المضايق تشعل أسعار النفط العالمية
د. فهد محمد بن جمعة
تعيش أسواق النفط العالمية مرحلة
استثنائية من عدم اليقين، لم تعد فيها الأسعار رهينة للعرض والطلب التقليديين، بل
أصبحت مرتهنة لمسارات الأحداث الجيوسياسية وحركة الناقلات وسلامة خطوط الأنابيب
والمضائق. وهذا ما دفع «جي بي مورغان» إلى الإقرار صراحةً بصعوبة نمذجة السيناريو
النهائي للصراع بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيره في أسعار النفط، في اعتراف
يكشف تعقيد المشهد الحالي.
وعلى مستوى الأسبوع الماضي، انخفض برنت 0.74 دولار (0.1%) إلى
103.87 دولارًا، بينما ارتفع غرب تكساس طفيفاً 0.25 دولار (0.2%) إلى 100.30
دولارًا، منهياً أسبوعاً حافلاً بالتقلبات. فقد تراجعت الأسعار بعد ارتفاعها في
منتصف الأسبوع إلى أعلى مستوياتها في أربعة أشهر، نتيجة تعطل خط أنابيب
«الشرق-الأوسط» في المملكة العربية السعودية، قبل أن تدفع التقارير المتعلقة
بإمكانية استئناف التدفقات الجزئية عبر الخط العقود الآجلة للتراجع.
وتكشف حركة السوق أن أزمة النفط لم تعد مرتبطة بمضيق هرمز وحده، بل
أصبحت شبكة مترابطة تشمل خط الشرق-الغرب السعودي وباب المندب والبحر الأحمر، إضافة
إلى المخاطر التي تواجه البنية التحتية النفطية والإمدادات الروسية. وفي هذه
البيئة، تكتسب قدرة السعودية على إعادة توجيه صادراتها واستعادة تشغيل خط
الشرق-الغرب أهمية كبيرة في المحافظة على تدفق الإمدادات.
كما انتقلت اضطرابات النفط إلى أسواق الوقود والشحن؛ فقد تجاوز
السعر المرجعي للديزل في أوروبا 200 دولار للبرميل، ووصلت رسوم حجز أدوار العبور
في قناة بنما إلى ملايين الدولارات في بعض الحالات، نتيجة تغير مسارات السفن وطول
الرحلات ونقص الناقلات المتاحة. ولم تعد الأزمة محصورة في منطقة الخليج، إذ امتدت
تداعياتها إلى قناة السويس وقناة بنما، مع ارتفاع الطلب على نقل النفط والمنتجات
النفطية والغاز الطبيعي المسال عبر مسارات بديلة.
وفي مواجهة هذه الضغوط، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجموعة
السبع إلى بحث إمكانية الإفراج مجدداً عن مخزونات الطوارئ النفطية، خصوصاً مع
تراجع الإمدادات السعودية إلى بعض المصافي الأوروبية وارتفاع أسعار الديزل. غير أن
السحب من المخزونات يمكن أن يوفر إمدادات مؤقتة، لكنه لا يعالج أصل المشكلة
المتمثل في تعطل خطوط الأنابيب أو اضطراب حركة الملاحة أو إغلاق المضائق.
وهنا تتضح دلالة اعتراف «جي بي مورغان» بأن السوق لا يمكن نمذجتها
بسهولة؛ فالمشكلة ليست في غياب البيانات، وإنما في أن المتغير الأكثر تأثيراً هو
مسار الأحداث الجيوسياسية، وهو متغير لا يمكن التنبؤ به بدقة. ولذلك سيظل النفط في
المرحلة المقبلة رهيناً بما يحدث في هرمز وباب المندب والشرق-الغرب، أكثر من
ارتباطه بأي نموذج سعري منفرد.