هبوطي على الأسعار، إلى صدمة
جيوسياسية رفعت المخاطر وأعادت تسعير الإمدادات. ففي بداية العام، كانت إدارة
معلومات الطاقة الأمريكية تتوقع متوسط سعر برنت عند نحو 58 دولاراً للبرميل،
مدفوعة بنمو الإنتاج العالمي، خصوصاً من خارج أوبك+، مقابل نمو أكثر اعتدالاً في
الطلب. ولم تكن المخاطر الجيوسياسية آنذاك عاملاً رئيسياً في تحديد الأسعار.
لكن اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في نهاية فبراير
وتعرض حركة الملاحة في مضيق هرمز لاضطرابات واسعة غيّرا المشهد بصورة جذرية. فقد
أدت القيود على حركة الناقلات وتعطل جزء كبير من إنتاج وتصدير النفط الخليجي إلى
ارتفاع حاد في علاوة المخاطر، وصعد برنت إلى أكثر من 100 دولار، قبل أن يبلغ خلال
التعاملات 126.41 دولاراً في 30 أبريل، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من أربع سنوات.
وأصبحت المخاوف من فقدان الإمدادات هي المحرك الرئيسي للأسعار.
وتُعد العلاوة الجيوسياسية الجزء من السعر الذي يعكس
مخاطر احتمال تعطل الإمدادات نتيجة الحروب أو العقوبات أو تهديد الممرات البحرية
والمنشآت النفطية. لكنها ليست رقماً ثابتاً يمكن فصله بدقة عن السعر، بل تتغير مع
تقييم السوق لاحتمالات استمرار الأزمة وحجم الإمدادات المعرضة للخطر. ولذلك فإن
الحديث عن تراجع العلاوة لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة.
ومع تحسن تدفقات النفط وتراجع احتمالات استمرار
الانقطاع، بدأت العلاوة الجيوسياسية بالانحسار. وانخفض متوسط برنت إلى نحو 85
دولاراً في يونيو، قبل أن تعود الأسعار إلى الارتفاع مع استمرار خسائر الإنتاج
وتراجع المخزونات. وقد قدرت وكالة الطاقة الدولية أن المخزونات العالمية المرصودة
انخفضت 95 مليون برميل في أغسطس، لتصل السحوبات التراكمية منذ فبراير إلى 507
ملايين برميل، ما يؤكد أن جزءاً من ارتفاع الأسعار أصبح مرتبطاً بفقدان فعلي
للبراميل وليس بالمخاطر وحدها.
وفي سبتمبر، تجاوز برنت 105 دولارات، مع عودة بعض الضغوط
الجيوسياسية، بينما تراجعت توقعات نمو الطلب العالمي بصورة حادة نتيجة ارتفاع
أسعار الوقود واضطراب الإمدادات. وهنا تظهر آلية التصحيح؛ فارتفاع الأسعار لفترة
طويلة يضغط على الاستهلاك والنشاط الاقتصادي، ويحفز زيادة الإنتاج من المصادر
البديلة.
وتكشف تجربة 2026 أن العلاوة الجيوسياسية تستطيع رفع
أسعار النفط بسرعة، لكنها تتراجع أيضاً عندما تتحسن الملاحة وتعود الإمدادات. إلا
أن تأثيرها لا يختفي بالكامل ما دامت البراميل المفقودة والمخزونات المنخفضة تضغط
على السوق. ولذلك فإن اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة سيعتمد على سرعة عودة
الإمدادات، ومسار المخاطر الجيوسياسية، وحركة المخزونات العالمية. وكلما عادت
التدفقات بصورة أسرع، تراجعت العلاوة وضغطت على الأسعار، بينما يؤدي استمرار فقدان
البراميل إلى إبقاء الأسعار مرتفعة حتى مع انحسار المخاطر.