5/01/2023

رؤية النمو الاقتصادي

  الثلاثاء 12 شوال 1444هـ 2 مايو 2023م

المقال

الرياض

د. فهد محمد بن جمعة

بدأ نمو الاقتصاد السعودي يأخذ مساره التصاعدي منذ عام 2021، مدعوماً بالاقتصاد النفطي وغير النفطي، مما زاده تنوعاً وأكثر استدامةً. هذا لم يكن ليتحقق لولا الرؤية ذات الأبعاد والآفاق طويلة الأجل، وتحمل بين طياتها أهدافاً استراتيجية طموحة، مستندة على بيانات الحاضر وتوقعات المستقبل.

فمنذ بداية الرؤية قي 2016 وإعادة هيكلة الاقتصاد بقصد تنويع القطاعات الاقتصادية غير النفطية، تراجع النمو الاقتصادي مؤقتاً، وهو أمر طبيعي، لاستيعاب المتغيرات الجديدة واستثمارها لصالحه لكي يستعيد عافيته. إنه التأثير الإيجابي اللاحق Lag effect عندما تتلاشى نقاط الضعف وتزداد نقاط القوة، باستثمار الفرص النوعية ذات العائد الاقتصاد المباشر وغير المباشر بتموجاته الايجابية نحو المزيد من النمو وتوظيف الموارد المالية والبشرية في بيئة اقتصادية خصبة ومتنامية.

إنها رؤية النمو والتخطيط الاستراتيجي ذات النظرة البعيدة، لتعظيم الانتاجية الاقتصادية واستغلال الموارد والميز النسبية والتنافسية افضل استغلال من أجل تأمين المستقبل وتفادي المخاطر واجتياز العقبات والتحديات المحتملة. إنها الرؤية التي تحدث صدامات ارتداديه ايجابية وتمتص الصدمات الاقتصادية الخارجية المباشرة وغير المباشرة من أزمة كوفيدـ19 الى أزمة أوكرانيا وتحويلها الى فرص استثمارية بإيجابيات تفوق سلبياتها.

بدء الاقتصاد رحلة النمو في 2021، بمعدل نمو 3.2 % بالأسعار الثابتة ليبلغ إجمالي الناتج المحلي الأسمي 3.136 تريليون ريال أو 834 مليار دولار، وواصل نموه بمعدل 8.7 % في 2022، وهو الأعلى منذ 2011 والأعلى عالمياً، مدعوماً بنمو الأنشطة النفطية وغير النفطية والحكومية بمعدلات بلغ متوسطها: 15.4 %،5.4 %، 2.2 % على التوالي، ليصل إجمالي الناتج المحلي الاسمي إلى 3.957 تريليونات ريال أو 1.055 تريليون دولار، وذلك لأول مرة في تاريخ الاقتصاد السعودي. ومن المتوقع أن ينمو إجمالي الناتج المحلي في الاعوام التالية: 2023، 2024، 2025، بمقدار 3.1 %، 5.8 %، 4.5 % على التوالي، وفقاً لتقرير وزارة المالية.

وتستهدف المملكة مضاعفة حجم الناتج المحلي الإجمالي الى 6.4 تريليون ريال أو 1.7 تريليون دولار في 2030. وهذا ليس بمستحيل بل يمكن تحقيقه، فقد حقق إجمالي الناتج المحلي نموا بلغ 7.1 % بالأسعار الجارية في 2022، فلو استمر متوسط معدل النمو عند هذا المستوى في السنوات القادم حتى 2030، لوصل إجمالي الناتج المحلي إلى 5.957 ترليونات ريال أو 1.588 تريليون دولار وهو على مسافة قريبة من المستهدف. وذلك نتيجة تنويع الاقتصاد غير النفطي الموازي لاقتصاد النفط، وارتفاع مشاركة الصادرات غير النفطية الى الواردات، القطاع الخاص، الاستثمارات الأجنبية، الإنفاق الاستهلاكي، في إجمالي الناتج المحلي، حيث تستهدف الرؤية رفع مساهمة القطاع الخاص إلى 65 %، المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى 35 %، جذب استثمارات مباشرة في كل قطاع من قطاعات المملكة بقيمة 3.4 تريليونات دولار.

