11/17/2010

نعم لتخصيص البريد السعودي..ولا لتكليف المواطن

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4539  old  الموافق:2006-03-16

الاقتصادية

د. فهد محمد بن جمعة
تسعى الدولة السعودية دائما إلى تقديم أفضل الخدمات لأفراد مجتمعها وتحرص على تحقيق المزيد من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية لهم سواء كانت مباشرة من خلال مؤسساتها الحكومية أو غير مباشرة من خلال مجلس الحوار الوطني الذي يرصد الأولويات التي يحتاج إليها المجتمع ويرفعها إلى الجهات المعنية, ليتم بلورتها في قرارات تخدم المصلحة العامة. فكان تخصيص بعض الشركات التي تملكها الدولة وزيادة رواتب موظفيها بنسبه 15 في المائة شاهدا على صدق نوايا هذه الدولة التي تضع نصب عينيها أهمية خدمة المواطن التي لا تقيسها بتكلفتها المالية بل برضا المواطن عن مستوى من الحياة المعيشية تكفل له حياة كريمة. وهذا لا يعني أنه لا ينبغي على الدولة أن تبحث عن أفضل الطرق والوسائل لتخفيض تكاليف الخدمات التي تقدمها بشرط ألا تضعف نوعية هذه الخدمات أو تستثني أحدا من مواطنيها. وكما أن صانعي القرارات يصدقون في قانون (باريتو) بأن أفضل القرارات هي التي تضع أغلبية المجتمع في حالة اقتصادية أو اجتماعية أفضل مما كانوا عليها بينما لا تضع الأقلية في حالة أسوأ مما كانوا عليه, فإن قانونا مثل هذا تحاول الدول أن تستفيد منه في توزيع خدماتها بقصد العدالة الممكنة في ظل الموارد الاقتصادية المحدودة, والسعودية دائما تحاول أن تتوافق معه عند تقديم خدماتها في حدود إمكانياتها الاقتصادية التي يضيق عليها الخناق كلما زاد الطلب عليها مع تزايد معدل النمو السكاني المطرد كل عام.
إن تخصيص الخدمة البريدية لها مغزى اقتصادي واجتماعي وأهداف استراتيجية تهدف إلى رفع الكفاءة والفعالية لتلك الخدمة, وهذا ما يدعونا إلى أن نتساءل ما التخصيص الأفضل الذي سيحوز على رضا المواطنين واقتناعهم بأنه سيرفع من جوده تلك الخدمة؟ وهل يكون التخصيص كاملا تتولى أمره شركة خاصة وتتقاضى أسعارا معينة على كل خدمة تقدمها؟ أم يكون التخصيص بتعاقد مع شركات توفر تلك الخدمات وتقوم الدولة بتمويلها من أجل تقليص تكاليفها وتحسين أدائها؟. ولكن قبل الإجابة عن تلك الأسئلة لا بد أن أنوه بما يقوم به الدكتور محمد بنتن رئيس مؤسسة البريد السعودي من تحديث لنظام البريد الحالي واستغلال التقنية الحديثة التي سترفع من مستوى الخدمة وتسهل من متابعتها وسرعة وصولها من المرسل إلى المستلم بكل دقة ممكنة واحترافية وهذا شيئا نفتخر به جميعا. فقد حضرت محاضرة ألقاها الدكتور محمد بنتن في مقر "الاقتصادية" في 20/2/2006, استعرض فيها هيكلة البريد وتخصيص مرافقه إلى أقسام مستقلة ولكنها مترابطة يتم إدارتها بواسطة شركات القطاع الخاص وتخضع لمراقبة الإدارة العامة للبريد, ونظام التقسيم والترقيم التنازلي من المنطقة إلى المربع البريدي مستخدما التقنية المتطورة من (ستل لايت) لإنجازات ومتابعة العمليات البريدية بكل دقة وسرعة ممكنة. وطبقا لهذا النظام الرقمي الجديد فقد تم وضع صندوق بريدي على كل بوابة منزل وما زالت العملية مستمرة لتكون هناك تغطية متكاملة لجميع مدن وأحياء المملكة, مع أن هناك مأخذا على ذلك النظام الذي من المفروض أن يتم عن طريق الأمانة العامة للبلديات لأنها المسؤولة عن ترقيم المنازل وإذا ما كان هناك تقصير ناتج عن سوء التخطيط فمن خلال التنسيق بين إدارة البريد والأمانة يمكن الوصول إلى رقم موحد بدلا من أن يكون لكل إدارة رقم خاص بها. ما يدل على ضعف التنسيق بين تلك الإدارات الحكومية ويؤدي إلى ازدواجية التكاليف التي تصرف من الميزانية العامة.
