11/17/2010

العمالة تقوض نشاط المنشآت الصغيرة

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4658  old  الموافق:2006-07-13

د. فهد محمد بن جمعة


إن توافر رأس المال من خلال برنامج "كفالة" الذي يتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطه الاقتراض من البنوك بضمان من الدولة، والذي يوازيه بنك التسليف برأسمال قدره سبعة مليارات بعد الزيادة الأخيرة ومن دون فائدة سوف يلعب دورا مهما في تنمية وتوسيع نشاط تلك المنشآت، ولكنه لا يكفي لتحفيزها على ممارسة أعمالها وتحسين أدائها دون وجود العمالة التي تمثل أهم عناصر الإنتاج في تلك المنشآت لإكمال دورة أعمالها التجارية، وخلق فرص أعمال جديدة تكون لها قيمة مضافة إلى الاقتصاد المحلي حتى لا تبقى تلك القروض في بنوكها. لذا لا بد أن يتغير شعار السعودة من طباخ أو حلاق كما تردد في الصحف المحلية وبعض المحطات الفضائية إلى شعار محبب إلى السعوديين بأن يكونوا أطباء وصناعيون وتقنيون في سوق عمل ضيّق لا تتوافر فيه العمالة الماهرة المتخصصة في مجال المال والأعمال. فهل يا ترى قد امتلأت معظم مجالات العمل بالسعوديين حتى نبحث عن وظائف نادرا ما يتقبلها الباحثون عن العمل، ليس في السعودية فقط وإنما في دول العالم من حولنا، ونصرف النظر عن الوظائف الشاغرة التي قد يتقبلها السعودي حتى ولو كان قبولا مؤقتا. إن مثل تلك الدعاية غير الواقعية تخالفها مؤشرات توسع تلك المنشآت كما نلاحظه من الجدول المرفق. فعلى وزارة العمل وقرارات العمل أن تؤسس سوق عمل منظم ومتكامل يحفز العامل على تغيير سلوكه ورفع إنتاجيته من خلال استراتيجية توظيفية طويلة الأجل، وذات رؤية واضحة حتى لا تفشل تلك الاستراتيجية في نهاية المطاف وتضر بالسعوديين الباحثين عن العمل من رجال ونساء، وتعطل عنصرا من أهم عناصر الإنتاج في وقت يتزامن معه الانفتاح التجاري وتسابق الدول إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة, ما جعل بعض الصحف المحلية تردد هروب رؤوس الأموال السعودية تهرب مرة ثانية بعد أن عادت للمرة الأولى رغم نفي وزير العمل, ما انعكس سلبا على نشاط المنشآت الصغيرة وقلص من توسعها وأرغم الراغبين في ممارسة التجارة الحرة على العزوف عن الدخول فيها مع توافر تلك القروض التي تدعم قيام منشآت جديدة. وهذا ما أيّدته دراسة حكومية سعودية بأن علاج البطالة الشافي يدخل في تركيبته تنمية القدرات الوطنية ضمن برنامج خطط التنمية الخمسية للموارد البشرية التي تجاوز إجمالي إنفاقها منذ عام 1970م ومن بداية الخطة الخمسية الأولى، أي قبل 35 عاما حتى الآن، ما قدره 670 مليار ريال, فكيف يكون ذلك ونحن عاجزون عن توظيف نسبة بسيطة من السعوديين، حيث إن المرشحين منذ عام 1421هـ حتى عام 1425هـ لم يتجاوز 246 ألف سعودي، والمسجلين 35 ألف تقريبا في الفترة نفسها. ما يدل على أن هناك خللا هيكليا في قرارات العمل والرؤية المستقبلية التي مازالت تغطيها الغيوم. إن الوظائف متوافرة رغم وجود العمالة الوافدة، ولكن الوظائف القيادية وذات العائد الأفضل لا يخلقها إلا النمو الاقتصادي وليس عملية الإحلال في وظائف لا يرغب فيها السعودي على كل حال إما لطبيعتها وإما لتدني رواتبها، وهذا ما تجاهلته قرارات العمل الحالية لأن الأرقام الدقيقة لا تكذب، كما هو موثق في الجدول المرفق، من تناقص في مؤشرات النشاط التجاري. فقد انخفض عدد السجلات التجارية, وسجلات السيدات, رخص المهن الحرة, العلامات التجارية المسجلة في الربع الأخير من عام 1426هـ مقارنة بالفترة نفسها من عام 1425هـ بما نسبته على التوالي: 9, 1, 22, 70 في المائة ما يدل على أن عنصر العمالة كان أهم عامل قد تسبب في تقليص تلك الأنشطة التجارية، في ظل تسهيل إجراءات استخراج تلك السجلات والرخص وتوافر القروض البنكية. لاحظ أنه بعد السماح بمشاركة المرأة في ترشيحات الغرف التجارية والعمل، لم يكن انخفاض سجلات السيدات ملحوظا ولكنه يشير إلى ضرورة إعطاء المرأة فرص عمل في نطاق أوسع ومنحها حرية العمل في المجالات التي ترغب فيها. أما مؤشر السجلات والرخص فإنه يؤكد على المرارة التي تعانيها جميع المنشآت وخاصة المنشآت الصغيرة, التي يقل عدد عمالتها عن 50 عاملا حسب معظم التعريفات المتبعة في كثير من بلدان العالم, مع أن نشاطها يمثل 90 في المائة من المنشآت العاملة في المملكة، وهي العمود الفقري للاقتصاد السعودي ويؤدي دعمها وتنميتها إلى خلق فرص عمل للسعوديين قد تتناسب مع طموحاتهم.


