11/17/2010

التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لاختناق شوارع الرياض (3 من 3)


صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4434  old  الموافق:2005-12-01

التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لاختناق شوارع الرياض (3 من 3)

د. فهد محمد بن جمعة
كما اعتقد آدم سمث الاقتصادي الكلاسيكي أن تدخل الحكومة في الاقتصاد في حدود ضيقة ويقتصر على بعض الخدمات العامة المهمة ومنها بناء الطرق وصيانتها, فإن تطورات العصر الحديث استطاعت أن ترغم مرتادي الطرق السريعة أن يدفعوا رسوما مقابل استعمالهم هذه الطرق. فهل يعتقد شخص ما أن خدمة الطرق تترك لعمليات السوق مثل أي خدمة عامة أخرى؟ لقد سهلت الثورة التقنية والأقمار الصناعية والكمبيوتر عملية تحصيل رسوم الطرق ونقلتها من غرف التحصيل اليدوية وزحمتها إلى استخدام الأقمار الصناعية التي تستطيع أن تميز بين أنواع السيارات وأوقات الرحلات في أي ساعة من اليوم, لقد تحقق حلم الاقتصاديين ومهندسي الطرق, فإنهم الآن يستطيعون تطبيق سعر التكلفة الحدية للمجتمع MSC الذي كان في الماضي مصطلحا أكاديميا ونظريا بعد إن توافرت الأدوات التقنية لتحويل تلك النظرية إلى واقعية. فمهما ادعى البعض الآخر أن فرض رسوم على الطرق الرئيسية في السعودية لا مكان له حيث لا توجد اختيارات نقل عامة أخرى مثل الحافلات والقطارات في الوقت الحاضر وبشكل منظم ومتكرر فإن فرض ضرائب على الطرق الرئيسية يضيق الخناق على حرية تنقل المسافر من منزله إلى عمله أو أي جهة يقصدها, بينما الواقع الحالي لمدننا يشير إلى أن مدننا تغص بالاختناقات المرورية التي تثير غضب الكثير من المسافرين إلى درجة أن هؤلاء المسافرين لا يعترضون على دفع رسوم مقابل فك ذلك الازدحام ووصولهم إلى الجهات التي يرغبون فيها في أقصر مدة زمنية ممكنة, وهذه الرسوم تمهد الطريق لتوفير شبكة جيدة من الحافلات والقطارات عندما يغير المواطن السعودي من نمط رحلاته بعيدا عن قيادة سيارته الخاصة ويزيد الطلب على تلك المواصلات لأنه في الوقت الحالي حتى لو توافرت تلك الحافلات فإن السعودي سوف يحجم عنها وهذا واضح عندما تشاهد بعض الحافلات المتوافرة في شوارعنا ولا يركبها السعودي, ناهيك عن مدننا أصبحت مدنا أجواؤها ملوثة الآن فما بالك بعد 20 عاما من الآن مع زيادة عدد الرحلات وحركة الأعمال إلى درجة أن هذا التلوث أصبح يهدد حياة المواطن الصحية, وقد ظهرت بعض المؤشرات التي تؤكد ذلك في مجتمعنا. إذاً المصلحة العامة هي الأهم والتخطيط للمستقبل هو الأصلح وتبني فرض رسوم على الطرق السريعة ومواقف السيارات داخل المدن نقلة حضارية تجسد مدى الوعي الذي قد وصل إليه مجتمعنا والمستوى التفكيري والتخطيطي المدرك للأضرار الجانبية لحياة المدن.
