11/17/2010

السعودة والمنشآت في مأزق أنقذوهما (2 من 2)

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4532  old  الموافق:2006-03-09

السعودة والمنشآت في مأزق أنقذوهما (2 من 2)

د. فهد محمد بن جمعة
<a href="mailto:fahedalajmi@saudi.net.sa">fahedalajmi@saudi.net.sa</a>

إن الخيارين اللذين طرحهما الدكتور عبد الرحمن قد أصبحا جزءا من الماضي ولم يتمكنا من زيادة معدل توظيف السعوديين, بل إنهما قد أثبتا فشلهما, نتيجة عدم فهم عوامل سوق العمل من طلب وعرض, فبينما نستطيع معرفة حجم القوى العاملة وعرضها فليس هناك أرقام تحدد حجم الطلب على العمالة فما زال مجهولا أو أننا لا نرغب في نشره, حيث إن حجم الطلب يلعب دورا حاسما في صنع القرارات الناجحة ووضع الحلول المناسبة لقضية التوظيف ومتى يكون تدخل وزارة العمل في آلية السوق ممكنا وفي حالة فشل السوق وعدم فعالية آلية الطلب والعرض, حيث إن أي زيادة في الطلب تؤدي إلى زيادة في الأجور إذا لم تقابلها زيادة مرنة في العرض وهكذا دون أي تدخل حكومي والعكس صحيح. لكن من الواضح أن هناك طلبا مرتفعا ونقصا كبيرا في عرض العمالة سواء كانت سعودية أو أجنبية وإلا كانت الرواتب أقل مما هي عليه الآن مقارنة بإنتاجية العامل الفعلية ومهارته وهذا يسهل معرفته من خلال إحصاء عدد الطلبات المقدمة إلى مكاتب العمل أو الغرف التجارية التي تؤكد اتساع الفجوة بينهما, حيث إن عدد الوظائف المتاحة يفوق عدد السعوديين الباحثين عن العمل لكنها لا تتناسب مع رغباتهم.
إن البطالة التي طالما تحدث عنها بعض الأفراد الذين لا يفرقون بين البطالة الاقتصادية غير الموجودة التي يبحث العامل عن أي وظيفة عند الأجور السائدة فلا يجدها خلال شهر واحد من تردده على مكاتب التوظيف, وبين البطالة الهيكلية الموجودة التي يزيد فيها عدد الوظائف المتوافرة عن عدد الذين يقولون إنهم لم يجدوا فرص عمل لعدم رغبتهم فيها. وهذا ما أكدته الأرقام الأخيرة التي أعلنتها وزارة العمل من خلال حملاتها التوظيفية بأن هناك تقريبا 180 ألف سعودي يبحثون عن فرص عمل, فهل هذا العدد مقلق أو أنها أزمة بطالة؟ بالتأكيد لا وبعد أن اتضح أن تلك الأرقام قد شملت بعض المتقاعدين الذين ما زالوا على رأس العمل والذين قد تركوا وظائفهم بعد عملهم لعدد قليل من الأشهر, وباستطاعتنا التأكد من ذلك عن طريق المعلومات المتوافرة لدى مكاتب العمل, ويمكن اتخاذ معلومات السير الذاتية المخزنة في كمبيوتر غرفة تجارة الرياض كعينة يقتدى بها.
إن قراءة الحقائق والأرقام كلما وجدت لن تترك مجالا للاتهامات والتخبط العشوائي, بل إنها تعطي تحليلاتنا قدرا كبيرا من المصداقية وتبعدنا عن المجازفة والاتهامات والتعميمات الخاطئة التي طالما وقعنا فيها. وعلى ذلك فإني أوجه تلك الأسئلة إلى كاتبنا العزيز: هل تقصد في طرحك الحكم بالإعدام على رجال القطاع الخاص لمجرد تهمتهم بالاعتراض على توظيف السعوديين ورغبتهم المطلقة في توظيف العمالة الرخيصة قبل إبراز الحقائق والأضرار بمصالح المواطنين المالية والبشرية وتقليص رفاهيتهم الاقتصادية؟ ولماذا تتهرب من ذكر المرارة التي تعانيها منشآت القطاع الخاص عندما يتم تدريب العامل السعودي وقبل أن يتجاوز الفترة التجريبية يترك عمله دون أي أسباب مقنعة؟ أم إنك تبحث عن حل شامل لجميع الأطراف المشتركة في معادلة التوظيف, القطاع الخاص, العامل نفسه, ووزارة العمل, فعلا يوظف السعوديين ويرغبهم في مواصلة أعمالهم في منشآت القطاع الخاص؟ إذاً الاختيار الأول الذي طرحته برفع تكاليف الإقامة ورخص العمل قد تم تنفيذه منذ فترة طويلة ولم يؤد إلى الحد من العمالة الأجنبية أو توظيف السعوديين, بل إنه فقط مول صندوق الموارد البشرية بمليارات الريالات كل عام وهذا من فضل القطاع الخاص الذي تحاول أن تهدده وتضر بمصلحته. أما الاختيار الثاني وهو حرية نقل الكفالة فلن يرفع أجر العامل الأجنبي بل على النقيض, وفي معظم الحالات يحصل على أقل مما كان يحصل عليه سابقا لتغير مجال العمل وضيق المدة القانونية لنقل كفالته قبل أن يحين رحيله ما يرغمه على قبول أي أجر, مع أنه اختيار سيئ للغاية فهو يشجع على تسيب العمالة الأجنبية ويؤدي إلى ضعف الإنتاجية وكما قلت إنه يزيد من الحوالات الخارجية وهذا يتناقض مع طرحك والمصلحة الوطنية. كما أن الاستفتاء الذي ذكرته لا يتفق مع الحقائق على أرض الواقع عندما تقول إن رجال الأعمال في هذا الاستفتاء يؤكدون أن ضعف رواتب العمالة الأجنبية هو السبب في عدم توظيف السعوديين وهذا لا يتفق مع ما نسمعه من رجال الأعمال في اجتماعاتهم المتكررة, وإنما أقول لك على كل حال إن تدني رواتب الأجانب ليس من الأهمية عندما يقارن بأهمية رغبة السعودي في العمل المتاح والالتزام بالحضور والغياب ورفع إنتاجيته التي طالما عانت منها معظم المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وعلى ذلك أذكر بعض الاقتراحات التي قد توقف تلك الاتهامات وتثبت الحقائق وتوظف السعودي وهي:
1 ـ إصدار بطاقة عمل لكل سعودي يبحث عن فرصة عمل حتى يتم توظيفه ثم طباعة اسم المنشأة على بطاقته ويحتفظ بملف لها يوضح فيه عدد السعوديين الذين تم توظيفهم لديها, حتى تبرز الحقائق ونعرف مَن هو المقصر هل المنشأة أو العامل السعودي نفسه؟
2 ـ تحديد حد أدنى للأجور إذا ما كان الادعاء أن السبب الرئيسي في عدم توظيف السعوديين هو تدني رواتب العمالة الأجنبية, ما قد يسهم في رفع معدل التضخم وضعف الإنتاجية وعدم قبوله محليا لأنه سوف يشمل رواتب العمالة المنزلية التي تعمل لديك.
3 ـ توحيد ساعات العمل فترة واحدة في منشآت القطاع الخاص والمراكز التجارية.
4 ـ تحفيز وترغيب العامل السعودي في عمله من خلال القروض السكنية إذا ما استمر السعودي في عمله لمدة خمس سنوات يقدمها لهم صندوق الموارد البشرية بدلا من دفع نصف الراتب فالقطاع الخاص قادر على تحمل راتبه كاملا.
5 ـ سد النقص في العرض من العمالة الأجنبية كلما كان ضروريا ودعت إليه الحاجة.
ولقد قلت "إن مصلحتنا الوطنية العليا تقتضي تبني أحد هذين الخيارين لتحقيق اعتماد أكبر على عمالتنا الوطنية, ليس فقط لانعكاسات ذلك على استقرارنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإنما أيضا لتفادي المخاطر المحدقة بنا جراء اعتمادنا على العمالة الأجنبية" وأنا أقول إن مصلحتنا الوطنية تستوجب التعامل مع أطراف المعادلة جميعها فليست العمالة هي الموضوع الاقتصادي الوحيد, بل إن عامل النمو الاقتصادي أهم بكثير من ذلك فهو الذي يوظف الموارد المالية والبشرية والطبيعية, ويزيد من فرص العمل للسعوديين من خلال دعم المنشآت الصغيرة التي تمثل العمود الفقري لاقتصادنا وعدم تضييق الخناق عليها فنحصل على نقص في الرفاهية الاقتصادية ومحافظ مفلسة.