إن تلك الإحصائيات توضح لنا حالة وسلوك العمالة السعودية، وهل لدينا عمالة سعودية كافية تلبي طلب السوق عليها؟ طبعا لا ما دامت العمالة السعودية تمثل 13 في المائة من إجمالي القوة العاملة، فلماذا نربط عدم توظيف السعوديين بوجود العمالة الوافدة وممارسة الضغوط وتشديد الخناق على منشآت القطاع الخاص من خلال تقليص العمالة الوافدة التي تعمل في العديد من الوظائف التي لا يرغب السعودي في إشغالها، ومن خلال عدم توفير العمالة السعودية عند طلبها وترشيحها. وبما أننا قلنا ذلك فإن علينا أن نتخذ القرارات الفاعلة التي يسهل تنفيذها على أرض الواقع بدلا من أن تكون قرارات أحلام وحبرا على ورق كما هو حاصل في الكثير من قراراتنا وخططنا. إننا نطالب كلا من المجلس الاقتصادي الأعلى ومجلس الشورى بدراسة ملحة وسريعة ومن دون تردد لكي يقرروا التالي بعد أن تأزمت قضية العمالة، وأصبح مستقبل توظيف السعوديين والمنشآت الصغيرة في خطر:
1 - إصدار بطاقة عمل لكل سعودي تصبح بمثابة سيرة ذاتية له يستفيد منها وتستفيد منها المنشأة عندما يُراد تقييمه وضبطا لإحصائيات العمالة.
2 - تحفيز السعودي الذي تم توظيفه بأنه إذا ما استمر في عمله خمس سنوات فإنه سوف يحصل على قرض سكني تلقائيا من صندوق الموارد البشرية مقابل خصم 20 في المائة من راتبه.
3 - إيجاد وظائف شاغرة مفتوحة في كل منشأة لكل سعودي بدلا من تقليص العمالة الوافدة الضرورية لاستمرارية المنشآت في أداء أعمالها، والتركيز على التخلص من العمالة السائبة التي تمثل جزءا كبيرا من العمالة الوافدة وتخلق الظل الاقتصادي.
4 - توحيد عدد ساعات العمل في جميع المراكز التجارية، وكذلك مكاتب القطاع الخاص مع القطاع الحكومي.
5 - تدريب السعوديين على رأس العمل، حيث إن المشكلة الحقيقية تتمحور في الانضباط والسلوك العملي ومعرفة طبيعة العمل الذي يمارسونه.

وهذا لن يلغي الحاجة إلى العمالة الوافدة بل إنه يوظف السعوديين على أن يتم سد حاجة المنشآت الخاصة من العمالة المطلوبة حتى لا ينقرض ديناصور تلك المنشآت التي تعيش في حالة احتضار.

