8/11/2026

اختناق مضيق هرمز

الثلاثاء 28 صفر 1448هـ 11 أغسطس 2026م

المقال
الرياض

صرّح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن مضيق هرمز «لن يعود إلى ما كان عليه أبدًا»، بعد أن حاولت إيران استخدامه كنقطة اختناق وورقة ضغط. وتوقع أن تتراجع أهميته الاستراتيجية خلال العامين المقبلين، مع انتقال ما بين 50 % و70 % من إمدادات الطاقة مستقبلًا عبر خطوط الأنابيب بدلًا من الاعتماد على الملاحة عبر المضيق. ويعكس هذا التصريح التحول الذي فرضته الأزمة، بعدما دفعت اضطرابات الملاحة الدول والأسواق إلى البحث عن بدائل تقلل الاعتماد على المضيق وتحد من قدرته على التأثير في أمن الطاقة العالمي.

فلم تعد أسواق النفط تنتظر الاتفاقات النهائية لإعادة تسعير المخاطر، بل أصبحت تتفاعل مع التصريحات السياسية بقدر تفاعلها مع بيانات الإنتاج والمخزونات. وتراجعت الأسعار للأسبوع الثاني؛ فانخفض برنت 6.57 دولار، أو 7.3 %، إلى 83.55 دولارًا، وهبط غرب تكساس 6.49 دولار، أو 7.7 %، إلى 78.18 دولارًا، مدفوعة بتوقعات قرب التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، رغم نفي إيران وجود مفاوضات مباشرة.

لكن الواقع الميداني لا يزال مختلفًا؛ إذ لم يعبر مضيق هرمز سوى 33 سفينة الأسبوع الماضي، مقابل 55 سفينة في الأسبوع السابق، وفقًا لكيبلر. وقبل الأزمة، كان نحو 20 % من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا يمر عبر المضيق، بأكثر من 135 ناقلة يوميًا.

وتبدد التفاؤل بشأن عودة الملاحة سريعًا بعدما قدمت إيران قائمة مطالب إلى الولايات المتحدة باعتبارها شرطًا لإعادة فتح المضيق، مؤكدة أن الممر سيظل مغلقًا حتى تستجيب واشنطن لشروطها.

في المقابل، ارتفعت إمدادات أوبك خلال يوليو بنحو 1.16 مليون برميل يوميًا إلى 19.44 مليونًا، مدفوعة بزيادات في إنتاج العراق والسعودية والكويت. وعززت السعودية مرونة صادراتها بتحويل الجزء الأكبر من الإمدادات إلى ينبع، ما مكّن أرامكو من الحفاظ على صادرات تقارب 5 ملايين برميل يوميًا، أي نحو 70 % من مستوياتها المعتادة.

وفي الولايات المتحدة، ارتفعت مخزونات النفط 2.5 مليون برميل إلى 407 ملايين برميل، لكنها بقيت أقل بنحو 6 % من متوسط السنوات الخمس، بينما تراجعت مخزونات البنزين ووقود التقطير، بما يعكس استمرار الضغوط على سوق الوقود.

والأخطر هو نقص الإمدادات؛ إذ ذكرت وكالة الطاقة الدولية أن الإنتاج العالمي لا يزال أقل بنحو 9.4 مليون برميل يوميًا من مستويات ما قبل الحرب، فيما توقفت نحو 3 ملايين برميل يوميًا من طاقة التكرير بسبب الهجمات.

لهذا تبدو السوق وكأنها سبقت الواقع، فسعّرت اتفاقًا لم يُبرم بعد، وبنت على احتمالات الانفراج السياسي قبل أن تتحول إلى واقع ميداني. وحتى تعود الملاحة وإمدادات الطاقة وقدرات التكرير إلى مستويات مستقرة، يظل الرهان على انفراج سياسي سريع سابقًا لأوانه.

فأسعار النفط قد تنخفض على وقع التصريحات، لكن المخاطر لا تختفي بالتصريحات. ومضيق هرمز، حتى إن عاد إلى العمل، قد لا يعود إلى المكانة التي احتلها قبل الأزمة؛ إذ دفعت الاضطرابات الدول والأسواق إلى البحث عن بدائل ومسارات أكثر أمانًا، في تحول قد يعيد رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية لسنوات مقبلة.