فرغم أن التقنية المتقدمة أصبحت ضرورة ورافدا من روافد هذا العصر وتؤدي إلى تحسين مستوى الخدمات وتقليص تكاليفها في الأجل الطويل إلا أن إدارة البريد تريد أن تحمل كل مواطن يرغب في استخدام تلك الصناديق تكاليف تأسيسية وسنوية قدرها 300 ريال مبررة ذلك بأنه لا بد من تطوير الخدمات البريدية لمواكبة تغيرات العصر مع ظهور بوادر الحكومة إلكترونية. ولكن هذا التطور قد جاء متأخرا بعد أن انتشر استعمال الإنترنت والرسائل القصيرة التي لا يستغرق إرسالها إلا بعض الثواني من الوقت ما يبقي أصحاب الدخل المحدود ومن هم أقل تعليما المستخدم الأكبر للرسائل البريدية فلن يقبلوا تحمل مثل تلك التكاليف. وهذا لا يدع مجالا للاستغراب عندما ذكره رئيس البريد السعودي أن متوسط عدد الرسائل للفرد السعودي عشر رسائل سنويا, وهذا لا شك أنه معدل متدنٍ للغاية عندما يتم مقارنته بمعدل الرسائل في الولايات الأمريكية الذي بلغ 650 رسالة للفرد الأمريكي طبقا للبريد الموحد الأمريكي. إذاً ما الحاجة إلى تلك الصناديق البريدية إذا لم يرتفع معدل الرسائل في ظل الظروف الراهنة حتى لا تصبح شبه مهجورة وأنا لا ألغي أهميتها؟ فإنه يمكن زيادة معدل الرسائل التي ستصل أو تغادر صندوق بريدك في حالة تفعيل الحكومة إلكترونية وتوزيع فواتير الخدمات من خلال تلك الصناديق التي سيكون توافرها شرطا أساسيا لحصولك على تلك الخدمات, وكذلك من خلال زيادة معدل الرسائل والدعاية التجارية في ظل الانفتاح التجاري العالمي. إن الأمر المهم الذي يحدد مدى نجاح استراتيجية البريد الجديدة من عدمها هو مدى تقبل المواطن لها, لأنه من المتوقع ألا يشارك معظمهم في تلك الصناديق حيث إن الفئة القادرة على دفع تلك التكاليف ليس من عادتها أن تتعامل مع الرسائل البريدية في معاملاتها الشخصية, بعد أن توافرت لهم الوسائل الأخرى وبصوت وصورة ووسائل البريد السريعة ذات السمعة المعروفة. وهذا سيعرض البريد إلى خسارة كبيرة, أولا تكلفة تلك الصناديق غير المستغلة, وثانيا تكلفة تلك التقنية المتطورة التي قد تكون تكلفتها أعلى من مستوى الخدمة. ليس هذا فقط, بل قد يضع إدارة البريد في موقف لا تحسد عليه عندما يتم تفعيل الحكومة الإلكترونية وتتعاقد شركات الخدمات مع البريد السعودي على توصيل خدماتها إلى زبائنها دون أن يشترك هؤلاء المواطنون في تلك الصناديق. وأنا أتفهم لماذا البريد السعودي فرض أسعارا ثابتة لتخوفه من عدم تغطية تكاليفه الثابتة والتشغيلية خلال الفترة الاستثمارية للمشروع, ولكن المشكلة أن تلك الأسعار لن تكون مقبولة اجتماعيا وفي النهاية نعود إلى نقطة البداية.
لذا اقترح على إدارة البريد السعودي أن يكون التخصيص بالتعاقد مع بعض الشركات الخاصة وتقديم خدمة تلك الصناديق إلى أصحاب المساكن الخاصة مجانيا, على أن يتم تمويل تلك الخدمات من خلال زيادة أسعار الطوابع المحلية والدولية وتأجير الصناديق لأصحاب المساكن والأنشطة التجارية وتوسع في استثمارها من خلال تنويع أحجام الصناديق وتوفير خدمات أخرى توفر المبالغ اللازمة لتشغيل عمليات البريد بشكل مقبول.