لا يوجد تعليقات


المضاربون سيعطلون تنفيذ إصلاحات حوكمة الشركات


العدد:4672    الموافق:2006-07-27

الاقتصادية

د. فهد محمد بن جمعة


إن المستثمرين المضاربين سيهددون تنفيذ إصلاحات حوكمة الشركات ويعتبرونها عثرة في طريقهم لأنها قد تحرمهم من استغلال المعلومات الداخلية وتضعف ربحيتهم في السوق, فلن يجد هؤلاء المضاربون أي حافز لإنفاق مواردهم ذات القيمة على تنفيذ الحوكمة الجيدة الحوكمة corporate governance مبادئ ومجموعة من القواعد والأنظمة والإجراءات والقوانين التي تحكم العلاقات بين الأطراف الأساسية, إدارات الشركات, المساهمين, أصحاب المصالح, ونظم الرقابة والإفصاح، التي تؤثر في أداء الشركات وتهدف إلى تحقيق الجودة ورفع معدلات الأداء من خلال وضع الخطط والأهداف لتلك الشركات، كما أنها تشمل تحديد الحوافز المناسبة للإدارات من أجل تحقيق أهدافها بما يخدم مصلحة حملة الأسهم ويرغبهم في تطبيق مبدأ الشفافية ومنع تضارب المصالح والتصرفات غير المقبولة مادياً وإداريا وأخلاقياً ضمن الأنظمة الرقابية على إدارات الشركات وأعضاء مجلس إداراتها, وتحديد توزيع كل من الحقوق والمسؤوليات فيما بين مجالس الإدارة والمساهمين، وتطبيق الإجراءات التي تحدد سير العمل في الشركات من أجل تحقيق أهداف الحوكمة. وعلى ذلك فإن الحوكمة تشمل خمسة مجالات هي: حقوق المساهمين، المعاملة المتكافئة للمساهمين، دور أصحاب المصالح، الإفصاح والشفافية، ومسؤوليات مجلس الإدارة، وهي تهدف إلى فرض نظام رقابي على الشركات من أجل الإفصاح السليم والشفافية العالية بما يخدم في النهاية المساهمين والمتعاملين معها وأصحاب المصالح ومنع تفرد أو تلاعب أعضاء مجلس الإدارات بالقرارات دون مشاركة المساهمين وأصحاب المصالح وحصولهم على المعلومات ذات الصلة بالشركة في الأوقات المناسبة وبصورة منتظمة.