إن معظم البلدان التي لا يوجد لديها ضرائب طرق هي التي لا يتعدى طول طرقها الرئيسية أكثر من 5 في المائة من إجمالي شبكة طرقها, وهذا لا ينطبق على شبكة الطرق السعودية الطويلة والكثيفة والمتشابكة التي في بعض الأحيان تسلك جبالا وأراضي وعرة ورملية تزيد من تكاليف بنائها وتشغيلها وصيانتها, فإن لدى الحكومة السعودية عدة اختيارات لتطبيق رسوم على الطرق الرئيسية ومواقف السيارات كما هو حاصل في الكثير من دوال العالم من حولنا. فبعض البلدان تفرض ضرائب على الطرق بواسطة القطاع الخاص لأنها عادة مشتغلة في بناء الطرق وتشغيلها كما يلاحظ ذلك في دول جنوب أمريكا, حيث تسند مهمة الطرق إلى الشركات الخاصة بينما نرى العكس في الولايات المتحدة, اليابان, وفرنسا التي تملك حكوماتها شبكة طرقها العامة وتقوم بتشغيلها, ورغم أن فرض ضرائب الطرق لها آثار اجتماعية إيجابية منها تقليص عدد الرحلات غير الضرورية وتحد من مستوى تلوث البيئية ولكن وفي الوقت نفسه لها آثار سلبية فقد تحرم ذوي الدخل المحدود من استعمال تلك الطرق وأيضا تتسبب في تحول أصحاب السيارات إلى استعمال الطرق التي تتخلل الأحياء ما قد يزعج سكانها وينتج عنه أضرار بيئية أكبر مما تقدمه تلك الضرائب من منافع, ولكن هذا لا يلغي أهمية تلك الضرائب عند مقارنة منافعها الاجتماعية مع ما قد يخسره الفرد نتيجة تلك الضرائب التي تحمي المجتمع من تحمل التكاليف الناتجة من الرحلات المتكررة وغير الضرورية في الطرق السريعة عندما لا يدفع المسافر جزءا من تلك التكاليف التي تتصاعد مع زيادة عدد الرحلات المتكررة خلال اليوم وزيادة استهلاك تلك الطرق وارتفاع تكاليف تشغيلها وصيانتها. إنه لا بد للحكومة أن تتدخل في ذلك الفشل السوقي وتخفض الطلب على الطرق السريعة الذي زاد على طاقتها الاستيعابية, فقد أوضحت بعض الدراسات أن معدل الضريبة على السيارة في معظم البلدان يراوح ما بين 0.03 إلى 0.08 من الدولار لكل كيلومتر تقطعه تلك السيارة وهذا يعطينا فكرة عن كيفيه تطبيق رسوم الطرق بناء على عدد الكيلو مترات مع الأخذ في الاعتبار اختلاف البلدان ومستوى المعيشة فيها وحجم الازدحام المروري في طرقها. وإذا ما قيمنا تكلفة الوقت الذي يضيعه المسافر في تلك الطرق فإنه قد تتراوح ما بين خمسة إلى عشرة ريالات لكل رحلة وإذا ما تم إحصاء عدد الرحلات اليومية فإننا نستطيع تقييم تكاليف الازدحام المروري الذي يقدر بمليارات الريالات سنويا.
إن الحكومة تستطيع أن تختار النظام المفتوح لتحصيل الضريبة حيث لا توجد مراكز على مداخل الطرق أو مخارجها بل توجد مراكز تحصيل على طول الطريق ولا يأخذ ذلك في الحسبان مسافة الرحلة وهذا يحدث في المناطق المدنية ذات الحركة المرورية الكثيفة ولكن العائد من هذا النظام أقل من النظام المغلق الذي يراقب المداخل وتحصل ضريبة عند المخارج على كل مسافر بناء على المسافة التي قطعها ولكن هذا النظام تكلفته مرتفعة ويتطلب بنية تحتية ومزيدا من العمالة, أو أن تستعمل ضريبة الظل Shadow Tolls مثلما هو معمول به في بريطانيا, فنلندا, وآيرلندا حيث لا يدفع المسافرين أي ضريبة ولكن الحكومة نفسها تدفع ضريبة لمشغل الطرق من القطاع الخاص لعدد من السنوات, على أن تشغيل الطرق بواسطة الشركات الخاصة يزيد من فعالية الخدمات وهذا يتطلب فقط اتفاق الحكومة مع المشغل على معدل ضريبي على كل سيارة حسب نوعها وعدد السيارات في تلك الطرق ولكن هذا النظام مكلف للغاية, ويتم تحصيل ضرائب الطرق في العالم عادة من خلال ثلاث طرق إما يدويا أو مختلطا يدويا وتقنيا أو تقنيا فقط ولكل منها إيجابيات وسلبيات ويبقى نظام الأقمار الصناعية هو الأفضل والذي تتجه معظم البلدان إلى تطبيقه بشكل أوسع.