لا يوجد تعليقات


التأمين الصحي إلى أين؟

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4546  old  الموافق:2006-03-23

التأمين الصحي إلى أين؟

د. فهد محمد بن جمعة
تسعى الدولة السعودية دائما إلى تعزيز القطاع الصحي، بل إنها تعتبره من أهم القطاعات التي لا بد أن يتميز بكل شفافية وعناية من أجل خدمة جميع المواطنين في مدن المملكة وقراها المتناثرة, مهما كانت تكلفته المالية لأن خدمة المواطنين في هذا القطاع لا تقاس بالمبالغ المالية وإنما بمعدل تحسن الخدمات الصحية من خلال الحماية والعلاج اللذين تقدمهما الدولة لهم. فقد بلغت ميزانية القطاع الصحي والخدمات الاجتماعية لهذا العام 31 مليار ريال, شملت مشاريع صحية جديدة لإنشاء وتجهيز 440 مركزاً للرعاية الصحية الأولية بجميع مناطق المملكة، وإنشاء 24 مستشفىً تبلغ سعتها 3800 سرير، إضافة إلى استكمال تأثيث وتجهيز بعض المستشفيات المنشأة حديثاً، وتوسعة وتحسين وتطوير وترميم بعض المنشآت والمرافق الصحية القائمة، وتبلغ التكاليف التقديرية لتنفيذ تلك المشاريع نحو 4.3 مليار ريال. كما أنه يجري حالياً تنفيذ 89 مستشفى في جميع مناطق المملكة بطاقة سريرية تبلغ نحو 10650 سريرا، وسترتفع نتيجة لذلك الطاقة السريرية للمستشفيات الحكومية التابعة لوزارة الصحة بعد الانتهاء من تنفيذ هذه المشاريع بنسبة 29 في المائة.
حيث بلغت نسبة الزيادة في ميزانية هذا العام 14.4 % مقارنة بعام 2005. إن هذه الزيادة في ميزانية القطاع الصحي تشكل زيادة في معدل الطلب على الخدمات الصحية مع زيادة معدل النمو السكاني المطرد, ما يجعلنا نتساءل إذا ما كان هذا الإنفاق الحكومي على المستشفيات التابعة لوزارة الصحة وتوسعتها مع تنامي الطلب عليها هو الاختيار الأفضل لتغطية حاجات جميع المحتاجين إلى تلك الخدمات وتقديم أفضل الخدمات كميا ونوعيا؟ أو هل رفع خدمات المستشفيات الحكومية الرئيسية في كل مدينة، وتوفير المراكز الصحية في المناطق النائية مع توفير التأمين الصحي لبعض المواطنين بدلا من التوسع السنوي؟ إن الاختيار الأول هو الاختيار المعمول به حاليا، ونلاحظ أن جودة الخدمات ما زالت متردية، وأن انتظار المريض في غرفة الاستقبال يستغرق ساعات قبل أن يتلقى العلاج ما يوحي أن هناك نقصا في عدد الأطباء والموارد المالية وارتفاعا في تكاليف العلاج لعدم فعالية إدارات تلك المستشفيات وتمكنها من تحسين أدائها وخفض تكاليفها وتوفير الخدمة لكل مواطن يحتاج إليها, إذاً لا بد أن ندرس الخيار الثاني الذي يخلط بين التركيز على المستشفيات الرئيسية وتحسين خدماتها وتقليص تكاليف وزارة الصحة الإجمالية من خلال توفير التأمين الصحي لبعض المراجعين تمهيدا لتعميمه بشكل كامل على عامة المواطنين الذين لا يشملهم التأمين الصحي في القطاع الخاص فيما بعد.