إن مفهوم الحوكمة هذه الأيام مرتبط بعمليات الإصلاح الاقتصادية، ليصبح شعاراً إصلاحياً يجسد مدى فعالية السياسات الاقتصادية للحكومات في طرح آليات فاعلة للتعامل للوفاء بالاستحقاقات الإدارية والمالية والمحاسبية, المهنية والأخلاقية للشركات. إذاً الحوكمة تلعب دورا في توجيه اقتصادات الدول النامية ضمن برنامجها الإصلاحي وإعادة هيكلة أنظمتها والعناية بالجودة وتحقيق العوائد الاقتصادية المجزية. إن تلك الإصلاحات الاقتصادية يكون لها تأثير إيجابي كبير في أداء الشركات في الأسواق المالية من حيث: حجم التداول، أسعار الأسهم، وزرع الثقة بين الأطراف المتعاملة. إن التطبيق الحقيقي لقواعد وضوابط الحوكمة يحقق الشفافية والعدالة ويجيز مساءلة إدارات الشركات ما يحمي المساهمين وحملة الوثائق جميعا ويراعي مصالح العمل والعمال والحد من استغلال السلطة في غير المصلحة العامة ما ينعكس إيجابيا على تنمية الاستثمار وتشجيع تدفقه وتنمية المدخرات وتعظيم الربحية وإتاحة فرص عمل جديدة. وسيما أن الحوكمة تزيد من الثقة في الاقتصاد القومي وتعمق دور سوق المال وزيادة قدراته على تعبئة المدخرات ورفع معدلات الاستثمار، والمحافظة على حقوق الأقلية من صغار المستثمرين ما يشجع على نمو القطاع الخاص ويدعم قدراته التنافسية ويساعد المشاريع في الحصول على التمويل، وتوليد الأرباح. إن عملية الإفصاح عن المعلومات المالية تعتبر عاملا مهما في تخفيض تكلفة رأسمال المنشأة وضمان استمراريتها في أداء أعمالها، حيث إن الحوكمة تسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية وتساعد على الحد من هروب رؤوس الأموال ومكافحة الفساد المالي والإداري اللذين يقفان عثرة في طريق التنمية الاقتصادية ويؤديان إلى ازدياد إتاحة فرص التمويل ذي التكلفة المنخفضة ما يزيد من أهمية الحوكمة بشكل خاص في الدول النامية. إن حوكمة الشركات الجيدة التي ترفع من معدل الإفصاح والشفافية وتقدم المعلومات المالية المهمة تخفض من تكلفة رأسمال المنشآت الصغيرة والمتوسطة من خلال اكتشاف نقاط القوة والضعف حتى يمكنّها من تحسين أدائها التشغيلي وتنويع استثماراتها ما يرفع من العائد على استثماراتها.
فلا شك أن الحوكمة هي أحد المجالات التي تؤدي إلى انتعاش الاقتصاد ورفع كفاءة الأسواق من خلال حماية الاستثمارات الوطنية ومنح هؤلاء المستثمرين الثقة بنظام الدولة ما يجعل المنطقة أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة خاصة بعد ما انضمت السعودية إلى منظمة التجارة العالمية ويعزز من قدرة القطاع الخاص التنافسية.
إن حوكمة الشركات تعتمد في نهاية المطاف على التعاون بين القطاعين العام والخاص لتطبيقها ومدى قوة السلطة التشريعية على إرغام تلك الشركات على تطبيقها، لذا من المتوقع أن يكون هناك نوع من عدم التجاوب من الشركات الخاسرة التي يغلب عليها طابع المضاربة، حيث إن الحوكمة تبطل أهمية الشائعات وتردع الفساد الإداري والمالي الذي دائما ما يكون مرتبطا بمثل هذه الشركات، كما أن المستثمرين المضاربين سيهددون تنفيذ إصلاحات حوكمة الشركات ويعتبرونها عثرة في طريقهم لأنها قد تحرمهم من استغلال المعلومات الداخلية وتضعف ربحيتهم في السوق, فلن يجد هؤلاء المضاربون أي حافز لإنفاق مواردهم ذات القيمة على تنفيذ الحوكمة الجيدة, فهم يسعون دائما إلى الاستثمار في أصول تقيم بأقل من قيمتها الحقيقية وتدر عائدًا كبيرًا على المدى القصير عن طريق إحداث نمو كبير في أسعار الأسهم ورأس المال ويمكنهم أن يتحملوا مخاطر كبيرة بغياب تطبيق الشركات لتلك الحوكمة، فيكون موقف شركات المضاربة ضعيفًا جدًا في الحصول على أي مبالغ إضافية تكفي لإحداث تحسين في حوكمة الشركات من هؤلاء المضاربين ما يصبح ضغطا عليها في إفشال تطبيق مبادئ الحوكمة.
وبما أن مبادئ الحوكمة هي تعزيز دور الإفصاح والشفافية إذا ما تم تطبيقه متزامنا مع المبادئ الأخرى، وهنا يبرز دور هيئة سوق المال السعودية في تطبيق هذه المبادئ كافة كما ورد في لوائحها دون تجاهل أي جزئية منها لتفعيل ضوابطها ورفع كفاءة السوق، وألا ينتهي دور الهيئة عند نشر وتطبيق تلك اللائحة وإنما تعتبرها البداية لخلق رؤية مالية واقتصاديه بعيدة المدى تتناغم مع الأنظمة الدولية ذات الخبرة الطويلة في حوكمة الشركات. وعلى كل حال فإن الأهم هو رفع مستوى الإفصاح والشفافية لدى الشركات المساهمة وتطبيق المعايير الدولية في المراجعة والإفصاح الفعلي لتحقيق العدالة في توفير المعلومات لجميع أطراف المعادلة الاستثمارية. فلا شك أن مبدأ الشفافية والإفصاح الدقيق أمر أساسي في منظومة الحوكمة ولكن هناك أمورا مهمة يمكن إضافتها لهذا النظام:
1- إلزام الشركات بإعداد تقرير سنوي يوضح خططها الاستثمارية المستقبلية وتوقعاتها عن أدائها طول العام مع تفصيل ربع سنوي يتم تعديله بعد كل ربع سنوي تصدر أرقامه الحقيقية حتى يعرف المستثمر مسار الشركة و يمنع تسرب المعلومات الداخلية على ألا تتجاوز نسبة الخطأ في ذلك التقرير 10 في المائة.
2- أن تصدر الهيئة بالتعاون مع تلك الشركة المعنية تقييما لها يحدد أداءها طبقا لمعيار 1-10 تصاعديا كلما زاد أداؤها حتى يعطي المستثمر فكرة عن أداء الشركة دون أن يبحث في التفاصيل ويحفز الشركات على تحسين أدائها.
3- تحديد الجزاءات المترتبة على مخالفة أنظمة الحوكمة المنصوص عليها في تلك اللائحة وأن يكون نوع الجزاء مثل نوع المخالفة.

لا يوجد تعليقات


ديوان مراقبة عامة وليس ديوان مراقبة لاحقة (2 من 2)

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4686  old  الموافق:2006-08-10

ديوان مراقبة عامة وليس ديوان مراقبة لاحقة (2 من 2)

د. فهد محمد بن جمعة
<a href="mailto:fahedalajmi@saudi.net.sa">fahedalajmi@saudi.net.sa</a>