لا يوجد تعليقات

السعودة والمنشآت في مأزق .. أنقذوهما (1 من 2)

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4525  old  الموافق:2006-03-02

السعودة والمنشآت في مأزق .. أنقذوهما (1 من 2)

د. فهد محمد بن جمعة
<a href="mailto:fahedalajmi@saudi.net.sa">fahedalajmi@saudi.net.sa</a>

يعاني معظم السعوديين الباحثين عن فرص عمل من ندرة الوظائف التي تتوافق مع رغباتهم عندما تكون مهاراتهم أو تخصصاتهم لا تلبي احتياجات سوق العمل رغم وجود الوظائف الشاغرة التي لم يحلم هؤلاء الباحثون أن يشغلوها في يوم من الأيام, فلم تكن لديهم ثقافة العمل اللازمة لتقبل مثل تلك الوظائف التي أقحمتهم قرارات العمل فيها وشتت أحلامهم فتجدهم لا يتمتعون بممارستها وفي معظم الأحيان لا يستمرون فيها. ناهيك عن عدم توافر بيئة العمل المناسبة لهم في نظرهم مقارنة بالوظائف الحكومية شبه المؤبدة والسهلة ودوامها لفترة واحدة وأقل من ثماني ساعات عمل في اليوم. لقد أصبح هؤلاء السعوديون ضحية الدعاية الوطنية وقرارات العمل التي مارست ضغوطا على العامل نفسه وعلى منشآت القطاع الخاص لتوظيفهم في أي مهنة شاغرة دون مراعاة رغبة العامل السعودي في شغلها ما جعل كليهما ضحية لمثل تلك الممارسات، وهدرا لمستقبل العامل ولاستثمارات المنشآت ومساهمتها المهمة في إجمالي الناتج المحلي. إن السعودة وكذلك المنشآت تمر بأصعب مراحلها وأكبر شاهد على ذلك عندما تمت مناقشة استراتيجية التوظيف التي طرحها بعض المستشارين الخاصين أمام وزير العمل ومجموعة من رجال الأعمال في غرفة تجارة الرياض وكانت ردة الفعل عنيفة من قبل رجال الأعمال إلى درجة أن بعضهم غادر صالة المناقشة بعد دقائق من تقديم تلك الاستراتيجية بينما البعض الآخر كان يناقش بكل دهشة وتشاؤم فلا من مستمع ولا من مجيب على تساؤلاتهم. إن توظيف السعوديين من المفروض أن يتصاعد مع زيادة الاستثمارات وارتفاع معدل النمو الاقتصادي الذي قد تجاوز 6 في المائة فلماذا لم يحدث هذا؟ إن الزيادة المتواضعة في معدل التوظيف تعتبر زيادة طبيعية بعد رضوخ بعض الباحثين عن العمل للأمر الواقع والانخراط فيما هو متاح من وظائف لسد رمق عيشهم حتى ولو كان ذلك مؤقتا. إن الآثار السلبية لمثل تلك القرارات قد انعكست على سلوك المنشآت الخاصة عندما ما منعت من استقدام العمالة الأجنبية الضرورية على أداء أعمالها فبدأت خدماتها تتدنى وأسعارها ترتفع في المدى القصير وسوف تتقلص مساهمتها في زيادة معدل النمو الاقتصادي غير النفطي في المدى الطويل, ما سوف يقلل من خلق فرص عمل جديدة لسعوديين. لقد كانت التحذيرات التي تطلقها وزارة العمل في الصحف المحلية بصفه متقطعة على أن الاستثمار في أي مشروع من قبل المواطنين لا يعني أنهم سوف يحصلون على العمالة التي يحتاجون إليها مهما كانت طبيعة مشروعاتهم, إلا مثابة منعطف خطير يهدد مستقبل نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة وعقبة في طريق الاستثمارات المحلية والأجنبية ذات الكثافة العمالية, وتعارضا مع استراتيجيات الدولة والتي يمثلها مجلس الاقتصاد الأعلى, بعد أن اتخذت الدولة خطوة جريئة لتشجيع البنوك المحلية على منح القروض اللازمة للسعوديين الراغبين في ممارسة أنشطة صغيرة ومتوسطة من خلال تقديم ضمانات لتلك البنوك المقرضة حتى لا تتعرض لخطر عدم التسديد من المقترضين, فما هذا