8/09/2026

ضائقة… مضيق هرمز

09/08/2026

د. فهد محمد بن جمعة

في تطور جيوسياسي قد يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية، رجّح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن تتراجع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز خلال العامين المقبلين، مع توقعات بنقل ما بين 50% و70% من تدفقات الطاقة التي تمر عبره من خلال خطوط أنابيب بديلة، بعضها يمتد تحت الأرض.

ويأتي هذا التصريح في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، بعدما أُغلق المضيق، الذي تمر عبره نحو خُمس صادرات النفط والغاز العالمية، عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية في فبراير، ما أحدث اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة ورفع مستوى المخاطر المرتبطة بأمن الإمدادات.

ورغم إشارات من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى قرب التوصل إلى اتفاق بشأن إعادة فتح المضيق، نفت إيران إجراء مفاوضات، في وقت أكد فيه نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس استمرار الضغط على طهران، معبّرًا عن عدم ثقته بتعهداتها، لكنه أبدى أمله في عودة تدفقات الطاقة إلى مستويات ما قبل الحرب.

وبالتوازي، تدرس السعودية رفع الطاقة الاستيعابية لخط أنابيبها الممتد إلى البحر الأحمر إلى نحو 9 ملايين برميل يوميًا، بما يعزز قدرة المملكة على نقل صادراتها بعيدًا عن مضيق هرمز، ويوفر مسارًا أكثر أمانًا واستقرارًا للأسواق العالمية.

وبذلك، لا تبدو أزمة هرمز مجرد أزمة ممر بحري، بل محفزًا لإعادة تشكيل بنية تجارة الطاقة العالمية، وتسريع الاستثمارات في خطوط الأنابيب والمسارات البديلة، بما قد يقلل تدريجيًا من حساسية الأسواق تجاه أي اضطراب مستقبلي في المضيق.


8/04/2026

الوقود المستدام مكمل أو بديل؟

4/08/2026

د. فهد محمد بن جمعة

يمثل وقود الطيران المستدام (SAF) أحد أهم الأدوات لتحقيق الحياد الكربوني في قطاع الطيران، إلا أن التحليل الاقتصادي يشير إلى أنه، في المستقبل المنظور، لن يكون بديلاً كاملاً للوقود التقليدي، بل مكملاً استراتيجياً له. ويعود ذلك إلى الفجوة السعرية الكبيرة بين النوعين، والتي تحد من قدرته التنافسية رغم مزاياه البيئية الواضحة.

وتتراوح تكلفة إنتاج وقود الطيران المستدام بين 3.71  و5.72 دولارًا للجالون، مقابل نحو0.60  دولار للوقود التقليدي، فيما قد تصل تكلفة الوقود الاصطناعي المنتج من الهيدروجين الأخضر وثاني أكسيد الكربون إلى أكثر من10  أضعاف تكلفة الوقود الأحفوري. وتشير التقديرات إلى أن التكافؤ السعري لن يتحقق قبل عام 2050، حتى مع انخفاض تكلفة الكهرباء المتجددة وتطور التقنيات.

تقتصر المعايير الدولية على مزج وقود الطيران المستدام مع التقليدي بنسبة تصل إلى 50%، رغم قدرته على خفض الانبعاثات  35-80%، ويواجه التوسع تحديات استثمارية، إذ تتراوح تكلفة المصنع بين 200-500 مليون دولار، وفترة استرداد 15 عاماً، مما يجعله حساساً لتقلبات النفط. ويتضاعف التحدي لشركات الطيران التي يشكل الوقود 25-35% من تكاليفها، بينما هوامش أرباحها لا تتجاوز 3-5%.  

تمتلك السعودية مزايا تنافسية قد تمنحها موقعاً متقدماً في هذه الصناعة. فتكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، التي تعد من بين الأدنى عالمياً، تخفض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهو عنصر أساسي سواء في معالجة المواد الأولية أو في تقنية الطاقة السائلة (Power-to-Liquid) لإنتاج الوقود الاصطناعي منخفض الانبعاثات.

وتجسد هذه المزايا مشاريع استراتيجية، أبرزها مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر باستثمارات تبلغ8.4  مليار دولار، تعتمد على 4 جيجاواط من الطاقة المتجددة لإنتاج600  طن يوميًا من الهيدروجين الأخضر، وتحويله إلى نحو1.2  مليون طن سنويًا من الأمونيا الخضراء، مع بدء الإنتاج التجاري في2027 . كما يجري تطوير مشروع ينبع بطاقة إنتاجية تبلغ 400  ألف طن سنويًا بحلول 2030، بما يعزز مكانة المملكة كمركز عالمي للطاقة النظيفة.