إن الفساد الإداري والمالي يخلقه استغلال المسؤول لسلطاته من أجل تحقيق منفعة ما. فإنه ينتشر على مستوى الإدارة السفلى من سكرتير, موظف عادي, شرطي ذوي الرواتب المتدنية في ظل حياة معيشية مرتفعة. أما على مستوى الإدارة الوسطى التي يعمل بها موظفون مدنيون يتمتعون بميزات أعلى فإن رغبتهم في الحصول على مراكز متقدمة تدفعهم إلى استغلال سلطاتهم في عمليات المناقصات, الخدمات الحكومية, مخططات الأراضي, التفتيش والتراخيص والتدقيق, وأي عمليه يكون لها عائد اقتصادي يؤدي إلى تبادل المصالح بينهم وبين متلقي تلك الخدمات. فقد أشار العديد من الدراسات إلى أن الدول النامية أكثر فسادا من الدول المتقدمة للأسباب التالية:
- الفقر الذي يشجع موظفي الحكومة عند المستويات السفلى على الوقوع في الفساد.
- السيطرة الواسعة للحكومة على الاقتصاد ما يعطي موظفي الحكومة فرصه استغلال العوائد الاقتصادية من خلال معاملاتهم.
- غياب أو ضعف حساب المسؤولية الوطنية، النزاهة, الشفافية النظامية ما يساعد على انتشار الفساد.
هكذا تتعدد أنواع الفساد الحكومي حسب الحالة التي يتم فيها تبادل المنافع أو الأضرار بالطرف الآخر خلافا للقوانين والأنظمة الرسمية, عندما يستغل المسؤول سلطاته في ظل غياب الرقابة الفاعلة وتقارير المحاسبة والمسؤولية الدقيقة ما قد يحفزه على أخذ الرشوة Briber سواء كانت نقدية أو عينية من أجل تقديم خدمه غير شرعيه لشخص ما. وقد يمتد الفساد من الرشوة إلى التهديد  Extortionلإلحاق الضرر بشخص ما أو الإساءة إلى سمعته أو ما يمتلكه من أجل الحصول على مبالغ مالية أو خدمات أو أمور أخرى. وفي بعض الحالات يتحول الفساد إلى عمل العصابات وذلك بأخذ المال بطريقه غير شرعية Embezzlement أو ملكية الأصول عندما تتم توصيته على مال أو أصول لا يملكها مثل تلك القضايا التي ترددها الصحف المحلية يوما بعد يوم. كما أن الفساد ينتشر عن طريق الولاء لنظام ما أو مجموعة ما Patronage systems من أجل الحصول على مركز أو وظيفة مقابل حصول المؤيدين لهم على خدمات خاصة، فهذا قد يحصل على مستوى الانتخابات البلدية أو الغرف التجارية. فضلا عن تفضيل جماعة ما أو الأقارب في تولي مناصب ووظائف معينة والحصول على منافع ما Nepotism حتى ولو كانوا غير مؤهلين.
فكما ذكرنا سابقا أن العوامل الدموقرافية تزيد من انتشار الفساد في أنظمة الحكومات المحلية مثل: الدين, الانتماء, الطبقة, حجم البلدية المحلية, الحالة الاقتصادية المحلية, التعليم, العادات والتقاليد الاجتماعية والسياسية, ونوع الجنس, وكلما قلت مشاركة المرأة في الإدارات الحكومية وهذا يحتاج إلى تفصيل مطول ليس هذا مكانه، فإن قدرة ديوان المراقبة العامة على محاربة الفساد تكمن في تعزيز قوته ليكون مستقلا ويلعب دورا حاسما في محاربة انتشار الفساد في الإدارات الحكومية وأن ينظم حملة تساهم فيها الشرطة وجميع الأجهزة المسؤولة عن تطبيق القوانين ومكتب المحقق العام إن وجد ما يشابهه وهيئة المحاسبة العامة القضائية وهيئه من القطاع الخاص, لأن حلول محاربة الفساد تسبق عملية المراقبة التي تتمثل في التالي:
- حل مشكلة الفقر والبطالة الاقتصادية.
- عمل الحكومة وبكل سرعة على زيادة رواتب هؤلاء الموظفين في المستوى الإداري الأسفل حتى يكون محفزا لهم يبعدهم عن التعاطي مع الفساد بكل أنواعه.
- يطلب من كل موظف في الإدارة الوسطى أن يسلم كشف حساب لدخله سنويا وأن يكشف عن كل ممتلكاته ومعاملاته التجارية أو الاستثمارية حتى لا يكون هناك تعارض في المصالح.
- تعيين هيئة في ديوان المراقبة مستقلة لمكافحه الفساد يتمتع موظفوها بصفات أخلاقية عالية وحريصة على المصلحة الوطنية من أجل تقوية الرقابة ومنح المواطنين الثقة في الأجهزة الحكومية, يتم الإفصاح عن حساباتهم المالية.