التعارض بين سياسات الدولة التي تدعم عنصر رأس المال اللازم لإقامة مثل تلك الأنشطة وبين سياسة وزارة العمل التي تعطل أهم عناصر الإنتاج ألا وهو العمالة. ولا بد أن نعي إن عدم تراجع وزارة العمل عن قراراتها يعني أن مستقبل الأعمال سوف يعيش في حيرة من أمره مغمور بالشكوك وعدم الثقة لا في الاقتصاد ولا في الاستثمار, فعلا إن ديناصور المنشآت في انقراض سريع لم يشهده تاريخ سوق العمل من قبل وعسى ألا يتحول الازدهار إلى كساد, لأنهم غاضبون وعلى الأطراف المعنية أن تستمع لهم دون انفرادية في القرار الذي لا تحمد عقباه, بعد أن بدأت بوادره تشد انتباه المستهلك قبل المستثمر. لقد انتابنا الملل كسعوديين وأصحاب منشآت وأصابنا الإحباط فلا لغة العصا والجزرة مهدت الطريق نحو مستقبلا أفضل ولا الوطنية التي يدعيها المروجون والبعيدون عن الواقع قد أنتجت ثمارها. فليعلم الجميع أن نسبة تدني استقدام العمالة لا يعتبر إنجازا حقيقيا عند تضرر الاقتصاد وإنما الإنجاز عندما يتم تزامن زيادة معدل التوظيف مع زيادة معدل نمو المنشآت الخاصة والاقتصاد ككل. نحن نقول لا تنظير ولا مبالغة بعد اليوم فلن نقبل المزايدة على التوظيف الفعلي لأبناء هذا البلد مهما كلف الأمر أو طال الزمن ولكن أن نكون صادقين أولا مع أنفسنا وثانيا مع وطننا في كلما يعزز اقتصاده وإمكانياته.
انظر إلى ما طرحه الدكتور عبد الرحمن السلطان في ("الاقتصادية", 23/1/2006م) كعينة حية لما أفرزته قرارات العمل من آثار نفسية على المواطنين وكتابنا الأعزاء وهم يحاولون دعم السعودة وبحسن نية إلى درجة أن العاطفة وجهل الحقائق أوقعتهم في اتهامات القطاع الخاص وكأنه المذنب في تلك القضية متجاهلين أن للمعادلة أطرافا عدة. فما اتهام القطاع الخاص بالتنصل من توظيف السعوديين، بل إنه يوضح أن توظيفهم أمر لا يمكن تعميمه، فلو كان ذلك صحيحا لما رأينا بعض السعوديين يعملون في هذا القطاع ولما رأينا تكدس طلبات هذا القطاع في مكاتب العمل في كل مكان ولكن في الحقيقة الأعمال تبحث عن الأرباح مهما ذهبت فهل ترضى أن يستقطع جزء من دخلك وأنت غير قانع منه؟ طبعا لا. وعلى ذلك لم يكن القطاع الخاص في يوم من الأيام عقبة في طريق توظيف السعوديين ولم يكن صاحب القرار في استقدام العمالة الأجنبية، بل إن احتياجات التنمية الاقتصادية في فترة السبعينيات وعدم توافر العمالة المحلية قد فرضت نفسها وألقت بظلالها على استقدام العمالة كقرار اقتصادي واجتماعي لا غنى عنه. ولم يعد تدني راتب العامل الأجنبي عاملا أساسيا يميزه عن العامل السعودي منذ إنشاء صندوق الموارد البشرية الذي يدفع نصف راتب العامل السعودي ما جعل تكلفته أقل بكثير من تكلفة العامل الأجنبي الإجمالية, ولكن العوامل الأخرى هي الأهم مثل الانضباط العملي والحضور والغياب في الأوقات المحددة والمرتبطة ارتباطا طرديا مع معدل الخطر المحتمل تعرض صاحب المنشأة له عند ترك العامل لعمله دون إشعار مسبق يمكنه من توفير البديل له, مع أن تدني مستوى الإنتاجية يمكن معالجته فهل تستطيع الدولة أن تضمن خطر المنشآت عندما تتوقف أعمالها لعدم التزام العامل السعودي بشروط عمله قدوة بالبنوك لأنهما يؤديان الهدف نفسه؟

لا يوجد تعليقات

نعم لتخصيص البريد السعودي..ولا لتكليف المواطن

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4539  old  الموافق:2006-03-16

