11/17/2010

العولمة وإيقاف استنزاف الزراعة للمياه

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4448  old  الموافق:2005-12-15

العولمة وإيقاف استنزاف الزراعة للمياه

د. فهد محمد بن جمعة
لا شك أن قضية المياه هي هاجس كل مواطن سعودي مسؤول في ظل وجود مصادر مياه غير متجددة واعتماد المملكة على مياه التحلية بشكل أساسي في توفير المياه العذبة لمواطنيها الذين ينمو تكاثرهم بمعدل 3.5 % سنويا. ما دعا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى أن يصدر قرارا ساميا بإطلاق الحملة الأولى لترشيد المياه في عام 1998، تلتها مراحل أخرى في القطاعات الحكومية وحملات توعية للأفراد، حيث أكدت وزارة المياه في أكثر من مناسبة أن تنفيذ العديد من مشاريع المياه لا يكفي متطلبات المستهلكين إذا لم يتم ترشيدها كثروة وطنية غير متجددة. فإن الحاجة ماسة لترشيد المياه ومطلب وطني يتزايد يوما بعد يوم منذ بداية أولى خطط التنمية الخمسة في 1970 ثم تتالت بعده تلك الخطط الخمسية التي رافقها ازدياد في الطلب على المياه وما نتج عن ذلك من عدم التوازن بين الكميات المطلوبة والمعروضة من المياه، ما خلق نوعا من القلق لدى الجهات الحكومية، وجعل من عملية الترشيد سبيلا لا مفر منه. فسوف أبني حديثي هنا حول ثلاثة محاور مهمة هي: ندرة المياه, استنزاف بعض المنتجات الزراعية لها, وكيف نستفيد من العولمة في تقليص استنزاف بعض المنتجات الزراعية للمياه مسترشدا ببعض البحوث والأطروحات الموثقة ليكون الموضوع أكثر موضوعية، وتبرز لنا الحقائق التي لا بد أن يتعامل معها صانعو القرار في هذا البلد الغالي على الجميع.
فلقد أشار وأكد العديد من البحوث والدراسات إلى أهمية تقليص استهلاك المياه على جميع المستويات الاستهلاكية، وتبني استراتيجية ذات رؤية واضحة تؤمن بمستقبل المياه. فنرى أن مؤتمر الخليج السابع للمياه في اجتماعه الماضي الذي نظمه معهد الكويت للأبحاث العلمية بالتعاون مع جمعية علوم وتقنية المياه لدول مجلس التعاون الخليجي قد أوصى بضرورة الإسراع بوضع سياسات مائية وطنية مبنية على مبادئ ومنهجيات الإدارة المتكاملة للموارد المائية من كفاءة اقتصادية وعدالة اجتماعية واستدامة بيئية، على أن تكون تلك السياسات واقعية وتوازن بين الاستهلاك الزراعي وقدرة الموارد المائية المتاحة المتجددة ومياه الصرف الصحي المعالجة على تلبية الطلب السكاني وزراعي، وذلك بتطبيق الأدوات الاقتصادية كإحدى الأدوات الإدارية الفعالة في إدارة الموارد المائية.
وفي موقع آخر بعنوان (الأمن المائي في الوطن العربي) نقرأ فيه أنه في الوقت الذي ترتفع فيه معدلات استهلاك المياه بشكل كبير مازال الطلـب الزراعي على المياه يتزايد في دول مجلس التعاون خلال الفترة 1980-1990م بمعدل ثماني مرات، بقصد تحقيق الاكتفاء الذاتي بالنسبة لبعض المواد الغذائية، ومازال أيضا الاستهلاك المنزلي يتضاعف بمقدار ثلاثة أمثاله خلال الفترة نفسها. فإن الذي نستنتجه من ذلك أن سياسات الدعم الحكومي للقطاع الزراعي هو من أبرز المحفزات المؤدية إلى أزمة استنزاف الميـاه الجوفية في دول الخليج وعلى رأسها السعودية.