- منح تلك الهيئة قوة قضائية أن من يقدم معلومات إليها خاطئة عن إدارته أن تستطيع تحويله إلى المحكمة.
- تعقد تلك الهيئة اجتماعا سنويا مفتوحا يحضره من يريد الحضور من المواطنين لتقديم آرائهم وملاحظاتهم.
- تفتح تلك الهيئة مكاتب لها في جميع مناطق المملكة حتى يسهل على المواطن حضوره ومشاركته في عمل الهيئة.
- إخطار جميع الجهات الحكومية عن أي خبر فساد يتم تداوله في الإعلام المحلي حتى ولو كان مصدره شائعات حتى يتم التأكد من عدم وجود موظفين مشتبه بهم.
- تحويل أي موظف يعمل في المؤسسات والشركات الحكومية يشتبه بتورطه في عمل فساد إلى القضاء لمحاكمته, ما قد يحد من ظهور مثل ذلك الفساد في المستقبل.
- تعيين موظف مكافحة الفساد في كل وزارة أو مؤسسة حكومية لكي يراقب سير العمل ويستلم تقارير عدم الأخلاقية والفساد من ممثلي الحكومة وكبار الموظفين.
- تطوير كادر محترف في الأخلاق والنزاهة ووضع برنامج عام يدرب على النزاهة والحماية من الوقوع في الفساد لكل الوزارات وموظفي الحكومة حتى يتم تأسيس قاعدة متينة من الأخلاق العالية والنزاهة Integrity في العمل.
- تعليم مادة في الأخلاق والنزاهة ضمن برنامج وزارة التعليم في جميع المراحل التعليمية فيما بعد الابتدائية.
- تقليص حجم البيروقراطية الكبير المرتبط بسوء الكفاءة ويعتبر مستنقعا للفساد من خلال الإسراع في عمليات الإصلاح والتخصيص والتخلص من المهن والدوائر ذات المهن المزدوجة والبطالة المقنعة ما يفتت قسوة البيروقراطية ويزيد من فعاليتها ويقلل من فسادها.
إن تنفيذ الحلول المذكورة يتطلب وضع معايير وآليات من أجل تحقيق تلك الأهداف التي ترمي إلى القضاء على الفساد الإداري والمالي في الإدارات الحكومية. هنا تأتي أهمية ترتيب الأوليات لمحاربة الفساد التي تستدعي وضع استراتيجية لمحاربة الفساد بجميع أنواعه من خلال تطبيق مبدأ المحاسبة والمسؤولية الوطنية والنزاهة والشفافية التي سوف تغير من اتجاهات وسلوك الأفراد سواء في المجتمع أو في الأجهزة الحكومية على أساس أن قاعدة الصفر من الفساد هي المسموح بها فقط لا غير. على أن الاستراتيجية التي تهدف إلى ظهور اتحاد قوي ضد الفساد داخل المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني والخاص لا بد أن تشمل الخطوات التالية:
- تبني مبدأ الوقاية الذي هو أكثر فعالية في الأجل الطويل من أن يكون في الأجل القصير من أجل وضع رادع Deterrent لكل من تسول له نفسه في الوقوع في معاملات الفساد. على أن تبدأ عملية الوقاية من خلال برامج التوعية والتعليم بمواقع وأضرار الفساد وأن يتم توضيح وتسهيل الإجراءات والأنظمة وتعويض أهل الخدمة المدنية رواتب عادله ومكافآت عندما يكون أداؤهم جيدا ونزيها.
- مساءلة الإداريين قبل أن يقدموا على شيء من الفساد وذلك بتحميلهم المسؤولية بما يتفشى من فساد في إداراتهم وذلك بإعطائهم نوعا من اللامركزية بما يتعلق بمواقع الفساد الإداري والمالي.
- اتباع آلية معينة لتطبيق أنظمة وقوانين محاربة الفساد تنفذها مكاتب الديوان مع منحها سلطات قوية ومحاكمة المشتبه بهم بما يتفق مع حقوق الإنسان الدولية.
- توظيف استعمال التقنية والإنترنت في محاربة الفساد في الأعمال الإدارية والمالية وفي معرفة ردة فعل المواطن وآرائه حول برنامج مكافحة الفساد الحكومي.
- توعية الجمهور بمعايير الوقاية من الفساد وتطبيق تلك المعايير ويسمح لوسائل الإعلام والمواطنين بالاطلاع على السجلات الحكومية من أجل قطف ثمار الحوار والشفافية والنزاهة وحساب المسؤولية بواسطة كل المسؤولين.