الاقتصادية

د. فهد محمد بن جمعة
تسعى الدولة السعودية دائما إلى تقديم أفضل الخدمات لأفراد مجتمعها وتحرص على تحقيق المزيد من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية لهم سواء كانت مباشرة من خلال مؤسساتها الحكومية أو غير مباشرة من خلال مجلس الحوار الوطني الذي يرصد الأولويات التي يحتاج إليها المجتمع ويرفعها إلى الجهات المعنية, ليتم بلورتها في قرارات تخدم المصلحة العامة. فكان تخصيص بعض الشركات التي تملكها الدولة وزيادة رواتب موظفيها بنسبه 15 في المائة شاهدا على صدق نوايا هذه الدولة التي تضع نصب عينيها أهمية خدمة المواطن التي لا تقيسها بتكلفتها المالية بل برضا المواطن عن مستوى من الحياة المعيشية تكفل له حياة كريمة. وهذا لا يعني أنه لا ينبغي على الدولة أن تبحث عن أفضل الطرق والوسائل لتخفيض تكاليف الخدمات التي تقدمها بشرط ألا تضعف نوعية هذه الخدمات أو تستثني أحدا من مواطنيها. وكما أن صانعي القرارات يصدقون في قانون (باريتو) بأن أفضل القرارات هي التي تضع أغلبية المجتمع في حالة اقتصادية أو اجتماعية أفضل مما كانوا عليها بينما لا تضع الأقلية في حالة أسوأ مما كانوا عليه, فإن قانونا مثل هذا تحاول الدول أن تستفيد منه في توزيع خدماتها بقصد العدالة الممكنة في ظل الموارد الاقتصادية المحدودة, والسعودية دائما تحاول أن تتوافق معه عند تقديم خدماتها في حدود إمكانياتها الاقتصادية التي يضيق عليها الخناق كلما زاد الطلب عليها مع تزايد معدل النمو السكاني المطرد كل عام.
إن تخصيص الخدمة البريدية لها مغزى اقتصادي واجتماعي وأهداف استراتيجية تهدف إلى رفع الكفاءة والفعالية لتلك الخدمة, وهذا ما يدعونا إلى أن نتساءل ما التخصيص الأفضل الذي سيحوز على رضا المواطنين واقتناعهم بأنه سيرفع من جوده تلك الخدمة؟ وهل يكون التخصيص كاملا تتولى أمره شركة خاصة وتتقاضى أسعارا معينة على كل خدمة تقدمها؟ أم يكون التخصيص بتعاقد مع شركات توفر تلك الخدمات وتقوم الدولة بتمويلها من أجل تقليص تكاليفها وتحسين أدائها؟. ولكن قبل الإجابة عن تلك الأسئلة لا بد أن أنوه بما يقوم به الدكتور محمد بنتن رئيس مؤسسة البريد السعودي من تحديث لنظام البريد الحالي واستغلال التقنية الحديثة التي سترفع من مستوى الخدمة وتسهل من متابعتها وسرعة وصولها من المرسل إلى المستلم بكل دقة ممكنة واحترافية وهذا شيئا نفتخر به جميعا. فقد حضرت محاضرة ألقاها الدكتور محمد بنتن في مقر "الاقتصادية" في 20/2/2006, استعرض فيها هيكلة البريد وتخصيص مرافقه إلى أقسام مستقلة ولكنها مترابطة يتم إدارتها بواسطة شركات القطاع الخاص وتخضع لمراقبة الإدارة العامة للبريد, ونظام التقسيم والترقيم التنازلي من المنطقة إلى المربع البريدي مستخدما التقنية المتطورة من (ستل لايت) لإنجازات ومتابعة العمليات البريدية بكل دقة وسرعة ممكنة. وطبقا لهذا النظام الرقمي الجديد فقد تم وضع صندوق بريدي على كل بوابة منزل وما زالت العملية مستمرة لتكون هناك تغطية متكاملة لجميع مدن وأحياء المملكة, مع أن هناك مأخذا على ذلك النظام الذي من المفروض أن يتم عن طريق الأمانة العامة للبلديات لأنها المسؤولة عن ترقيم المنازل وإذا ما كان هناك تقصير ناتج عن سوء التخطيط فمن خلال التنسيق بين إدارة البريد والأمانة يمكن الوصول إلى رقم موحد بدلا من أن يكون لكل إدارة رقم خاص بها. ما يدل على ضعف التنسيق بين تلك الإدارات الحكومية ويؤدي إلى ازدواجية التكاليف التي تصرف من الميزانية العامة.