إنه باستطاعتنا تقييم تكاليف الاختيار الثاني تحت قيد التأمين الصحي لجميع المواطنين السعوديين المدنيين مقارنة بحجم ميزانية وزارة الصحة لعام 2006, وهذا التقييم تقريبي وباجتهاد من الكاتب، ولكنه يعطينا فكرة عامة أن الحكومة تستطيع تخفيض تكاليفها الآن ومستقبلا في ظل تزايد عدد العائلات وأفرادها، وذلك باعتماد الخيار المطروح. فقد أكدت النتائج الأولية لمصلحة الإحصاءات العامة لتعداد السكان والمساكن في 15/12/2004م أن عدد المواطنين السعوديين قد بلغ 16.529.302 نسمة (72.9 في المائة) من العدد الإجمالي للسكان. وبلغ عدد المساكن في المملكة يوم التعداد 3.990.559 مسكن. وإذا ما حاولنا أن نحصل على عدد المساكن التي يسكنها السعوديون فقط, فإننا نستطيع تعديل إجمالي المساكن بنسبة عدد إسكان السعوديين من إجمالي السكان ووزنه بمتوسط حجم العائلة السعودية وليكن سبعة أفراد لكل عائلة فإن العدد سوف يكون  2.9مليون مسكن تقريبا. وإذا ما استبعدنا عدد المساكن العسكرية فإن الرقم سوف ينخفض إلى 2.036.383 مسكن. وإذا ما استعملنا هذا الرقم ليمثل عدد العائلات السعودية surrogate variable التي تحتاج إلى تأمين صحي، على سبيل المثال, علما أن بعض تلك العائلات يوفر لها القطاع الخاص تأمينا، فالمتوقع أن يكون إجمالي تكاليف التأمين الصحي على تلك العائلات 18.4 مليار ريال تقريبا، وهذا التقييم اجتهاد من الكاتب لعدم توفر الإحصائيات المطلوبة.
ولكي يكون اختيار التأمين الصحي مبررا فعلينا أن نقيم تكاليف الزيارات إلى المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة عند متوسط السعر السائد في المستشفيات الخاصة لكل زيارة ومتوسط تكلفة الدواء للأمراض العادية, حيث بلغ عدد زيارات مراجعي المراكز الصحية في وزارة الصحة التي يبلغ عددها الآن 1848 مركزا صحيا، حسب الأمراض الشائعة 80 مليون مراجع خلال عام 1425هـ، حيث ارتفع عدد المراجعين من 51.3 مليون مراجع خلال عام 1420/1421هـ إلى نحو 80 مليون مراجع خلال عام 1424/1425هـ، أي بمعدل زيادة بلغت نسبتها 56 في المائة ("الاقتصادية" - 08/02/1427هـ), وبما أن متوسط تكلفة كل زيارة إلى المستشفيات الخاصة يبلغ 100، وإذا ما فرضنا أن معدل صرف الأدوية هو 100 ريال، فإن إجمالي متوسط تكاليف الزيارات يكون 16 مليار ريال، وهذا مبلغ لا يستهان به مع تزايد ارتفاع معدل الأمراض والسكان, وهذا لا يشمل تكاليف العمليات وعلاج الأمراض المزمنة والتمريض، التي في العادة تكاليفها أعلى بكثير من تكاليف الزيارات العلاجية فقط. ففي هذه الحالة ما علينا إلا مقارنة إجمالي متوسط تكاليف العلاج 200 ريال مع ميزانية وزارة الصحة الحالية لنحصل على فرق قدره 15 مليار ريال مازال في حصيلة الوزارة، فهل تستطيع وزارة الصحة أن تعطينا عدد العائلات السعودية التي يمكن التأمين عليها وتكلفة التأمين على كل عائلة حسب عدد أفرادها، حيث إن التأمين على العائلة التي يبلغ عدد أفرادها خمسة أفراد يكلف تسعة آلاف ريال سنويا، حسب ما وفرته بعض شركات التأمين الصحية لنا؟ وهل مبلغ 18.4 مليار ريال يكفي لتأمين على جميع العائلات السعودية؟ وإذا كانت الإجابة لا فما هو المبلغ المتوقع مع حساب معدل نمو الطلب و تكاليف التأمين لـ 10 سنوات القادمة؟ إن الإجابة عن تلك الأسئلة تجعل المواطن يعرف ما هو الاختيار الأفضل من عدمه، على أن هذا الاختيار يستحق أن يخضع لتحليل التكاليف والمنافع إما لإقراره وإما لرفضه.
نتمنى أن نرى تجاوبا من وزارة الصحة حيث سبق أن كتبت عدة مقالات منذ عام 1999م في "الاقتصادية" تتحدث عن تخصيص المستشفيات العامة والتأمين الصحي، وإلى هذه اللحظة لم نر أي بوادر أو تقدم في ذلك الاتجاه.