ويعتمد مشروع أرامكو للوقود المستدام، الذي أُطلق بالشراكة مع توتال إنرجيز وسيرك في ديسمبر 2024، على تحويل زيوت الطهي المستعملة والدهون الحيوانية إلى وقود طيران مستدام، في نموذج قائم على الشراكات الاستثمارية والحوافز الاقتصادية، بخلاف النهج الأوروبي الذي يفرض نسب مزج متزايدة تصل إلى 70%  بحلول 2050. ويمنح هذا النهج المملكة مرونة أكبر لبناء صناعة الوقود المستدام وفق اعتبارات الجدوى الاقتصادية، مع الاستفادة من وفرة الطاقة المتجددة وتطور قطاع التكرير.

وتعزز الحوافز الحكومية الجدوى الاقتصادية، إذ يقدم النموذج الأمريكي دعماً يصل إلى1.25  دولار لكل جالون من الوقود المستدام، إلا أن معظم التقديرات تشير إلى أنه سيظل أعلى تكلفة من الوقود التقليدي حتى منتصف القرن، مع توقع أن تتراوح حصته في سوق وقود الطيران بين10  و30% بحلول 20250.

وبناءً على ذلك، يبدو أن مستقبل وقود الطيران المستدام يتمثل في تكامله مع الوقود التقليدي ضمن مزيج طاقة أكثر استدامة، مع امتلاك السعودية ودول الخليج مقومات تؤهلها لقيادة هذه الصناعة، ليس فقط عبر الإنتاج، بل أيضًا من خلال تطوير التقنيات ونماذج الأعمال التي سترسم مستقبلها.

تداعيات الأزمة على "أوبك+"


الثلاثاء 21 صفر 1448هـ 4 أغسطس 2026م

المقال
الرياض

أصبحت أزمة إغلاق مضيق هرمز تمثل تحولًا مهمًا في مسار تحالف أوبك+، واختبارًا حقيقيًا لقدرته على التعامل مع الصدمات الجيوسياسية التي تهدد استقرار سوق النفط. كما كشفت الأزمة مدى حساسية الأسواق العالمية تجاه أي اضطراب في الإمدادات، إذ قفزت أسعار النفط من 72 دولارًا إلى أكثر من 119 دولارًا خلال أيام قليلة، وأمام هذا التطور، واجه التحالف تحديًا مزدوجًا تمثل في الحد من تقلبات الأسعار، والحفاظ على استقرار السوق دون الإخلال بتوازن العرض والطلب أو التأثير سلبًا في وتيرة النمو الاقتصادي العالمي.

وأدى إغلاق المضيق، عقب الهجوم على إيران في 28 فبراير، إلى خروج نحو 17.8 مليون برميل يوميًا من الأسواق، بما يعادل نحو خمس الإمدادات العالمية. وفرض ذلك على التحالف معادلة معقدة بين تعويض النقص في المعروض ومنع الأسعار من الارتفاع إلى مستويات قد تؤثر سلبًا في الاقتصاد العالمي أو تسرّع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة. كما ازدادت صعوبة إدارة هذه المعادلة في ظل التغيرات الهيكلية التي يشهدها سوق النفط، بما في ذلك تنوع المنتجين، وتبدل أنماط الاستهلاك، وتصاعد الضغوط داخل التحالف لإعادة تقييم نظام الحصص الإنتاجية وآلية توزيعها بما يتوافق مع المتغيرات الجديدة.

وخلال الأزمة، تراجع إنتاج دول أوبك من نحو 28.67 مليون برميل يوميًا في فبراير إلى نحو 18.8 مليون برميل يوميًا في مايو، وفقًا لتقرير أوبك الشهري. كما انخفضت حصة المنظمة في السوق العالمية، وتكبدت الدول المنتجة خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية، والتي قد يستغرق إصلاحها وقتًا طويلًا. ومع إعادة فتح المضيق، قد تتجه بعض الدول المنتجة إلى زيادة مستويات إنتاجها لتعويض الإيرادات المفقودة، وهو ما قد يزيد من صعوبة الالتزام بالحصص الإنتاجية، لا سيما إذا تزامن ذلك مع تراجع أسعار النفط.