فلا شك أن تنسمة في السكان يمثل عبئاً على الموارد المائية في أي بلد من بلدان العالم حتى وإن كانت تمتاز سطوحها الترسبية بوفرة المائية، ناهيك عن البلدان ذات الموارد المائية المحدودة مثل السعودية التي زاد عدد سكانها من 12.846 مليون نسمة عام 1985 إلى 17.119 مليون نسمة عام 1993، وتمثل هذه الزيادة 34 في المائة. كما أن استهلاك المياه لأغراض زراعية ارتفع من 5173 مليون متر مكعب عام 1981 إلى 18 ألف مليون متر مكعب عام 2000، أي بزيادة هائلة بلغت 248 في المائة - حسب بيانات وزارة المالية.
إن هذا الحجم من الاستهلاك المتصاعد للمياه سوف يفضي بدون شك إلى عجز في مصادر المياه الجوفية غير المتجددة، ما سوف يؤثر على تحقيق الأمن المائي في المملكة في المستقبل القريب في ظل هذا الاستنزاف للمصادر المتاحة دون رادع، وأنظمة تلزم المستهلكين بسياسة المحافظة على المياه. فقد يقول البعض إن هذا ليس مستغربا في ظل النمو المستمر لعمليات التنمية الاقتصادية, اتساع حجم المدن وازدياد حركتها العمرانية, توسع المشاريع الزراعية بشكل كبير لمواجهة الاستهلاك الغذائي المرتبط بمعدل النمو السكاني المتزايد، ولكن هذا لا يمنعنا أبدا من ترشيد ووقف استنزاف المعروض من المياه الجوفية، المصدر الرئيسي في المملكة، والذي يكلف استخراجه مبالغ طائلة، حيث أشارت بعض المصادر إلى أن تكلفة المتر المكعب من المياه الجوفية غير المعالجة يبلغ (ريالين) تقريبا, المياه البحر المحلاة بالتبخر ما بين 15 و25 ريالا, المياه البحر المحلاة بتعامل العكسي 6 - 8 ريالات, المياه المعالجة (خمسة ريالات)، في حين يكلف نقل المتر المكعب من المياه ما بين 15 و25 ريالا، مع الأخذ في الاعتبار تفاوت التكاليف من دولة إلى أخرى. وإذا ما أردنا معرفة السعر الذي يدفعه الفرد السعودي لإجمالي تكاليف المتر المكعب من المياه المحلاة، فإنه لا يتجاوز بعض القروش لبعض شرائح الماء الاستهلاكية، رغبة من الدولة في تحقيق المزيد من الرفاهية لمجتمعها، ولا نعترض على ذلك أبدا، ولكن لا بد من ترشيد استهلاك المياه على جميع المستويات، وأن ندرك أن من أبرز التحديات التي سوف تواجهها المملكة في المستقبل هو العجز الكبير في إمدادات المياه واعتمادها على مخزون المياه الجوفية الذي يقابله عجز في مخزون المياه الجوفية غير المتجددة التي تتناقص تدريجيا. وهذا ما أوضحه تقرير البنك الدولي ومعهد الموارد العالمية بأن نصيب الفرد السعودي من المياه آخذ في التناقص، وأنه الأقل مقارنة بنصيب الفرد في الدول العربية الأخرى، حيث إن خفض نصيب الفرد السعودي من 537 مترا مكعبا في 1960 إلى 156 متراً مكعباً في 1990. كما توقعت دراسة أخرى أن ينخفض نصيب الفرد من المياه بشكل ملحوظ من 156 مترا مكعبا إلى 49 متراً مكعباً في عام 2025م، وهذا معدل يدل على وجود شح في مصادر المياه السعودية، ما يتطلب التعامل مع هذه القضية بكل واقعية من خلال وضع استراتيجيات فاعلة للمحافظة على أمن المخزون المائي في المملكة.