لا يوجد تعليقات

كيف تكون مليارديرا في سوق الأسهم السعودية؟

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4581  old  الموافق:2006-04-27

الاقتصادية

د. فهد محمد بن جمعة


يبدو أن المساهمين السعوديين في سوق الأسهم لم يقرؤوا حتى الآن الأفكار والوسائل والاستراتيجيات التي يتبعها المليارديرات والمستثمرون المشهورون في سوق الأسهم العالمية الذين من أنجحهم المستثمر الملياردير وارن بافت WARREN BUFFETT الذي يستخدم استراتيجية الثراء والامتلاك عندما يرغب في شراء أسهم الشركات, وكيف يتم اختياره لتلك الشركات وكيف يتعامل مع العوامل المؤثرة في سوق الأسهم سواء كانت داخلية أو خارجية, عسى أن يجدوا ضالتهم ليس في المضاربة اليومية التي لن تجعلهم أغنياء في معظم الحالات عندما تتحول الأرباح السريعة إلى مخاطرة سريعة. وإذا ما كنا نصدق حرية سوق الأسهم السعودية دون أي تدخل حكومي طبقا لمبدأ حرية فإن دخول المساهمين وخروجهم في أي لحظة من الوقت أمر مسلم به, والذي قد يعني أن يشترى مستثمر ما مليون سهم عند افتتاح السوق ويبيعها بعد دقائق من الافتتاح, فله تلك الحرية في إطار النظام القانوني واستراتيجيته التي وضعها لنفسه من أجل تعظيم ربحية واختيار الوقت المناسب للشراء والبيع حتى يقلص من مخاطره. لذا فإن مسؤولية المستثمر في سوق الأسهم تقع على عاتقه عندما يخسر أو يهتز جسده كلما تذبذبت الأسعار نتيجة العوامل الداخلية أو الخارجية, وإن عدم فهم ذلك المستثمر لسوق الأسهم والإقدام على عملية المضاربة دون معرفة متكاملة ومسبقة عن الشركات التي يستثمر فيها خطأ شائع وجسيم يتحمله أيضا هو بنفسه, أما إذا كان الخطأ قانونيا أو تنظيميا فتتحمله هيئة سوق المال لأنه من واجبها تنظيم السوق وحماية القواعد الأساسية التي يرتكز عليها ضمن التنظيمات المتبعة في البورصات العالمية فلسنا بأفضل منهم مهما حاولنا ولا يمنع ذلك من تقديم ما هو أفضل إذا ما استطعنا. وعلى هؤلاء المستثمرين أن يتجاوزوا نظرية رفاهية الأسهم وذلك أن الدولة سوف تكون طرفا وعاملا أساسيا تضمن لهم الربحية المتواصلة فإن ذلك ليس من واجبات الدولة تقديم الضمانات وإنما من واجباتها حماية المستثمر قانونيا ونظاميا ووضع السياسات المالية التي تعزز من قدرات سوق الأسهم. وبما أننا قلنا هذا فدعونا نحلل المظاهر العامة لسوق الأسهم السعودية وكيف نتعامل معها وما هي أفضل الطرق والوسائل التي يمكن للمستثمر أن يستفيد منها لاقتناص أفضل الفرص المتاحة من أجل تعظيم دخله في الأجل القصير والطويل. وعلى ذلك فإن