الثلاثاء 4 ذو القعدة 1447هـ - 21 إبريل 2026م
المقال
الرياض
مع إطلاق استراتيجية 2026 - 2030، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يدخل صندوق الاستثمارات العامة مرحلة مفصلية تتسم بانضباط أعلى، ينتقل فيها التركيز من التوسع الكمي إلى تعظيم العائدين الاقتصادي والمالي، فقد كان التوسع خلال العقد الماضي ضرورة لبناء قاعدة أصول ضخمة، وإطلاق قطاعات جديدة، وتحفيز النشاط غير النفطي. أما اليوم، ومع نضوج هذه المرحلة، فلم يعد التحدي في زيادة الأصول، بل في كفاءة توظيفها وتعظيم مردودها.
القفزة في الأصول من نحو 500 مليار ريال في 2015 إلى أكثر من 3.4 تريليونات ريال بنهاية 2025، تعكس نجاح مرحلة التأسيس، لكنها تشكّل أساسًا لتعظيم القيمة لا هدفًا نهائيًا، خصوصًا عند تقييمها بمعدلات العائد على الأصول لا بحجمها فقط. فالعائد الحقيقي يُقاس بقدرة هذه الأصول على توليد تدفقات نقدية مستدامة، ورفع الإنتاجية، وتعزيز مساهمة الاقتصاد غير النفطي. وقد بدأ هذا الأثر يتبلور في مساهمة الصندوق وشركاته بنحو 910 مليارات ريال في الناتج المحلي غير النفطي خلال الفترة 2021 - 2024، بما يعادل نحو 10 % من الناتج.
ويتمثل التحول الأبرز في إعادة صياغة فلسفة تخصيص رأس المال؛ إذ تعكس إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية، وتبني اختبارات جدوى أكثر ديناميكية وتحديثًا، انتقالًا من منطق إطلاق المشاريع إلى انتقاء الفرص الأعلى عائدًا. وهذا النهج يسهم في الحد من مخاطر التوسع غير المنضبط، خاصة في ظل مشاريع ضخمة تتطلب رؤوس أموال طويلة الأجل.
ويبرز هذا التوجه في إعادة ترتيب الأولويات داخل المشاريع الكبرى مثل “نيوم”، مع التركيز على المكونات الأعلى جدوى مثل “أوكساجون”، مقابل تأجيل ما هو أقل أولوية. ولم يعد حجم المشروع معيار النجاح، بل قدرته على تحقيق عائد مستدام وتوليد تدفقات نقدية، في تحول واضح من تعظيم الأثر الرمزي إلى تعظيم العائد الاقتصادي.
في المقابل، يتعزز دور الصندوق كمحفز للاستثمار لا كمنافس للقطاع الخاص. فنجاحه في جذب نحو 1.2 تريليون ريال من الاستثمارات غير الحكومية، ورفع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات غير النفطية بنسبة 45 %، يعكس تحوله إلى منصة لتمكين رأس المال الخاص، وهو شرط أساسي لاستدامة النمو. كما يسهم ذلك في تخفيف العبء التمويلي على الدولة وتعزيز كفاءة توزيع الموارد. ويستمر التوجه نحو أن تستحوذ السوق المحلية على نحو 80 % من إجمالي الاستثمارات، مع تركّز الأولويات ضمن “محفظة الرؤية” وما تتضمنه من ست منظومات اقتصادية رئيسة.
ورغم هذا التحول، يبقى التحدي قائمًا في تحقيق التوازن بين الأثر الاقتصادي والعائد المالي؛ إذ قد تحقق بعض الاستثمارات أثرًا تنمويًا كبيرًا دون عائد سريع، ما يتطلب إدارة دقيقة للمخاطر، وبناء توقعات متوازنة للعائد على المديين القصير والطويل، وتبني نماذج تقييم مزدوجة تجمع بين البعدين المالي والاقتصادي.
يُقاس نجاح الصندوق في إطار استراتيجية 2026 - 2030 بكفاءة توظيف رأس المال وقدرته على تحويل كل ريال مستثمر إلى نمو مستدام، لا بحجم الأصول أو عدد المشاريع، بما يعزز دوره كمحرك رئيس للتحول الاقتصادي في المرحلة القادمة. ويتجاوز دوره تمويل المشاريع إلى الإسهام في تشكيل دورة اقتصادية قائمة على الاستثمار المنتج والشراكة مع القطاع الخاص، ليصبح ركيزة محورية في تحقيق مستهدفات رؤية 2030 وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.