وتزداد الضغوط على السوق العالمية مع استمرار الإنتاج الأمريكي عند 13.8 مليون برميل يوميًا، إلى جانب نمو الإمدادات من البرازيل وفنزويلا، وهو ما يرفع احتمالات ظهور فائض في المعروض العالمي قد يصل إلى 5 ملايين برميل يوميًا، بما يضغط على مستويات الأسعار. كما واصل التحالف إعادة الكميات المخفضة طوعًا إلى السوق، إلا أن أثر هذه الخطوة يظل محدودًا في ظل تعثر حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ما يؤكد أن التحكم في مستويات الإنتاج لم يعد وحده كافيًا لمواكبة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة.

ولا تقتصر تحديات أوبك+ على ضبط مستويات الإنتاج فحسب، بل تشمل أيضًا الحفاظ على تماسك التحالف، وإدارة الطاقة الإنتاجية الفائضة، والتعامل مع التحولات المستمرة في الطلب العالمي والمنافسة المتزايدة من خارج التحالف. وقد تكون أزمة إغلاق مضيق هرمز ثم إعادة فتحه محطة مهمة في مسار أوبك+، وقدرتها على الحفاظ على موقعها المؤثر في سوق النفط على مدى نجاحها في تطوير أساليب أكثر مرونة لتنسيق السياسات، وإعادة النظر في نظام الحصص بما يوازن بين استقرار السوق ومصالح الدول الأعضاء.

8/03/2026

هل يواصل النفط تراجعه؟


 3/08/2026

د. فهد محمد بن جمعة

أنهى النفط الأسبوع الماضي على انخفاض حاد قارب 5%، ليسجل أدنى مستوياته في أسبوعين، بعدما هدأت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران عقب فترة من التصعيد المتبادل. ورغم هذا التراجع، فإن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر، إذ إن الهدوء الحالي لا يعني انتهاء المخاطر الجيوسياسية، بل قد يكون مجرد هدنة مؤقتة.

أغلق خام برنت عند 84.09 دولارًا للبرميل، بينما استقر خام غرب تكساس عند 79.26 دولارًا. ولا تزال المخاطر المحيطة بالإمدادات قائمة مع استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهو ما يبقي تكاليف الشحن والتأمين مرتفعة ويدعم الأسعار بصورة غير مباشرة.

على جانب المعروض، قرر تحالف أوبك+ وقف أي زيادات في الإنتاج بعد شهر سبتمبر وحتى نهاية العام، في خطوة تستهدف الحفاظ على توازن السوق ومنع حدوث فائض في المعروض قد يضغط على الأسعار. وفي المقابل، أظهرت بيانات المخزونات الأمريكية انخفاضًا فاق التوقعات بمقدار 7.2 مليون برميل، وهو ما يعكس استمرار قوة الطلب في أكبر اقتصاد عالمي ويدعم أسعار النفط رغم الضغوط التي تواجهها الأسواق.

ولا تزال الصين تمثل مصدر قلق للأسواق، مع تباطؤ النشاط الصناعي وضعف الطلب على الوقود، الأمر الذي يحد من مكاسب النفط ويزيد حساسية الأسعار لأي بيانات اقتصادية سلبية.

وزاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغوط على شركات النفط الأمريكية، مطالبًا بخفض أسعار البنزين للمستهلكين بعد هبوط أسعار الخام، معتبرًا أن تراجع تكلفة النفط يجب أن ينعكس سريعًا على أسعار الوقود. إلا أن أسعار التجزئة عادة ما تتأخر في الاستجابة بسبب بيع المخزونات المشتراة بأسعار أعلى.

وبذلك، يبقى مسار النفط رهينًا بعاملين رئيسيين: تطورات المشهد الجيوسياسي، ومدى قوة الطلب العالمي. فإذا استمر الهدوء وعادت حركة الملاحة إلى طبيعتها، فقد تتعرض الأسعار لمزيد من الضغوط، أما عودة التوترات أو تعطل الإمدادات فقد تعيد النفط إلى مسار الصعود.