الاقتصاد السعودي ما زال في حالة من النمو المستمر الذي تغذيه أسعار النفط حيث إنها تجاوزت حاجز الـ 50 دولارا للبرميل إلى ما فوق 70 دولارا للبرميل في هذه الأيام, وأنه من المتوقع طبقا لمنظمة الطاقة الدولية والكثير من المحللين أن تبقى تلك الأسعار فيما فوق 55 دولارا للبرميل وسوف تستمر في ارتفاعها خلال الـ 20 عاما المقبلة مدعومة بارتفاع الطلب العالمي على تلك السلعة غير المتجددة, ما انعكست آثاره الإيجابية على تحقيق فائض في الميزانية العامة تجاوز حجمها تقريبا في العام الماضي وأنه من المتوقع أن يتجاوز الفائض أيضا هذا العام حجم الميزانية الحالية. إذا المشكلة ليست في الاقتصاد نفسه,  ولا بد أن نبحث عن الأسباب التي أدت إلى زلزلة السوق من تحت أقدام المساهمين وأن نكون أكثر موضوعية بعيدا عن العاطفة وردة فعل الخسارة حتى نربح في المستقبل ولا نكرر الكرة مرة ثانية. إن الخلل يكمن في تركيبة سوق الأسهم السعودية حيث ينقسم المستثمرون في هذه السوق إلى نوعين, هما أصحاب رؤوس الأموال المرتفعة (الكبار) الذين يطبقون نظرية (إذا لم تربح الآن فحاول أن تربح الخسارة بمرة ونصف حتى ولو في الأجل الطويل) وأصحاب الأموال المنخفضة (الصغار) الذين يطبقون نظرية (اربح الآن وبسرعة لتصبح مليونيرا في أسرع فرصة ممكنة), فالكبار يدرسون الشركات ولديهم مستشارون متخصصون يحللون كيف يتم تحقيق أكبر عائد ممكن عند معدل خطر منخفض ودائما يجدون متنفسا لهم من خلال استثماراتهم في الأجل الأجل الطويل (عشر سنوات تقريبا) بينما الصغار على نقيض ذلك فعائدهم الاستثماري متدن وعند معدلات خطر مرتفعة, فنلاحظهم يوما بيوم يبيعون ويشترون بسرعة كلما تذبذبت الأسعار فهم دائما يخسرون في الأجل القصير, ناهيك عن العمولات التي يدفعونها مقابل تداولهم في هذه السوق. كما أن المستثمرين الكبار (ونستطيع تسميتهم أيضا المستقرين) يتكيفون مع تقلبات السوق ودائما يبحثون عن أعلى قيمة ربحية وأفضل قيمة شرائية حتى ولو طالت الفترة بينما الصغار (ونستطيع تسميتهم أيضا المتقلبين) لا يستطيعون الصبر فهم في حاجة إلى النقدية فترى صبرهم ينفد بمجرد انخفاض الأسعار فلا يترددون أن يبيعوا ما لديهم من أسهم وهذا هو لب المشكلة والخسارة المؤلمة. والسبب الآخر تركيز المستثمر على البيع والشراء اليومي رغم التذبذبات الحادة ما يعرضهم إلى خسارة كبيرة لا يستطيعون تعويضها في ظل سوق حديثة وقرارات هيئة متغيرة وشائعات مغرضة تعكس عدم جاهزية ذلك السوق وعدم كفاءته وعدم توافر البيئة الاستثمارية الملاءمة. ففي طبيعة سوقية