لا يوجد تعليقات

متى نوقف استنزاف المياه؟

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4455  old  الموافق:2005-12-22

متى نوقف استنزاف المياه؟

د. فهد محمد بن جمعة
لقد طالبت اقتصاديات البحث العلمي بتخفيض المفقود من المياه المنزلية وتقليص الري الزراعي والإسراع في تأسيس المركز الوطني لمعلومات المياه كجهة حكومية مستقلة، حيث نصت الاستراتيجية المستقبلية لإدارة الموارد المائية على تحويل أزمة المياه في السعودية إلى عجلة دافعة للاقتصاد الوطني والتنمية الشاملة من خلال منهج الإدارة المتكاملة للموارد الطبيعية التي من أهدافها الاستراتيجية إدارة الموارد المائية واستمرار تأمين مياه الشرب بكميات كافية وبنوعية جيدة لجميع السكان وتوفير خدمات الصرف الصحي وهذا ما اقترحه الدكتور عادل بشناق "الرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودي في عام 2020" وذلك بزيادة موارد مياه الشرب المتاحة ما فوق 12 مليون متر مكعب في اليوم، ويتم توفير 50 في المائة منها من تحلية مياه البحر, تخفيض إجمالي الطلب على المياه بنسبة 2.5 في المائة سنويا، تخفيض استهلاك القطاع الزراعي من مخزون المياه غير المتجددة ليكون أقل من استهلاك القطاع المنزلي من هذا المخزون. ووفقا لذلك فإن على وزارة المياه أن تهتم بالتخطيط والتنسيق لقطاع المياه على المستوى المحلي والإقليمي والوطني، كما أنه اقترح ضرورة التوازن المائي القابل للاستدامة قبل حلول عام 2020 من خلال زيادة كفاءة استخدام المياه وتخفيض إجمالي الطلب على المياه بمعدل لا يقل عن 2.5 في المائة سنوياً وتخفيض الاستهلاك الزراعي بمعدل 5 في المائة سنوياً مع العمل على تخفيض الاستهلاك المنزلي بمعدل 2 في المائة من خلال تقليص نسبة الفاقد في شبكات التوزيع والمنازل لتكون أقل من 5 في المائة عام 2020، فإذا ما طبقنا تلك المعدلات الاستهلاكية السابقة فإنها ستسهم في المحافظة على مخزون المياه الجوفية غير المتجددة لفترات طويلة، وإذا ما كان الهدف هو تكوين مخزون وطني استراتيجي لضمان الأمن المائي والأمن الغذائي في حالات الطوارئ من خلال إدارة قادرة على إقناع القطاع الزراعي ألا يتجاوز نسبة الكمية الاستهلاكية المحددة له من ذلك المخزون على حساب القطاع المنزلي.
كما أكدت الدراسة التي قدمها الدكتور محمد القنيبط رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى حول الواقع المائي في المملكة نشرها في "ميدل إيست أونلاين, 18/6/2002" أن السعودية تعاني من عجز مائي كبير بلغ 11.77 مليون متر مكعب تقريبا، حيث يتم تغطيته من مخزون المياه الجوفية غير المتجددة التي توجد في مناطق عميقة، بينما ذكرت دراسات أخرى أن ذلك العجز المائي قد تجاوز 13.56 مليون متر مكعب سنويا، فإنه ليس من المدهش أن يضع تقرير الأمم المتحدة "الشرق الأوسط" السعودية في صف الدول التي تقع في دائرة الأزمة المائية، حيث بلغ متوسط حصة الفرد فيها من المياه 118 مترا مكعبا سنويا. وهذا أيضا ما أشار إليه وزير المياه والكهرباء في نيسان (أبريل) 2005 أن شح المياه في السعودية قد وضعها في الفئة الأولى بين دول العالم الأكثر شحاً، حيث صُنفت دول العالم إلى أربع فئات حسب إمكانياتها المائية، من الأكثر شحاً في الفئة الأولى إلى الأكثر وفرة في الفئة الرابعة.