7/28/2026

الاتفاق النووي.. شراكة استراتيجية

الثلاثاء 14 صفر 1448هـ 28 يوليو 2026م
المقال
الرياض

يمثل توقيع وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان ونظيره الأمريكي كريس رايت على اتفاقية "المادة 123" للاستخدامات السلمية للطاقة النووية واتفاقية الضمانات الثنائية تحولاً استراتيجياً في مسار العلاقات السعودية الأمريكية، فالخطوة تؤسس لشراكة تمتد ثلاثين عاماً تجمع بين أمن الطاقة، ونقل التقنية، والاستثمار الصناعي، وتفتح مرحلة جديدة من التعاون في أحد أهم القطاعات المستقبلية.


وتأتي الاتفاقية في وقت يشهد فيه الطلب المحلي على الكهرباء نمواً متسارعاً، ما يجعل الطاقة النووية خياراً استراتيجياً لتوفير مصدر مستقر ومنخفض الانبعاثات للكهرباء. كما تسهم في تنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما يتيح توجيه كميات أكبر من النفط والغاز إلى التصدير والصناعات ذات القيمة المضافة، ويعزز الإيرادات الوطنية وكفاءة استغلال الموارد. كذلك توفر طاقة أساسية مستقرة تدعم الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وتحلية المياه والصناعات الثقيلة.


ويؤسس الاتفاق لقاعدة صناعية وتقنية متقدمة عبر التعاون مع الشركات الأمريكية في تصميم المفاعلات وبنائها وتشغيلها، ونقل المعرفة، وتأهيل الكفاءات الوطنية، بما يرفع المحتوى المحلي ويعزز البحث والتطوير. كما يتيح دراسة جدوى إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل المملكة بالتعاون مع شركات أمريكية، مستفيداً من الاحتياطيات المحلية من خامات اليورانيوم، وهو ما يمهد لبناء سلسلة قيمة نووية متكاملة تبدأ بالتعدين وتنتهي بإنتاج الوقود النووي، بما يعزز الاستقلالية الصناعية ويضيف قيمة اقتصادية للموارد الوطنية على المدى الطويل.


ومن أبرز ما يميز الاتفاق أنه يختلف عن بعض اتفاقيات "المادة 123" السابقة التي تضمنت ما يعرف بـ"المعيار الذهبي"، والقائم على تخلي الدولة المتعاقدة عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي. أما الاتفاق الحالي، فلا يتضمن هذا الشرط، ما يتيح للمملكة دراسة تطوير دورة الوقود النووي ضمن إطار التعاون مع الولايات المتحدة، مع خضوع البرنامج لاتفاقية الضمانات الثنائية ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن الالتزام بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية ومتطلبات منع الانتشار النووي.


ومن الجانب الأمريكي، يمثل الاتفاق مكسباً اقتصادياً واستراتيجياً مهماً، إذ يفتح سوقاً واعدة أمام شركات التكنولوجيا النووية الأمريكية، وفي مقدمتها "ويستنغهاوس"، للمشاركة في تصميم وبناء مفاعلات من طراز AP1000 ، بقدرة 1100 ميجاواط كهربائي لكل مفاعل، إلى جانب توفير خدمات التشغيل والصيانة وإمدادات الوقود النووي على مدى عقود. كما يعزز الحضور الأمريكي في قطاع استراتيجي بالشرق الأوسط، ويمنح واشنطن أفضلية تنافسية في مواجهة القوى الدولية الأخرى.


ولا يقتصر هذا الاتفاق على التعاون في مجال الطاقة، بل يجسد تحولاً في طبيعة العلاقات السعودية الأمريكية نحو شراكة استراتيجية متكاملة تجمع بين المصالح الاقتصادية والأمنية والتقنية. فالمملكة تعزز مسار تنويع اقتصادها، وتوطين التقنيات المتقدمة، وبناء صناعة نووية سلمية ذات قيمة مضافة، بينما تعزز الولايات المتحدة حضورها الصناعي والاستثماري في أحد أكبر مشاريع الطاقة المستقبلية في المنطقة، ليصبح الاتفاق نموذجاً لتكامل المصالح بين التنمية الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية طويلة الأجل.

7/27/2026

أسعار النفط تهوي


تراجعت أسعار النفط بشكل حاد مع دخول وقف الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران يومه الثاني، بعد أن هدأت المخاوف من تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط. وانخفض برنت إلى نحو 89 دولارًا للبرميل، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط إلى قرابة 82 دولارًا، ليتخلى السوق عن جزء كبير من المكاسب التي حققها خلال الأسابيع الماضية.