مثل هذه تمثله العديد من الشركات غير الجيدة إداريا وتنظيميا وربحيا نتوقع كل شيء إذا لم يكن لدى المستثمر الوعي الكافي ويعيش في جهل وغياب المعلومات فإنه لن يتخذ القرار السليم عند شراء أسهم تلك الشركات. والظاهرة الأخرى السيئة التي سهلت لها هيئة سوق المال طرح أسهم الشركات العائلية غير المتماسكة والمحفوفة بالمخاطر والمصابة بالعامل النفسي العائلي ولا نستطيع من تاريخها أن نتكهن بمستقبلها في ظل المنافسة العالمية وبعد انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية, ولا يمكن الاعتماد على قوائمها المالية التي قد تطبق معايير محاسبية لا يمكن التأكد منها وتنبؤ بمستقبلها ما قد يعرض المستثمرين لخسارة شبه متوقعة, فعندما يطرح جزء بسيط (30 في المائة من رأسمال الشركة) من تلك الشركات للاكتتاب العام مقابل علاوات مرتفعة تتجاوز رأسمالها بعدة مرات فإنه لا بد أن نتوقف قليلا ونفكر في ذلك فلو كانت تلك الشركات جيدة فإنها لن تطلب علاوات مرتفعة ترهق عاتق المستثمر الصغير وإنما يكفيها ارتفاع مكررات ربحيتها التي من خلاله تستطيع تعزيز مراكزها المالية وزيادة تدفقاتها النقدية ثم توسيع استثماراتها. إن سماح بمثل تلك العلاوات من قبل الهيئة يؤدي إلى خلق سوق أسهم رديئة, ودليل قاطع على أن فيها استغلال للمستثمر كما أنه يشجع الشركات العائلية الأخرى بالانخراط في السوق مطالبة بعلاوات مرتفعة مثل غيرها. إن ذلك يعتبر نقلا متعمدا لكل ما تعانيه تلك الشركات أو ما تواجه من شكوك محتملة في المستقبل إلى المستثمرين الصغار لأن الكبار هم أذكى من ذلك ويعرفون تلك الشركات جيدا فهم في الوقت نفسه رجال أعمال ولديهم شركات مماثلة.
إذا ما هو المخرج من تلك الأزمة السوقية وكيف يصبح الصغار في مستوى تفكير الكبار على الأقل حتى لو لم تتساوى القدرات المالية؟ للإجابة على هذا السؤال الذي يحدد مستقبل كل مستثمر في سوق الأسهم السعودية سوف أتطرق في حلقة الخميس المقبل إلى بعض العوامل والأسس والاستراتيجيات التي لا بد من توافرها في المستثمر الناجح مقتديا ببعض السلوكيات الاستثمارية التي تبناها أشهر مستثمر في سوق الأسهم مثل بافت عسى أن نستفيد شيئا منها ينقذ المستثمرين من المأزق الذي وقعوا فيه.

لا يوجد تعليقات


شراء الشركات لأسهمها يرفع من قيمتها


العدد:4651  old  الموافق:2006-07-06

استدامة إيرادات الميزانية

الثلاثاء 25 ذو القعدة 1447هـ - 12 مايو 2026م المقال الرياص د. فهد محمد بن جمعة شهد عام 2026 واحدًا من أكثر الأعوام تعقيدًا في أسواق الطاقة ا...