لا يوجد تعليقات

التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لاختناق شوارع الرياض (2 من 3)

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4427  old  الموافق:2005-11-24

التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لاختناق شوارع الرياض (2 من 3)

د. فهد محمد بن جمعة
كل مجتمع يوظف ميكانيكية الاختيارات العامة والخاصة توظيفا أمثل من أجل تحقيق المزيد من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيه. وهذا يحدده فعالية القرارات الحكومية التي تتوقف على قدرتها على وضع الحلول المناسبة للقضايا المتنوعة والمعقدة في المدى القريب والبعيد وتقليص الأضرار الجانبية للحياة المدنية. فإن اختيارات القطاع الخاص يتم تنفيذها من خلال ميكانيكية السوق التي لا بد للحكومة الذكية والحريصة على أفضل الاختيارات العامة أن تتفهم ميكانيكية تلك السوق والمشاكل التي تؤدي إلى فشلها حتى يتسنى لها من وضع الحلول التي تراها مناسبة وفي الوقت الملائم. وعلى ذلك لا تقتصر الحاجة للحكومة على تطبيق القوانين وحماية الأمن القومي وحقوق الفرد والملكية فقط, بل لا بد أن تتدخل عند الحاجة إلى تصحيح فشل السوق وما ينتج عنه من أضرار جانبية Externalities مثل ما هو حاصل في سوق الخدمات العامة من عدم فعالية الطرق السريعة وما تسببه من اختناقات مرورية وتلوث للبيئة ما يقلص من رفاهية المجتمع ككل. فإنه ليس من المتوقع أن تجد الاختناقات المرورية حلا لها من خلال عمليات السوق دون وجود تسعيرة تضيق من الفجوة الواسعة بين التكاليف والأسعار المجانية حتى يتم تصحيح فشل ميكانيكية الطلب على الطرق السريعة من قبل المسافرين مع ما هو موجود من عرض الطرق السريعة. إن فرض ضريبة على الطرق السريعة يمكن الأفراد المنتفعين من تلك الخدمات العامة رغم ما ينتج عنها من أضرار سلبية من حصولهم على أكبر منفعة منها من خلال تشجيعهم على استعمالها مقابل تلك الضريبة ومنحهم حرية الاختيار في استعمالها قليلا أو كثيرا إذا ما أرادوا الحصول على أقصى منفعة ممكنة. فعندما تكون الطاقة الاستيعابية للطريق السريع كبيرة, حيث لا يتسبب استعمال سائق ما للطريق نفسه في رفع تكلفة السائق الآخر Nonrivalry, فإننا نستطيع أن نقول إن ذلك الطريق يعمل بكل فعالية ولا يحتاج إلى تسعيرة تقلص من الأضرار الخارجية. فقد تعتقد الحكومة أن عدم التدخل في فشل سوق الخدمات العامة هو الاختيار الأفضل مع احتمالية أنه سوف تصحح السوق نفسها لكن هذا لا يحصل عندما تكون أسعار الطرق السريعة مجانية يتحمل المجتمع تكاليف أضرارها الخارجية ما يستدعي أن تصدر الحكومة قرارا يحدد أسعار الطرق السريعة التي قد تزيد أو تنقص حسب طول الطريق وأوقات الذروة للحد من تكاليف المجتمع والأضرار التي تنتج من زيادة عدد الرحلات في تلك الطرق دفعة واحدة وفي وقت واحد. إن حساسية الطلب على الطرق السريعة لا بد من اختبارها وتقييم تلك الشبكة من الطرق اقتصاديا وتحديد معدل الرحلات بكل دقة وهذا ليس من السهل لتشابك الطرق وتنوعها. وإذا ما أخذنا في الاعتبار توصيات البنك الدولي من خلال تجربة المكسيك, فإنه لا بد من التنبؤ بحجم المكاسب التي سوف تعود من أي طريق في شبكة الطرق الموجودة وتقييم الدخل الذي سوف يترتب على فرض أقصى ضريبة ممكنة على تلك الطرق "صافي تكاليف الدخل" وحصول الحكومة على عائد اقتصادي يحقق أهدافها ويكون مصدر تمويل فاعل للصيانة وبناء الطرق. وبناء على ذلك فإن طول الفترة الزمنية لفرض الضريبة يرتبط بطول المدة اللازمة لتغطية تكاليف بناء طريق ما وعند ذلك يتم إلغاؤها Toll Free مثل ما قامت به الحكومة اليابانية بإعفاء 61 طريقا من الضرائب بعد تغطية تكاليفها أو قد تطول تلك الفترة إذا ما كان الهدف تقليص الازدحام المروري في الطرق الرئيسية. أما إذا ما أرادت الحكومة تغطية تكاليف تشغيل الطرق وصيانتها فإنها تفرض ضريبة متواضعة ويستمر تحصيلها بصفة مستمرة. فلا شك أن الضريبة تتنوع طبقا للوقت وطول الطرق وعدد الشاحنات لتصبح بمثابة تكلفة تصليح الطرق التي تتآكل مع تكرار رحلات تلك الشاحنات. ولذا فإنه من الممكن سرد بعض أنوع الضرائب كل حسب حالته:
- الفترة الزمنية من اليوم من الذروة إلى ما دون ذلك من أجل تقليص حجم الازدحام المروري Congestion في الطرق الرئيسية وقد تم اختبار ذلك في فرنسا ولوحظ أن الازدحام قد انخفض بنسبة 10 في المائة عندما يتم زيادة الضريبة بنسبة 50 في المائة في أوقات الازدحام.
ـ اختلاف تكاليف بناء الطرق من منطقة إلى منطقة فعلى سبيل المثال الطرق التي تتسلق الجبال تكلفتها أعلى وبالتالي فإن الضريبة سوف تكون مرتفعة.
ـ الاعتبارات الاجتماعية فبعض الحكومات تشجع قراراتها السياسية على زيادة عدد الركاب في المركبة الواحدة carpooling مثل ما تقوم به ماليزيا بفرض ضرائب أقل على الحافلات.
ـ حسب المنطقة مثل ما هو معمول به في سنغافورة التي تفرض ضرائب على هؤلاء الذين يأتون إلى وسط المدينة.
ـ الازدحام المروري في الطرق الرئيسية مثل ما هو معمول به في ولاية كاليفورنيا.
ولكن فرض تلك الضرائب لا بد أن يكون له مبررات اقتصادية واجتماعية لتحقيق أهداف حكومية معينة قد يكون بعضها التالي:
ـ مصدر جديد ومستقر لتمويل الطرق الذي عادة يستقطع من ميزانية الدولة. فإنه من الطبيعي أن تكون هناك ضغوط ضد فرض مثل تلك الضرائب ولكن هناك دول نفطية مثل النرويج تفرض مثل تلك الضرائب والتي بلغ دخلها 32 في المائة من إجمالي ميزانية شبكة طرقها ودول غير نفطية مثل إسبانيا التي بلغت تلك النسبة 46 في المائة.
ـ تقليص الاختناقات المرورية وعلاج سلبيات استخدام الطرق البيئية.
ـ تحقيق العدالة الاجتماعية وذلك أن فرض ضريبة على طريق ما في منطقة ما قد تستعمل في تنمية الطرق في منطقة أقل تنمية.
ـ تنمية استثمارات القطاع الخاص الذي يرغب في بناء الطرق بأن يتم تمويل جزء من تكلفة المشروع أو إدارته بواسطة تلك الضرائب والجزء الآخر بواسطة الدولة.