لا يوجد تعليقات

ديوان مراقبة عامة وليس ديوان مراقبة لاحقة (1 من 2)

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4679  old  الموافق:2006-08-03

ديوان مراقبة عامة وليس ديوان مراقبة لاحقة (1 من 2)

د. فهد محمد بن جمعة
<a href="mailto:fahedalajmi@saudi.net.sa">fahedalajmi@saudi.net.sa</a>

لقد تمت مناقشة دور ديوان المراقبة العامة السعودي في أحد البرامج التلفزيونية العامة مع أحد منسوبيه وأكد على الملأ أن وظيفة الديوان هي المراقبة اللاحقة (الرقابة المستندية) ورفع التقارير إلى الجهات المعنية فقط ما يجعل وظيفة الديوان ناقصة ولا تحقق أهدافها إذا لم يتم قرنها بالمراقبة السابقة (المتابعة) حيث إنها جزء لا يتجزأ من برنامج المراقبة الشاملة التي لا بد أن تشمل جميع أنواع المراقبة التي سوف أتحدث عن تعريفها وأنواعها وأهدافها وأفضل الاستراتيجيات للحد من الفساد الإداري والمالي العام. إذا الرقابة هي وظيفة إدارية وعملية مستمرة متجددة يقصد منها التحقق من أن الإدارات العامة وما يتبعها تؤدي أعمالها طبقا للأهداف والمعايير التي تقيس درجة نجاح أدائها الفعلي ضمن تقويم مستمر يحدد نقاط الضعف أو التجاوزات ونقاط القوة من أجل تقديم التوصيات التي تحسن أداءها. إن الرقابة الإدارية هي وسيلة تستطيع من خلالها السلطات الإدارية معرفة كيفية سير العمل داخل الإدارة والتأكد من أن سير العمل يتناغم مع الأهداف المبرمجة من خلال كشف الأخطاء أو التقصير أو الانحراف ليتم إصلاحه ووضع الإجراءات الوقائية اللازمة للقضاء على مسبباته. وعلى ذلك فإن الرقابة الإدارية الفاعلة تتبع أسلوب التوجيه والإشراف والإصلاح أكثر من مجرد معرفة الأخطاء ومعاقبة مرتكبيها بل إنها تعمل على التحقق من الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمالية في حدود الموارد المتاحة وتحديد سلوك الأفراد الأفضل الذي يحقق أهداف الإدارة ويحافظ على أنظمتها وقوانينها.
فعندما نتحدث عن ديوان المراقبة فإنه من المفروض أن يكون ديوان مراقبة بمعناها الشامل, حيث إن الرقابة الشاملة تشمل الرقابة على الإجراءات, الرقابة على النتائج, الرقابة السابقة واللاحقة, الرقابة الداخلية والخارجية. على أن الرقابة على الإجراءات تتمحور في مقارنة مدى تقيد الإدارات الحكومية بتطبيق القواعد والضوابط والأنظمة المعتمدة في إجراءاتها وتصرفاتها لأنها تركز على تصرفات الأقسام الإدارية والعاملين فيها وليس على ما تحققه من نتائج من تلك التصرفات. أما الرقابة المبنية على النتائج فإنها تقيس وتقيم النتائج النهائية التي تحققها الإدارات العامة وفروعها وفقا لمعايير معينة, وهذا النوع يركز فقط على النتائج وليست التصرفات.وهذا ما يجعل الرقابة السابقة (الرقابة المانعة أو الوقائية) بالغة الأهمية حيث إنها تهدف إلى التأكد من التزام تلك الإدارات بنصوص القوانين والتعليمات في إصدار قراراتها وتنفيذ إجراءاتها خطوة بخطوة ما يؤدي إلى تحسين أدائها بكل فاعلية وبطريقة سليمة. بينما الرقابة اللاحقة (التعدية أو المستندية) وظيفتها تقويم التصرفات والقرارات والإجراءات في أقسام الإدارة العامة بعد حدوثها فعلاً, ما يجعلها ذات طابع تقويمي أو تصحيحي فقط لا غير وهذا النوع من الرقابة هو ما يمارسه ديوان المراقبة حسبما يدعونه ما يجعله غير ذي جدوى إدارية أو مالية, كما هو واضح عبر تاريخ إنشاء الديوان حيث مازالت التجاوزات الحكومية حسب تقرير تم تسريبه تتفشى بين إدارتها وتنتشر عدواها بين فروعها المنتشرة. أما الرقابة الداخلية (الذاتية) التي تمارسها كل إدارة بنفسها فإنها تعتمد على مدى قدرة تلك الإدارة على متابعه مهامها وإنجازاتها المحددة والمتوقعة ضمن الإطار التنظيمي لها على مختلف مستوياتها التنظيمية. فعندما يتم ربط الرقابة الداخلية بالرقابة الخارجية فإنها تصبح عملية رقابية متكاملة لأن الرقابة الخارجية تتم ممارستها بواسطة أجهزة مستقلة ومتخصصة من خارج الإدارة، ما يمنحها حرية العمل لبُعدها عن أي تدخل في أعمال الأجهزة التنفيذية أو محاولة التأثير في اتجاهاتها. لذا تهدف