فرغم أن التقنية المتقدمة أصبحت ضرورة ورافدا من روافد هذا العصر وتؤدي إلى تحسين مستوى الخدمات وتقليص تكاليفها في الأجل الطويل إلا أن إدارة البريد تريد أن تحمل كل مواطن يرغب في استخدام تلك الصناديق تكاليف تأسيسية وسنوية قدرها 300 ريال مبررة ذلك بأنه لا بد من تطوير الخدمات البريدية لمواكبة تغيرات العصر مع ظهور بوادر الحكومة إلكترونية. ولكن هذا التطور قد جاء متأخرا بعد أن انتشر استعمال الإنترنت والرسائل القصيرة التي لا يستغرق إرسالها إلا بعض الثواني من الوقت ما يبقي أصحاب الدخل المحدود ومن هم أقل تعليما المستخدم الأكبر للرسائل البريدية فلن يقبلوا تحمل مثل تلك التكاليف. وهذا لا يدع مجالا للاستغراب عندما ذكره رئيس البريد السعودي أن متوسط عدد الرسائل للفرد السعودي عشر رسائل سنويا, وهذا لا شك أنه معدل متدنٍ للغاية عندما يتم مقارنته بمعدل الرسائل في الولايات الأمريكية الذي بلغ 650 رسالة للفرد الأمريكي طبقا للبريد الموحد الأمريكي. إذاً ما الحاجة إلى تلك الصناديق البريدية إذا لم يرتفع معدل الرسائل في ظل الظروف الراهنة حتى لا تصبح شبه مهجورة وأنا لا ألغي أهميتها؟ فإنه يمكن زيادة معدل الرسائل التي ستصل أو تغادر صندوق بريدك في حالة تفعيل الحكومة إلكترونية وتوزيع فواتير الخدمات من خلال تلك الصناديق التي سيكون توافرها شرطا أساسيا لحصولك على تلك الخدمات, وكذلك من خلال زيادة معدل الرسائل والدعاية التجارية في ظل الانفتاح التجاري العالمي. إن الأمر المهم الذي يحدد مدى نجاح استراتيجية البريد الجديدة من عدمها هو مدى تقبل المواطن لها, لأنه من المتوقع ألا يشارك معظمهم في تلك الصناديق حيث إن الفئة القادرة على دفع تلك التكاليف ليس من عادتها أن تتعامل مع الرسائل البريدية في معاملاتها الشخصية, بعد أن توافرت لهم الوسائل الأخرى وبصوت وصورة ووسائل البريد السريعة ذات السمعة المعروفة. وهذا سيعرض البريد إلى خسارة كبيرة, أولا تكلفة تلك الصناديق غير المستغلة, وثانيا تكلفة تلك التقنية المتطورة التي قد تكون تكلفتها أعلى من مستوى الخدمة. ليس هذا فقط, بل قد يضع إدارة البريد في موقف لا تحسد عليه عندما يتم تفعيل الحكومة الإلكترونية وتتعاقد شركات الخدمات مع البريد السعودي على توصيل خدماتها إلى زبائنها دون أن يشترك هؤلاء المواطنون في تلك الصناديق. وأنا أتفهم لماذا البريد السعودي فرض أسعارا ثابتة لتخوفه من عدم تغطية تكاليفه الثابتة والتشغيلية خلال الفترة الاستثمارية للمشروع, ولكن المشكلة أن تلك الأسعار لن تكون مقبولة اجتماعيا وفي النهاية نعود إلى نقطة البداية.
لذا اقترح على إدارة البريد السعودي أن يكون التخصيص بالتعاقد مع بعض الشركات الخاصة وتقديم خدمة تلك الصناديق إلى أصحاب المساكن الخاصة مجانيا, على أن يتم تمويل تلك الخدمات من خلال زيادة أسعار الطوابع المحلية والدولية وتأجير الصناديق لأصحاب المساكن والأنشطة التجارية وتوسع في استثمارها من خلال تنويع أحجام الصناديق وتوفير خدمات أخرى توفر المبالغ اللازمة لتشغيل عمليات البريد بشكل مقبول.