وأشار أيضا إلى أن إجمالي كمية المياه المتاحة للشرب من كافة الموارد المائية في المملكة بلغ ستة ملايين متر مكعب يومياً، فيما تشير بعض الدراسات إلى أن معدل استهلاك الفرد في المملكة قد تجاوز 286 لتراً في اليوم، لتحتل المملكة المرتبة الثالثة عالمياً في استهلاك المياه بعد الولايات المتحدة، وكندا.
إن تلك النسبة تشير بحسب الدراسات الأولية إلى عجز مائي قدره 1.5 مليون متر مكعب يوميا، علما أن المقياس العالمي لنصيب الفرد من المياه حدد نصيب الفرد السنوي من استخدام المياه أو كما يسمى مؤشر الحاجز بين 1000 و1700 متر مكعب للشخص الواحد وهذا ما يدل على وجود أزمة إذا ما كان نصيب الفرد أقل عن ألف متر مكعب، كما أنه يدل على ندرة المياه كلما انخفض نصيب الفرد عن 500 متر مكعب، ويعني ذلك ندرة مطلقة في المياه كما هو الحال في السعودية. وإذا ما دققنا النظر في حديث الدكتور عادل بشناق رئيس منتدى جدة العالمي للمياه والطاقة 2005 أن إحصاءات خطة التنمية السابعة أوضحت أن نصيب استهلاك الفرد من مياه الشرب في المملكة زاد من 120 لترا يومياً عام 1980 إلى 315 لترا يومياً عام 1999 مع أن بعض المصادر تقول إن نصيب الفرد قد ارتفع إلى 375 لترا يومياً عام 2004 وإن متوسط النمو السنوي في القطاع المنزلي بلغت نسبته 2.8 في المائة وهذا مؤشر خطير يدل على سرعة تنامي معدل الاستهلاك على مستوى الأفراد، فما بالك على المستوى الزراعي.
ثم ذكر الخبير المائي الدكتور عادل بشناق في منتدى جدة العالمي للمياه والطاقة 2005 أن مصادر وزارة المياه أوضحت أن حجم المياه السطحية والجوفية المتجددة بالأمطار يبلغ نحو ثمانية آلاف  مليون متر مكعب ماء في السنة، علماً أن معدل المياه المتجددة التي تتم الاستفادة منها حالياً نحو ملياري متر مكعب سنوياً.
وبما أننا نتفق مع غالبية تلك الدراسات مهما تفاوتت الأرقام على أن بعض المنتجات الزراعية مثل القمح والتمور والأعلاف تستهلك كميات كبيرة من المياه، وتتسبب في استنزاف مصادر المياه في السعودية فإن الموضوع يتطلب من الباحثين والمختصين البحث عن وسائل ناجحة لوقف هذا الهدر، فقد أثار الباحث محمد حبيب البخاري في الإنتاج الزراعي والحيواني في "الشرق الأوسط 12 -11/2005" قرب وقوع خطر استنزاف المياه نتيجة الممارسات الزراعية الخاطئة وعدم وجود القوانين التي ترغم المزارعين على تقليصهم استهلاك المياه ووقف استنزافهم لها. يقول بدأ استنزاف المياه عام 1981 عندما انتشرت زراعة القمح على نطاق واسع بواسطة الشركات الزراعية والمزارعين وتم استنزاف المياه الجوفية المتوافرة وحفر آبار جديدة وتركيب المضخات ذات الحجم الكبير وأجهزة الرش المحوري بشكل عشوائي ودون دراسات علمية لعمليات الري تبعا للاحتياجات المائية، ثم عقب ذلك انتشار زراعة الأعلاف عام 1986 لتسرع من استنزاف مصادر المياه المتبقية.