هكذا ينمو الاقتصاد كلما كان قادر على إنتاج المزيد، اعتماد على مقدار رأس المال والعمالة والموارد الطبيعية والتكنولوجيا والمعرفة. فقد شجعت السياسات الاقتصادية على نمو الاقتصاد تراكمياً، وهو الملاحظ بالفعل في السنوات الاخيرة، بتحول منحنى إمكانيات الإنتاج أو منحنى إجمالي العرض إلى المسار الصاعد على المدى المتوسط والطويل

4/25/2023

مناطق اقتصادية.. واعدة

الثلاثاء 5 شوال 1444هـ 25 إبريل 2023م

المقا

الرياض

د. فهد محمد بن جمعة

إطلاق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان في 13 أبريل 2023، لأربع مناطق اقتصادية خاصة تتميز بخصائص استراتيجية في الرياض وجازان ورأس الخير ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية، يعكس التخطيط السليم والحكيم والطموحات الكبيرة ذات الأهداف المحددة زمنيا ومكانيا في رؤية 2030. فلو لا قيادة ولي العهد مهندس هذه الرؤية، لما رأينا مثل هذه التحولات الاقتصادية الهيكلية والنوعية والتنمية المستدامة بنماذج جديدة، تشبه بشكلها ما حدث في الصين واليابان وكوريا وسنغافورة، ولكنها تختلف عنها ضمنيا، حيث إن توفير بيئة اقتصادية ملائمة لمزاولة الأنشطة الاقتصادية داخل هذه المناطق ليس بالأمر السهل، بل إنه يحدد نجاحها من فشلها على المدى الطويل. لذا تم الأخذ في الحسبان تنوع اختصاصات هذه المناطق وتميزها بالتركيز على قطاعات النمو، مثل التصنيع المتقدم والحوسبة السحابية والتكنولوجيا الطبية وسلسة التوريد وخطوط تجميع السيارات الخدمات اللوجستية وبناء السفن وصيانتها وإصلاحها وتشغيلها وتحويل المعادن.

لقد تغيرت الظروف الاقتصادية والسوقية العالمية بسرعة في ظل الأزمات المتكررة، ولذلك تسعى الدول إلى تأمين نمو واستقرار وتنويع اقتصاداتها، وبدأت تطور المزيد من المناطق الاقتصادية الخاصة اتساقاً مع تلك المتغيرات وبيئة الأعمال والاقتصاد الجديدة. إن تغيرات الاقتصاد الكلي والبيئة التنظيمية العالمية، حفزت بعض البلدان نحو المناطق الاقتصادية الخاصة ذات الحجم الأوسع والمرتبط مباشرة بالاقتصاد المحلي في هذه البيئة الجديدة. وبهذا يكون امتلاك رؤية طويلة الأجل أمرا مهما، لتمكين الدولة من استثمار التحول الاقتصادي والفرص والذي قد يستغرق سنوات أو عقودا من الزمن، من أجل تحفيز التنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل وتعزيز الصادرات غير النفطية، بالتركيزً مكانيًا على الشركات ذات القيمة المضافة وليس فقط التي تحقيق أرباح لصالحها، مما سيدعم نمو الاقتصادات العنقودية والتكتلات المرتبطة بنقل السلع والعمالة والتكنولوجيا والمعرفة. وهو عامل جذب مهم للمستثمرين، ويسهل على الشركات تعويض نقاط الضعف بنقاط القوة، مما يجعل هذه المناطق وسيلة رائعة للتجارة الدولية والاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) ودفع عجلة التنمية الاقتصادية.

إن اختيار هذه المناطق الاقتصادية الخاصة (SEZs) كأداة رئيسة لتشجيع الاستثمار، تم بناءً على ميزها النسبية وقدراتها التنافسية وميزها المكانية التي تدعم تقنية البيانات ذات الجودة العالية.

إنها تهدف إلى دعم النمو الاقتصادي والانشطة الاقتصادية النوعية والواعدة، وذلك بتقديم محفزات ملموسة وغير ملموسة للمستثمرين المؤهلين للحصول على هذه الحوافز التجارية التنافسية حسب المنطقة والقطاع، وتوفير بيئة تشريعية ولوائح تنظيمية مرنة، بنية تحتية، إعفاءات ضريبية وجمركية، خدمات حوسبة سحابية، فرص واعدة لتطوير وتوسيع أعمال الشركات وابتكار تقنيات المستقبل. لهذا ستصبح مناطق جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة وعنصرًا رئيسا في جهود تنويع الصادرات وتحسين المشاركة في سلاسل القيمة العالمية (GVC).

إن نجاح برامج المناطق الاقتصادية يتطلب تخطيطًا استراتيجيًا سليمًا، طلبًا تجاريًا قويًا، وبيئة أعمال مواتية، ومشاركة نشطة من القطاع الخاص، قدرة تنفيذية قوية لكل من القطاعين العام والخاص. لأن هذه البرامج الاستراتيجية أدوات أساسية لتعزيز التصنيع والتحول الاقتصادي المتكامل مع استراتيجية التنمية الشاملة، ولهذا يصبح تحديد الجدوى الاقتصادية للمناطق مهمة لتحقيق الاستدامة، للتغلب على بعض إخفاقات السوق والتنسيق الحكومي، بخلق بيئة قانونية وتجارية ملاءمة وملتزمة بتطبيق المعايير الاجتماعية والبيئية العالية لضمان الاستدامة والقدرة التنافسية على المدى الطويل.