وجاء هذا التراجع بعد فترة من الارتفاعات القوية تجاوز خلالها النفط مستوى 100 دولار للبرميل، مدفوعًا بتوسع التوترات العسكرية وتهديدات استهدفت الممرات البحرية، خصوصًا مضيق هرمز وباب المندب، وهما من أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم.


ورغم انخفاض الأسعار، فإن المخاطر لم تختف بالكامل. فحركة الملاحة لا تزال أقل من مستوياتها المعتادة، كما أن بعض شركات الشحن تواصل تغيير مساراتها تحسبًا لأي تطورات مفاجئة. وهذا يعني أن السوق ما زال يتعامل مع المنطقة بحذر، وأن أي تصعيد جديد قد يعيد الأسعار إلى الارتفاع بسرعة.


استفادت الأسواق المالية من تراجع أسعار النفط، إذ ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية مع انحسار المخاوف من موجة تضخمية جديدة. ويترقب المستثمرون هذا الأسبوع نتائج اجتماع الاحتياطي الفيدرالي وبيانات الاقتصاد الأمريكي، بحثًا عن مؤشرات أوضح بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.


7/25/2026

علاوة النفط في تصاعد

 25/07/2026

د. فهد محمد بن جمعة

شهدت أسواق النفط أسبوعاً جديداً من المكاسب، مواصلةً ارتفاعها للأسبوع الرابع على التوالي، في إشارة إلى أن علاوة المخاطر الجيوسياسية لا تزال المحرك الرئيس للأسعار. وأغلق برنت عند 96.76 دولاراً للبرميل مرتفعاً بنحو 10% خلال الأسبوع، فيما أنهى غرب تكساس تداولاته عند 89.31 دولاراً بارتفاع 8%، رغم عمليات جني الأرباح التي شهدتها الأسواق في نهاية الأسبوع.

وعلى الرغم من ارتفاع المخزونات التجارية الأمريكية بمقدار مليوني برميل لتصل إلى 411.7 مليون برميل، فإنها لا تزال أقل بنحو 6% من متوسطها خلال السنوات الخمس الماضية، وهو ما يعكس استمرار شح المعروض مقارنة بمستويات الطلب، ويحد من تأثير الزيادة الأسبوعية في المخزون على اتجاه الأسعار.

وشهدت جلسة الجمعة تراجعاً فنياً بعد موجة صعود قوية تجاوزت 25% خلال أسبوعين، حيث انخفضت العقود الآجلة برنت بنحو 4% إلى 96.46 دولاراً، فيما تراجع غرب تكساس بأكثر من 3% إلى 89.22 دولاراً. إلا أن هذا الانخفاض يُنظر إليه باعتباره تصحيحاً طبيعياً بعد الارتفاعات الحادة، وليس تحولاً في الاتجاه العام للسوق، خاصة أن برنت لا يزال مرتفعاً بنحو 26.9% منذ 10 يوليو، بينما ارتفع غرب تكساس بنسبة 25.1%.

وجاءت القفزة في الأسعار بعد تجاوز برنت مستوى 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ مايو، مدفوعاً بتصاعد الهجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر واستمرار المخاوف من اتساع نطاق اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط. كما تزامن ذلك مع تشدد السوق الفعلية نتيجة السحب الكبير من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في عدد من الدول، إلى جانب التراجع الحاد في المخزونات التجارية، وهو ما عزز الفجوة بين العرض والطلب ورفع علاوة المخاطر في الأسواق.

ورغم الضغوط التي تعرضت لها الأسعار في نهاية الأسبوع عقب تقارير عن جهود صينية لإحياء محادثات السلام، فإن الأسواق احتفظت بمعظم مكاسبها الأسبوعية، في إشارة إلى أن المتعاملين لا يزالون يمنحون الأولوية للمخاطر المرتبطة بالإمدادات أكثر من الرهانات على التهدئة السياسية.

كما تؤكد بيانات المخزونات العالمية هذا الاتجاه، إذ تراجعت إلى نحو 3.45 مليار برميل في يونيو 2026، مقارنةً بأكثر من 3.7 مليار برميل في مارس، وهو انخفاض يعكس استمرار السحب من المخزونات لتغطية احتياجات السوق. وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد توقعات استمرار التقلبات السعرية، خاصة مع تحذير غولدمان ساكس من إمكانية وصول خام برنت إلى 120 دولاراً للبرميل إذا استمرت اضطرابات الإمدادات أو اتسعت رقعة التوترات الجيوسياسية.