** كاتب اقتصادي

لا يوجد تعليقات

كيف تختار نوع المشروع الصغير المناسب لك؟


العدد:4483  :2006-01-19

الاقتصادية

د. فهد محمد بن جمعة
 
إن الذكاء يكمن في اختيار المشروع الذي يتميز بقوة أسعاره وضعف مرونة الطلب عليه من قبل المستهلكين، فعندما تزيد الأسعار بنسبة ما فإن عزوف المستهلكين عن شراء منتجاتك أو خدماتك يكون أقل بكثير من نسبة الزيادة في أسعارك. إن عملك في الحقل الذي تتوافر فيه لديك المعرفة والخبرة يكون مفتاحا لنجاحك.

لقد تكلمت في المقال الأول عن المؤهلات والعوامل التي تجعلك قادرا على أن تبدأ مشروعا صغيرا، وذكرت أن الصعوبة تتركز في اختيارك لنوع المشروع المناسب، لكن كيف تتم عملية الاختيار؟
إن من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الكثير من المبتدئين عند اختيارهم مشروعا ما أنهم يختارون المشروع الذي لا يناسبهم أو ليست لديهم الرغبة في ممارسته وهذا يعتبر عاملا حاسما في اختيار نوع المشروع المناسب لك. لذا يجب ألا تنتابك العجلة في عملية الاختيار التي من طبيعتها أنها تستغرق شيئا من الوقت، بل تعطي نفسك وقتا كافيا تراجع فيه أفكارك وتحللها بكل دقه حتى توفق في اختيار أفضل مشروع يتفق مع رغباتك وطموحاتك، وفي النهاية تحقق أهدافك. إنك لن تصاب بشلل الأطراف عندما تفوتك فرصة ما قد تكون مناسبة لك فلا تقحم نفسك في مشروع بسبب ضيق الوقت فتندم على ما لا تحمد عقباه لأن عملية الاختيار تحتاج إلى جهد من التخطيط والخبرة والمعرفة حتى تصبح عملية متكاملة وناجحة، فعليك أن تختار المشروع الذي يسهل عليك ممارسته دون القفز بسرعة وبخطى واسعة نحو تقليد الغير أو الشهرة، إنما تختار المشروع ذا المكاسب الاقتصادية المتوقعة في المدى الطويل وأن تشد رحالك إلى الأسواق التي تذهب إليها للأعمال وليس إلى أين هي موجودة فإن كانت أنواع المشاريع المتعلقة بمشروعك تذهب إلى جدة فلا بد أن تتبعها وهكذا وليس لأن الأعمال موجودة في الرياض أن تبقى فيها. وعليك أيضا أن تنتبه من تفويت فرصة ما عليك لأنك لم تفتش عليها أو تفكر فيها، فتكون نادما لأنك لم تأخذ الوقت الكافي للتفتيش عن كل فرصة وليس بعض الفرص. وابتعد عن الرؤية الضيقة والمحصورة في المنظور القريب، بل تعداها إلى المنظور البعيد لتعرف ما المشروع الذي يحقق لمشروعك معدلا من النمو سنويا، حيث إن بعض المحلات التجارية الصغيرة قد اختفت بعد وجود المعارض العملاقة و"الهايبر ماركت" التي تحتوي على أنواع من المنتجات المتعددة ويسهل على المتسوق أن يجد معظم ما يحتاج إليه تحت سقف واحد ما عزز قدراتها على جذب الزبائن من أقصى مسافة ممكنة. ابحث عن المشروع الذي تتميز أسعاره بنوع من القوة الاحتكارية وليس الاحتكار وتكون منتجاته أو خدماته ذات ميزة تسويقية تجعل أنظار الزبائن تتجه إليها على أنها فريدة ومختلفة عن غيرها مهما تشابهت مع المنتجات البديلة ما يمنحك مرونة في تحديد الأسعار التي تتجاوز نقطه التعادل بين التكاليف والدخل