4/18/2023

السلام.. شرق أوسط جديد

الثلاثاء 27 رمضان 1444هـ 18 إبريل 2023م

المقال

الرياض

د. فهد محمد بن جمعة

تمت هذه الأيام إعادة العلاقات الدبلوماسية بين قطر والبحرين، امتداداً لمخرجات قمة العلا في 4 يناير 2021، وبذلك تكتمل وحدة دول مجلس التعاون الخليجية. كما أن السعودية تسعى إلى استتباب السلام في المنطقة وإنهاء الصراعات الجيوسياسية وجعلها منطقة آمنة تنعم شعوبها بخيراتها الاقتصادية والتجارية وما تتمتع به من ميز نسبية. إنها مرحلة جديدة بدأتها السعودية بعودة علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وسورية وفض النزاعات بين الجهات المتنازعة في اليمن، إنها بداية للشرق الأوسط الجديد الذي تحلم به شعوبنا، إنها تطلعات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي قال "لا أريد أن أفارق الحياة إلا وأرى الشرق الأوسط في مقدمة مصاف العالم، وأعتقد أن هذا الهدف سوف يتحقق مئة بالمائة"، ثم قال "إن الدول العربية تطورت كثيرً على مستوى اقتصاداتها في السنوات الماضية، والشرق الأوسط سيكون أوروبا الجديدة خلال خمس سنوات مقبلة".

إن عملية السلام والأمن من خلال إعادة العلاقات الدبلوماسية بين دول المنطقة، سيكون له أبعاداً اقتصادية كبيرة لصالحها بشكل عام ولصالح الدول الأكثر ضرراً بشكل خاص، مما سيخفض معدلات المخاطر الاقتصادية، ويدعم التنمية المستدامة، ويعزز الثقة في الاقتصاد، وينعش الاستثمار الأجنبي والمحلي، ويحسن أداء القطاع المالي والسياحة والتجارة البينية. إن السلام شرط أساسي لبزوغ شمس الشرق الأوسط الجديد في منطقة آمنة ومستقرة في بيئة داعمة للاقتصاد وجاذبة للاستثمارات، فكلما أصبحت هذه البلدان أكثر سلامًا واستقرارًا، كلما زادت اقتصاداتها نمواً وتنوعاً وتقدماً تقنياً ومعرفياً، لذا ينبغي أن تسعى السياسات الاقتصادية إلى توطيد السلام، وأن تكون الأولويات هي إعادة بناء المؤسسات وتحديثها وتعبئة الموارد لإعادة البناء ودعم النمو الأكثر قوة والشامل للجميع.

إن هذه الصراعات الجيوسياسية لها تكاليف بشرية واقتصادية باهظة ومباشرة على سورية، اليمن، لبنان، العراق التي تدهورت اقتصاداتها وارتفعت معدلات التضخم بنسب قياسية، هكذا تؤثر الحروب والنزاعات سلباً على اقتصادات هذه البلدان ومستقبلها، ولنا عبرة في الاقتصاد السوري الذي وصل إجمالي ناتجها المحلي إلى أعلى مستوياته عند 252.5 مليار دولار في 2010 قبل الحرب الأهلية، ثم تراجع إلى 67.5 مليار دولار مع بداية الاضطرابات في 2011، وانهار بعد الحرب إلى 11.08 مليار دولار في 2020 أي بأكثر من 21.5 ضعفاً، وفقاً للبنك الدولي. أما اليمن فقد وصل إجمالي الناتج المحلي إلى 34.22 مليار دولار في 2014 وفي السنوات الأولى من الحرب انخفض إلى 21.6 مليار دولار في 2018 أي 60 % ومازال مستمراً في تدهوره حتى هذه اللحظة، بينما الدول الأكثر أمناً واستقراراً، كما في الدول الخليجية، تنمو اقتصاداتها بشكل مستمر ومتصاعد، ومنها السعودية التي حققت أعلى نمواً اقتصادياً حقيقياً عالمياً في 2022.

إن السلام لا يدرك أهميته إلا الدول التي عانت من ويلات الحروب، ولا يدرك أهمية الأمن والاستقرار إلا الدول التي تنعم بالازدهار الاقتصادي والرفاه الاجتماعي. لذا تسعى السعودية إلى صنع السلام في المنطقة وترسيخ الأمن والاستقرار، لما لذلك من أثر إيجابي مباشر على تلك البلدان وغير مباشر على بلدان الجوار.

نتمنى أن تتكلل مساعي المملكة بالنجاح نحو شرق أوسط جديد يحقق تطلعات شعوب المنطقة في بيئة اقتصادية واستثمارية مزدهرة.

حرب الطاقة.. ركود تضخمي عالمي

الثلاثاء 5 شوال 1447هـ - 24 مارس 2026 م المقال الرياض د. فهد محمد بن جمعة يتجه الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط إلى مرحلة أكثر خطورة مع انتقا...