الرقابة العامة إلى حماية المصالح العامة من خلال مراقبة النشاطات وسير العمل وفق خطط وبرامج ذات أهداف محددة لاكتشاف الانحرافات والمخالفات وتحديد المسؤوليات الإدارية, ما يمكن السلطات المسؤولة من التدخل الفوري واتخاذ الإجراءات الضرورية لتصحيح الأخطاء ومعاقبة المخالفين حتى يتم تحقيق الأهداف المتوقعة. لذا تركز عملية الرقابة وبكل دقة على اكتشاف مواقع الخلل والأسباب التي أدت إلى تلك الانحرافات وكيف تم استغلال هؤلاء المسؤولين سلطاتهم فيما يتنافى مع المصلحة العامة. هكذا تستند عناصر الرقابة إلى تحديد الأهداف ووضع المعايير, مقارنة النتائج الحقيقية مع المتوقعة, قياس الانحرافات والتعرف على أسبابها ثم تصحيحها واستمرار متابعة تنفيذها بما يتفق مع تلك المعايير.وهذا يعني أن مراجعة الأداء وقياس النتائج ومقارنتها بما هو مخطط لها والتحقق من بلوغ الأهداف شرط تنفيذي لاكتمال عناصر عملية الرقابة. ولكي تصبح عملية الرقابة مفهومة وسهلة التطبيق على أرض الواقع فإنه لا بد أن تتناسب قدرة النظام الرقابي مع حجم ونوعية النشاط الذي يراد مراقبته حتى تتحقق الأهداف عند مستوى من الفاعلية وحسن الأداء والكفاية وتقليص عدد المخالفات إلى أدنى مستوى ممكن لها. من ذلك تظهر أهمية تحديد المعايير والمقاييس الرقابية الفاعلة المرتبطة بقدرات العاملين بها وتوافر المهارات العلمية والخبرات الميدانية التي تمكنهم من تحقيق أهداف تلك الرقابة في إطار تحديد المسؤوليات والواجبات من أجل استمرارية الرقابة وتحقيق النتائج المرجوة.
إن الرقابة الشاملة تقوم بتقييم العمل الأساسي والتدبير الاقتصادي والقانوني ومردودية عمل كل فصل من الفصول في إطار المراقبة الإنجازية والتفتيش المالي والشؤون النظامية الأخرى. وإنه مهما تعددت وسائل الرقابة من الموازنة التقديرية, الإحصائيات والرسوم البيانية, السجلات, الملاحظة الشخصية, التقارير الإدارية فإن الأهم تحقيق النتائج التي تقضي على جذور الفساد الإداري والمالي.
وإذا ما أردنا أن تكلل عملية الرقابة بالنجاح والقبول لدى معظم الموظفين فإنه لا بد من أن تتميز الرقابة بالعدالة والشفافية حتى لا تكون ردة الفعل عليها سلبية إلى حد كبير. لذا ينبغي أن تطبق الرقابة بشكلها العام وتركز على جميع النقاط ذات الأهمية والحساسية في جميع الإدارات دون أي تفرقه بين تلك الإدارات متبنية مبدأ عدم التمييز والانتقائية التي يراد بها الإضرار قبل الإصلاح. هكذا تصبح الموازنة بين المسؤوليات والصلاحيات موضوعا حاسما في تحقيق أهداف الرقابة, لا سيما أن مبدأ الحيادية والاستقلالية يلعب دورا مهما في تقبل الغير لمثل تلك الرقابة الشاملة.على أساس أن الممارسة المتقدمة للرقابة الشاملة تجمع بين الرقابة على النظم المالية والإنجازات في التدقيق والتأكد من مدى صحة تقرير الميزانية النهائية وخطة الميزانية لنظام الدوائر المحلية ضمن الميزانية العامة للدولة، وكذلك التدقيق في التدابير الاقتصادية للدوائر المحلية والرقابة على واجباتها في مجالات التعليم العام وسياسة التشغيل ومراقبة التصرف واستخدام المصادر المالية. وسوف أكمل الحديث في الجزء الثاني عن الفساد الإداري والمالي وكيف يتعامل معه ديوان المراقبة.

لا يوجد تعليقات

استدامة إيرادات الميزانية

الثلاثاء 25 ذو القعدة 1447هـ - 12 مايو 2026م المقال الرياص د. فهد محمد بن جمعة شهد عام 2026 واحدًا من أكثر الأعوام تعقيدًا في أسواق الطاقة ا...