ما يحقق لك نموا في السوق ومتغيرا ربحيا جيدا بعيدا عن مواجهة منافسة الأسعار التي لا تبقي في السوق إلا الأقل منه تكلفة وهذه الأنواع من المشاريع لا تفرق بين الذكي والغبي وإنما توقعك في فخ المنافسة الشرسة وأنت في أول سنة من مشروعك وليس لديك إمكانيات المنافسة. إن الذكاء يكمن في اختيار المشروع الذي يتميز بقوة أسعاره ومرونة الطلب عليه من قبل المستهلكين، فعندما تزيد الأسعار بنسبة ما فإن عزوف المستهلكين عن شراء منتجاتك أو خدماتك يكون أقل بكثير من نسبة الزيادة في أسعارك. إن عملك في الحقل الذي تتوافر فيه لديك المعرفة والخبرة يكون مفتاحا لنجاحك، وأذكرك أن معظم مشاريع الخدمات لها قوة سعرية تدخل في تركيبتها الحرفية. وهنا أحذرك من نفاد الصبر والغرور عندما تتكون لديك ثقة زائدة في نفسك حتى لا يكون ذلك عثرة في طريقك ويعمى بصرك من اختيار المشروع الأفضل بكل عناية وواقعية.
إن عدم صبرك وضعف قدرتك التحليلية لسلسلة من المشاريع التي سوف تختار منها قد يوقعك في خطأ تكون تكلفته باهظة فحاول أن تعيد دراستك وتكررها مهما كنت متأكدا فإن الوقاية خير من العلاج. خذ ورقة بيضاء أو صفراء أو اللون المفضل لديك ولونها بجميع الأنشطة التي ترغب في ممارستها واكتب على الورقة نفسها جميع الأنشطة المتعلقة بتلك الأنشطة التي ترغب فيها وسجل جميع المنتجات والخدمات فيها ولا تتوقف عند ذلك، بل فكر في أي منتجات أخرى لها علاقة باختيارك، ولكن خصص ورقة منفردة لكل نشاط. ثم سجل قائمه للأنشطة التي تتوقع أن تكون أفضل من غيرها في حالة تقلب السوق نحو الأسوأ مثل مطاعم الشاورمة أو مكان إصلاح السيارات حتى تتفادى عامل المخاطرة وتكون حكيما في اختيارك، فدعنا نفترض أنك قد قررت على اختيار أحد المشروعين السابقين فإنه لا بد لك أن تعمل مقارنة بينهما حتى تختار ما هو أفضل لك وذلك باستخدام درجات القياس ما بين 1 و10 درجات وذلك عن طريق طرح بعض الأسئلة على نفسك ثم إعطاء درجات لكل إجابة على سبيل المثال: هل أحب العمل في الشاورمة أو إصلاح السيارات؟ وأي منهما تتوافر لدي القدرات الكافية لممارسته؟ وأي منهما تتوقع أن تتوسع فيه ويكون له مستقبل أفضل حسب ظروف السوق الحالية والمستقبلية؟ هل باستطاعتي التخصص في ذلك المشروع؟ هل لديّ التمويل الكافي له؟ إن أعلى درجات تعطيها لأحد المشروعين سوف يحدد لك ما هو المشروع الأفضل أن تمارسه. وقد يستدعي ذلك أن تطرح بعض الأسئلة المهمة على نفسك: هل ترغب في إدارة هذا المشروع بنفسك أم أنك ترغب في شريك ما؟ وأنا لا أقترح الشريك إلا في حالات محدودة تفاديا للمشاكل التي عادة تحدث بين الطرفين وتنعكس آثارها السلبية على إنتاجية المشروع عندما يكون أحد الطرفين متفانيا في عمله، بينما الآخر متقاعس مقابل اشتراكه في رأس المال وقد يخرج من تلك الشراكة في أي وقت يراه مناسبا له عندما تتلاشى رغبته. وفي الحلقة المقبلة سوف يكون الحديث عماذا ينبغي عمله بعد اختيار المشروع الأفضل لك.