لا يوجد تعليقات


التأمين الصحي إلى أين؟

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4546  old  الموافق:2006-03-23

التأمين الصحي إلى أين؟

د. فهد محمد بن جمعة
تسعى الدولة السعودية دائما إلى تعزيز القطاع الصحي، بل إنها تعتبره من أهم القطاعات التي لا بد أن يتميز بكل شفافية وعناية من أجل خدمة جميع المواطنين في مدن المملكة وقراها المتناثرة, مهما كانت تكلفته المالية لأن خدمة المواطنين في هذا القطاع لا تقاس بالمبالغ المالية وإنما بمعدل تحسن الخدمات الصحية من خلال الحماية والعلاج اللذين تقدمهما الدولة لهم. فقد بلغت ميزانية القطاع الصحي والخدمات الاجتماعية لهذا العام 31 مليار ريال, شملت مشاريع صحية جديدة لإنشاء وتجهيز 440 مركزاً للرعاية الصحية الأولية بجميع مناطق المملكة، وإنشاء 24 مستشفىً تبلغ سعتها 3800 سرير، إضافة إلى استكمال تأثيث وتجهيز بعض المستشفيات المنشأة حديثاً، وتوسعة وتحسين وتطوير وترميم بعض المنشآت والمرافق الصحية القائمة، وتبلغ التكاليف التقديرية لتنفيذ تلك المشاريع نحو 4.3 مليار ريال. كما أنه يجري حالياً تنفيذ 89 مستشفى في جميع مناطق المملكة بطاقة سريرية تبلغ نحو 10650 سريرا، وسترتفع نتيجة لذلك الطاقة السريرية للمستشفيات الحكومية التابعة لوزارة الصحة بعد الانتهاء من تنفيذ هذه المشاريع بنسبة 29 في المائة.
حيث بلغت نسبة الزيادة في ميزانية هذا العام 14.4 % مقارنة بعام 2005. إن هذه الزيادة في ميزانية القطاع الصحي تشكل زيادة في معدل الطلب على الخدمات الصحية مع زيادة معدل النمو السكاني المطرد, ما يجعلنا نتساءل إذا ما كان هذا الإنفاق الحكومي على المستشفيات التابعة لوزارة الصحة وتوسعتها مع تنامي الطلب عليها هو الاختيار الأفضل لتغطية حاجات جميع المحتاجين إلى تلك الخدمات وتقديم أفضل الخدمات كميا ونوعيا؟ أو هل رفع خدمات المستشفيات الحكومية الرئيسية في كل مدينة، وتوفير المراكز الصحية في المناطق النائية مع توفير التأمين الصحي لبعض المواطنين بدلا من التوسع السنوي؟ إن الاختيار الأول هو الاختيار المعمول به حاليا، ونلاحظ أن جودة الخدمات ما زالت متردية، وأن انتظار المريض في غرفة الاستقبال يستغرق ساعات قبل أن يتلقى العلاج ما يوحي أن هناك نقصا في عدد الأطباء والموارد المالية وارتفاعا في تكاليف العلاج لعدم فعالية إدارات تلك المستشفيات وتمكنها من تحسين أدائها وخفض تكاليفها وتوفير الخدمة لكل مواطن يحتاج إليها, إذاً لا بد أن ندرس الخيار الثاني الذي يخلط بين التركيز على المستشفيات الرئيسية وتحسين خدماتها وتقليص تكاليف وزارة الصحة الإجمالية من خلال توفير التأمين الصحي لبعض المراجعين تمهيدا لتعميمه بشكل كامل على عامة المواطنين الذين لا يشملهم التأمين الصحي في القطاع الخاص فيما بعد.
إنه باستطاعتنا تقييم تكاليف الاختيار الثاني تحت قيد التأمين الصحي لجميع المواطنين السعوديين المدنيين مقارنة بحجم ميزانية وزارة الصحة لعام 2006, وهذا التقييم تقريبي وباجتهاد من الكاتب، ولكنه يعطينا فكرة عامة أن الحكومة تستطيع تخفيض تكاليفها الآن ومستقبلا في ظل تزايد عدد العائلات وأفرادها، وذلك باعتماد الخيار المطروح. فقد أكدت النتائج الأولية لمصلحة الإحصاءات العامة لتعداد السكان والمساكن في 15/12/2004م أن عدد المواطنين السعوديين قد بلغ 16.529.302 نسمة (72.9 في المائة) من العدد الإجمالي للسكان. وبلغ عدد المساكن في المملكة يوم التعداد 3.990.559 مسكن. وإذا ما حاولنا أن نحصل على عدد المساكن التي يسكنها السعوديون فقط, فإننا نستطيع تعديل إجمالي المساكن بنسبة عدد إسكان السعوديين من إجمالي السكان ووزنه بمتوسط حجم العائلة السعودية وليكن سبعة أفراد لكل عائلة فإن العدد سوف يكون  2.9مليون مسكن تقريبا. وإذا ما استبعدنا عدد المساكن العسكرية فإن الرقم سوف ينخفض إلى 2.036.383 مسكن. وإذا ما استعملنا هذا الرقم ليمثل عدد العائلات السعودية surrogate variable التي تحتاج إلى تأمين صحي، على سبيل المثال, علما أن بعض تلك العائلات يوفر لها القطاع الخاص تأمينا، فالمتوقع أن يكون إجمالي تكاليف التأمين الصحي على تلك العائلات 18.4 مليار ريال تقريبا، وهذا التقييم اجتهاد من الكاتب لعدم توفر الإحصائيات المطلوبة.
ولكي يكون اختيار التأمين الصحي مبررا فعلينا أن نقيم تكاليف الزيارات إلى المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة عند متوسط السعر السائد في المستشفيات الخاصة لكل زيارة ومتوسط تكلفة الدواء للأمراض العادية, حيث بلغ عدد زيارات مراجعي المراكز الصحية في وزارة الصحة التي يبلغ عددها الآن 1848 مركزا صحيا، حسب الأمراض الشائعة 80 مليون مراجع خلال عام 1425هـ، حيث ارتفع عدد المراجعين من 51.3 مليون مراجع خلال عام 1420/1421هـ إلى نحو 80 مليون مراجع خلال عام 1424/1425هـ، أي بمعدل زيادة بلغت نسبتها 56 في المائة ("الاقتصادية" - 08/02/1427هـ), وبما أن متوسط تكلفة كل زيارة إلى المستشفيات الخاصة يبلغ 100، وإذا ما فرضنا أن معدل صرف الأدوية هو 100 ريال، فإن إجمالي متوسط تكاليف الزيارات يكون 16 مليار ريال، وهذا مبلغ لا يستهان به مع تزايد ارتفاع معدل الأمراض والسكان, وهذا لا يشمل تكاليف العمليات وعلاج الأمراض المزمنة والتمريض، التي في العادة تكاليفها أعلى بكثير من تكاليف الزيارات العلاجية فقط. ففي هذه الحالة ما علينا إلا مقارنة إجمالي متوسط تكاليف العلاج 200 ريال مع ميزانية وزارة الصحة الحالية لنحصل على فرق قدره 15 مليار ريال مازال في حصيلة الوزارة، فهل تستطيع وزارة الصحة أن تعطينا عدد العائلات السعودية التي يمكن التأمين عليها وتكلفة التأمين على كل عائلة حسب عدد أفرادها، حيث إن التأمين على العائلة التي يبلغ عدد أفرادها خمسة أفراد يكلف تسعة آلاف ريال سنويا، حسب ما وفرته بعض شركات التأمين الصحية لنا؟ وهل مبلغ 18.4 مليار ريال يكفي لتأمين على جميع العائلات السعودية؟ وإذا كانت الإجابة لا فما هو المبلغ المتوقع مع حساب معدل نمو الطلب و تكاليف التأمين لـ 10 سنوات القادمة؟ إن الإجابة عن تلك الأسئلة تجعل المواطن يعرف ما هو الاختيار الأفضل من عدمه، على أن هذا الاختيار يستحق أن يخضع لتحليل التكاليف والمنافع إما لإقراره وإما لرفضه.
نتمنى أن نرى تجاوبا من وزارة الصحة حيث سبق أن كتبت عدة مقالات منذ عام 1999م في "الاقتصادية" تتحدث عن تخصيص المستشفيات العامة والتأمين الصحي، وإلى هذه اللحظة لم نر أي بوادر أو تقدم في ذلك الاتجاه.

لا يوجد تعليقات

خروج الإمارات.. يعزز تماسك أوبك

الثلاثاء 18 ذو القعدة 1447هـ - 5 مايو 2026 م المقال الرياض د. فهد محمد بن جمعة جاء قرار الدول السبع في أوبك+، يوم الأحد، بزيادة الإنتاج تدري...