اقتصاد أم سيطرة؟

25/07/2026

د. فهد محمد بن جمعه 

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض لتحقيق انتصار عسكري فقط، بل أصبحت وسيلة لإعادة تشكيل موازين الاقتصاد والنفوذ. فالقوة العسكرية قد تفرض واقعاً جديداً على الأرض، لكن المكاسب الحقيقية غالباً ما تتحقق عبر السيطرة على الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وتدفقات رؤوس الأموال. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل ما تشهده المنطقة اليوم تحركه اعتبارات اقتصادية، أم أنه صراع أوسع هدفه إعادة رسم موازين السيطرة؟

أزمة الشرق الأوسط في عام 2026 تقدم نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة. فمع تصاعد التوترات، قفزت أسعار النفط بفعل المخاوف من تعطل الإمدادات، وارتفعت العلاوة الجيوسياسية، بينما شهدت أسواق الطاقة والمال تقلبات حادة. وفي المقابل، ارتفعت تكاليف التأمين البحري ورسوم الشحن، واضطرت شركات النقل العالمية إلى إعادة توجيه عدد من سفنها بعيداً عن الممرات عالية المخاطر، الأمر الذي انعكس على تكاليف التجارة العالمية، وأسعار السلع، وسلاسل الإمداد.

ولم يكن النفط وحده محور التأثير، بل أصبحت الممرات البحرية نفسها جزءاً من معادلة القوة. فمضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد طرق لعبور التجارة، بل تحولت إلى أدوات ضغط جيوسياسي تؤثر في حركة الطاقة والاقتصاد العالمي. وكلما ارتفعت المخاطر في هذه الممرات، ارتفعت معها كلفة النقل والتأمين، واستفادت قطاعات الشحن والخدمات اللوجستية والتأمين والصناعات الدفاعية من بيئة يسودها عدم اليقين.

وفي الوقت نفسه، تراجعت شهية المستثمرين تجاه المناطق المضطربة، واتجهت رؤوس الأموال إلى الأسواق الأكثر استقراراً، بينما ازداد الإنفاق على الأمن والدفاع وحماية البنية التحتية والمنشآت الحيوية. وهنا تظهر حقيقة اقتصادية تتكرر في معظم الأزمات؛ فكل دولار يُنفق على إعادة بناء الثقة والاستقرار، يسبقه إنفاق أكبر على إدارة المخاطر واحتواء آثار الصراع.

المشهد لا يعكس صراعاً بين طرفين فحسب، بل شبكة معقدة من المصالح. فالقوى الكبرى تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في أسواق الطاقة وخطوط التجارة العالمية، بينما تستخدم القوى الإقليمية أدواتها السياسية والعسكرية لتعزيز مواقعها التفاوضية وحماية مصالحها الاستراتيجية. وفي ظل هذا التشابك، تصبح الأزمات وسيلة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والسياسي أكثر من كونها مجرد مواجهات عسكرية.

ولهذا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس حرباً شاملة، ولا سلاماً دائماً، وإنما استمرار حالة من التوتر المحسوب، تضمن بقاء أوراق الضغط بيد جميع الأطراف، دون الوصول إلى مواجهة واسعة قد تخرج عن السيطرة. فهذه الحالة تمنح القوى الدولية والإقليمية مساحة لإدارة مصالحها، وتحافظ على أهمية الممرات البحرية وأسواق الطاقة في معادلة النفوذ العالمي.

إن ما يحدث اليوم يؤكد أن الاقتصاد لم يعد مجرد متأثر بالحروب، بل أصبح أحد أهم أدواتها. فالسيطرة على تدفقات الطاقة، وتأمين الممرات البحرية، والتأثير في حركة التجارة العالمية، أصبحت أهدافاً استراتيجية لا تقل أهمية عن تحقيق التفوق العسكري. ولذلك، فإن السؤال لم يعد: من يربح الحرب؟ بل: من يسيطر على الاقتصاد الذي تصنعه الحرب؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون المفتاح لفهم كثير من أزمات المنطقة اليوم، وربما شكل النظام الإقليمي والدولي في السنوات المقبلة.