لا يوجد تعليقات

لماذا بدأت الاستثمارات السعودية تأخذ اتجاها معاكسا؟

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4469  old  الموافق:2006-01-05

لماذا بدأت الاستثمارات السعودية تأخذ اتجاها معاكسا؟

د. فهد محمد بن جمعة
إن خطاب الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز الأمين للهيئة العليا للسياحة خلال افتتاح المعرض والملتقى الدولي لآفاق الاستثمار في ("الاقتصادية", 17/11/1426هـ) كان خطابا رائعا ودقيقا عندما قالها وبكل صراحة "أنه لا دخل لمسائل الوطنية في الاستثمار داخل المملكة أو خارجها وإنه لا يمكن أن تستعمل عبارة الوطنية كوسيلة لجذب هذه الاستثمارات الهاربة، بل الأولى أن توجه عبارة الوطنية تلك للمسؤول الحكومي مهما كان صغيراً أو كبيراً الذي يتردد في اتخاذ قرارات جذب الاستثمار وتحفيزه، فأولئك أولى بتوجيه رسائل الوطنية لما اقترفوه في حق وطنهم من حرمانه ومواطنيه من المشاريع التي تضيف للاقتصاد وتشغل الأيدي العاملة المحلية. فالمسؤولية لا تقع على عاتق المستثمر الذي قرر الهجرة باستثماراته إلى حيث يجد من يرحب به، بل على المسؤول الذي أرغمه على ذلك"
إني أشد على يدي سموه وأقول له لقد تابعت وسمعت فأصبت عندما وضعت النقاط على الحروف، فعلا إن قرارات المستثمرين، وهذا ما تؤكده كل كتب الاقتصاد والأعمال في أي بلد من بلدان العالم من حولنا، تهدف إلى تحقيق عائد على استثماراتهم عند معدل من الخطر يتقبله هؤلاء المستثمرون لأن قراراتهم ليست مبنية على أهداف سياسية أو وطنية لأنهم أصلا وطنيون، وهذا ما يدعني لا أشكك في أن المستثمر السعودي عندما يجد فرصة استثمارية في بلده حتى ولو عند معدل خطر أعلى منها في بلد آخر فإنه لن يتردد في اغتنامها والاستثمار فيها. فأنت محق يا صاحب السمو بعد أن فتحت الدولة الباب على مصراعيه للاستثمارات الأجنبية وذللت الكثير من العقبات التي تقف في طريقها في ظل اقتصاد سعودي قوي عند معدل نمو قد تجاوز معدل النمو السكاني ليبلغ 6.5 في المائة هذا العام. لذا لماذا تتهافت الاستثمارات على تلك المدينة الخليجية الصغيرة "دبي" رغم ضيق سوقها الاستثمارية وارتفاع أسعار التضخم فيها؟ إن عودة الرساميل السعودية من الخارج في أعقاب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2002 إلى السعودية التي استثمر معظمها في مجالات العقار والأسهم مع أن ذلك لا يضيف الكثير إلى إجمالي الناتج القومي (لنسميها فترة عودة الأموال السعودية الهاربة) التي لم تلق الأرض الخصبة لها حتى تترعرع وتنبت مصادر دخل متنوعة يقطف ثمارها الاقتصاد السعودي، فسرعان ما اتجهت مرة ثانية إلى الخارج وخاصة إلى دول الخليج (لنسمها فترة نفور الأموال السعودية). إن تحليل ذلك من الهين ولا يحتاج إلى دراسات وبحوث وإنما بمجرد مساءلة بعض هؤلاء النافرين باستثماراتهم إلى الخارج فإن الأسباب التي أجبرتهم على هذا الرحيل مرة ثانية ما تعرضت له استثماراتهم من تضييق الخناق عليها من خلال قرارات حكومية صارمة تفوت عليهم فرص الاستثمار المجدية وعنصر المنافسة في عالم متحرر من قيود التجارة بعد أن تم انضمام السعودية إلى منظمة التجارة العالمية. لقد كان المستثمرون يتذمرون من الضريبة على الاستثمارات الأجنبية ومن العقبات التي تقف في طريق استثماراتهم ولكن الآن بعد أن طفح الكيل وأصبح هم المستثمرين وخاصة إذا ما كانت استثماراتهم ذات كثافة عمالية مثل شركات المقاولات والخدمات التي عانت من ضيق سوق العمل السعودية وعدم توافر العمالة سوءا كانت سعودية أو أجنبية أنهم فعلا في مأزق من أمرهم. فبينما إمارة دبي تلعب على وتر قرارات العمل السعودية وتنادي بأعلى صوتها مؤكدة توافر العمالة ذات التكلفة المتدنية من جميع الجنسيات فإننا نرى في الاتجاه المعاكس إن وزارة العمل السعودية تعلن في الصحف المحلية وتحذر السعودي من الاستثمار في أي مشروع مفترضا أن وزارة العمل ستلي حاجته من العمالة. إن ذلك فعلا تلاعب بجهد وأموال المستثمرين وكارثة اقتصادية وصدمة مؤلمة توجه إلى المستثمرين السعوديين عندما نرى تظلم رجال الأعمال حتى المواطنين لعدم توافر العمالة التي يحتاجون إليها ويتبناهى بعض هؤلاء المسؤولين بالتوظيف الوهمي للسعوديين. هكذا نعود مرة ثانية إلى الوطنية كلعبة سياسية أو اجتماعية أو شماعة يعلق عليها ما لم يستطع بعض هؤلاء المسؤولين عمله لإصدار قرارات متناقضة ولا تنسجم مع الأهداف الاستراتيجية للدولة من سياحة واستثمار حتى توظيف السعوديين. لقد كثرت التحديات في سوق العمل السعودية واعتمدت على سياسة التنفير للاستثمارات السعودية، حيث إن العنصر البشري أهم عناصر الإنتاج التي يعتمد المستثمر عليها في قراراته، فنرى الشركات الأمريكية على سبيل المثال تتجه إلى الدول الآسيوية طلبا للعمالة الرخيصة، فهل يا ترى من الأجدى لنا أن ننفر المستثمرين السعوديين وندفعهم قسرا إلى الهرولة وراء توافر العمالة وعند تكاليف متدنية؟ هل ما زلنا نتبع مبدأ الانفرادية في قراراتنا ونردد شعارات الوطنية ونقول إننا مخلصون وهدفنا توظيف السعوديين فإن النيات بالأعمال في قطاع الاقتصاد والقرارات الحكومية وليس العكس، حيث تظهر الأرقام ماذا تم تقديمه من برامج وتوظيف للموارد المالية والبشرية. إن معالجة البطالة الهيكلية في السعودية لا تتم عن طريق الانتقام من رجال الأعمال وتنفير استثماراتهم فلم يكونوا يوما من الأيام سببا في تلك البطالة، بل إن السبب المباشر في ذلك كانت سياسة وزارة العمل التي أقحمت سوق العمل السعودية بمنح التأشيرات دون حاجة القطاع الخاص لها، ما شجع العمالة المتسترة والمتاجرة بتلك التأشيرات في السوق السوداء. لذا لا بد أن تكون سياسة سوق العمل متفقة مع احتياجات التنمية الاقتصادية والقطاع الخاص بعد أن علقت الدولة آمالها عليه لينهض بالاقتصاد السعودي وينوع مصادر دخله. إن فرضية وزارة العمل أن هناك ترابطا إيجابيا شديدا بين نسبة توظيف السعوديين لأدركنا أيضا أن نسبة استقدام العمالة الأجنبية التي تحتاج إليها تلك المنشآت غير دقيقة ولا توجد تلك العلاقة في المهن التي لا يرغب السعودي العمل فيها اقتناعا منه، بينما توجد علاقة طردية وموثقة في شركات مثل "أرامكو" و"سابك" بين عمل واستمرار العامل السعودي في عمله وتوفير القرض السكني له، فهل تعلم ذلك وزارة العمل، علما أن لديها صندوق الموارد البشرية الذي يموله القطاع الخاص الذي يقابل بالاتهامات والتضييق عليه. كما أنه لو تم تحديد عدد العمالة التي تحتاج إليها السوق السعودية الآن وفيما بعد لأدركنا أيضا أنها فعلا فرضية مجحفة وظالمة لأصحاب المنشآت الذين بدأت أعمالهم تنكمش ويعصف صداها بمعدل النمو الاقتصادي غير النفطي فما بالك بردة الفعل المتأخرة التي سوف تكون محطمة لآمال التوظيف بتقليصها المهن غير المرغوبة فيها. هكذا يتسبب انحصار المنشآت الصغيرة والمتوسطة في تضاءل فرص العمل للسعوديين ناهيك من التأثير السلبي على إجمالي الناتج المحلي.

لا يوجد تعليقات

استدامة إيرادات الميزانية

الثلاثاء 25 ذو القعدة 1447هـ - 12 مايو 2026م المقال الرياص د. فهد محمد بن جمعة شهد عام 2026 واحدًا من أكثر الأعوام تعقيدًا في أسواق الطاقة ا...