7/24/2026

أزمة النفط والوقود... تضخم عالمي

 24/07/2026

د. فهد محمد بن جمعة

 لا تكمن خطورة الصراع الأمريكي الإيراني في ارتفاع أسعار النفط فحسب، بل في انتقال الأزمة تدريجياً من مضيق هرمز إلى الاقتصاد العالمي عبر أسعار النفط والوقود والنقل. فكلما طال أمد المواجهة واتسعت المخاطر على طرق الملاحة البحرية، ارتفعت علاوة المخاطر في أسواق الطاقة، لتتحول من أزمة جيوسياسية إلى موجة تضخمية عالمية يصعب احتواؤها.

تعكس حركة الأسعار حجم هذا التحول؛ إذ ارتفع برنت إلى نحو 100 دولاراً للبرميل، وتجاوز غرب تكساس 90 دولاراً الخميس الماضي، وهي أعلى مستوياتها منذ منتصف يونيو، مع استمرار العمليات العسكرية وازدياد المخاوف بشأن أمن الإمدادات عبر مضيقي هرمز وباب المندب. ويعني ذلك ارتفاعاً بأكثر من 35% مقارنة بالمستويات التي سجلها النفط بعد تراجع التوترات في مطلع يوليو، ما يشير إلى أن السوق أعادت تسعير المخاطر الجيوسياسية بالكامل.


لا يمثل النفط سوى بداية سلسلة ارتفاع الأسعار، فكل زيادة 10 دولارات في النفط ترفع تكاليف النقل 5-25%، والكهرباء الصناعية 15-40%، وخام الحديد 11%. تنتقل الزيادات إلى أسعار الغذاء والسلع، مضافة 0.3% للتضخم. كما ترفع تغيير مسارات الناقلات وارتفاع التأمين تكاليف الشحن 13%، حتى دون نقص فعلي. وكل ذلك يحوّل أزمة النفط إلى موجة تضخمية شاملة.


فلم يعد ضعف الطلب العالمي قادراً على موازنة السوق كما حدث في الأشهر الأولى. فالصين خفضت وارداتها إلى أدنى مستوياتها منذ نحو عقد، بينما رفعت الولايات المتحدة إنتاجها إلى مستوى قياسي بلغ 13.93 مليون برميل يومياً، وهي عوامل ساعدت سابقاً على منع وصول الأسعار إلى مستويات 150 أو 200 دولار التي كانت تتوقعها بعض المؤسسات. لكن استمرار الحرب واستنزاف المخزونات يحدّان من قدرة هذه العوامل على كبح الأسعار مستقبلاً.


الأكثر إثارة للقلق أن أزمة الوقود قد تصبح أشد من أزمة النفط الخام نفسها. فقد تضررت طاقات التكرير في الشرق الأوسط، وتأثرت صادرات الديزل الروسية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود بوتيرة أسرع من ارتفاع النفط. وتشير البيانات إلى أن أسعار البنزين ارتفعت بنحو 32% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، بينما ارتفع النفط الأمريكي بنحو 18% فقط، وهو فارق يعكس اختناقات في سوق المنتجات المكررة وليس في الخام وحده.


وتنعكس هذه التطورات مباشرة على التضخم العالمي. فقد قدرت بلاك روك أن استمرار صدمة الطاقة قد يضيف نحو 0.8% إلى معدل التضخم العالمي، بينما ترى مؤسسات مالية أن أوروبا وآسيا ستكونان الأكثر تأثراً بسبب اعتمادهما الكبير على واردات الطاقة. وفي حال استمرار ارتفاع أسعار النفط، قد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بما يضغط على الاستثمار والإنفاق والاستهلاك، ويبطئ وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، حيث تشير التقديرات إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر البرميل قد تخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 0.15-0.2%.


وفي ضوء هذه المؤشرات، لم تعد الأسواق تراقب تطورات الحرب باعتبارها حدثاً سياسياً فقط، بل عاملاً يعيد تشكيل معادلة النمو والتضخم عالمياً. فكلما استمرت المواجهة، تقلصت قدرة المخزونات على امتصاص الصدمات، وازدادت احتمالات دخول الاقتصاد العالمي مرحلة تضخم جديدة تقودها الطاقة، لا الطلب، وهي بيئة تُعد الأكثر صعوبة أمام صناع السياسات النقدية والمالية.


اختناق مضيق هرمز

الثلاثاء 28 صفر 1448هـ 11 أغسطس 2026م المقال الرياض د. فهد محمد بن جمعة صرّح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن مضيق هرمز «لن يعود إلى ما ...