لا يوجد تعليقات

العولمة وإيقاف استنزاف الزراعة للمياه

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4448  old  الموافق:2005-12-15

العولمة وإيقاف استنزاف الزراعة للمياه

د. فهد محمد بن جمعة
لا شك أن قضية المياه هي هاجس كل مواطن سعودي مسؤول في ظل وجود مصادر مياه غير متجددة واعتماد المملكة على مياه التحلية بشكل أساسي في توفير المياه العذبة لمواطنيها الذين ينمو تكاثرهم بمعدل 3.5 % سنويا. ما دعا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى أن يصدر قرارا ساميا بإطلاق الحملة الأولى لترشيد المياه في عام 1998، تلتها مراحل أخرى في القطاعات الحكومية وحملات توعية للأفراد، حيث أكدت وزارة المياه في أكثر من مناسبة أن تنفيذ العديد من مشاريع المياه لا يكفي متطلبات المستهلكين إذا لم يتم ترشيدها كثروة وطنية غير متجددة. فإن الحاجة ماسة لترشيد المياه ومطلب وطني يتزايد يوما بعد يوم منذ بداية أولى خطط التنمية الخمسة في 1970 ثم تتالت بعده تلك الخطط الخمسية التي رافقها ازدياد في الطلب على المياه وما نتج عن ذلك من عدم التوازن بين الكميات المطلوبة والمعروضة من المياه، ما خلق نوعا من القلق لدى الجهات الحكومية، وجعل من عملية الترشيد سبيلا لا مفر منه. فسوف أبني حديثي هنا حول ثلاثة محاور مهمة هي: ندرة المياه, استنزاف بعض المنتجات الزراعية لها, وكيف نستفيد من العولمة في تقليص استنزاف بعض المنتجات الزراعية للمياه مسترشدا ببعض البحوث والأطروحات الموثقة ليكون الموضوع أكثر موضوعية، وتبرز لنا الحقائق التي لا بد أن يتعامل معها صانعو القرار في هذا البلد الغالي على الجميع.
فلقد أشار وأكد العديد من البحوث والدراسات إلى أهمية تقليص استهلاك المياه على جميع المستويات الاستهلاكية، وتبني استراتيجية ذات رؤية واضحة تؤمن بمستقبل المياه. فنرى أن مؤتمر الخليج السابع للمياه في اجتماعه الماضي الذي نظمه معهد الكويت للأبحاث العلمية بالتعاون مع جمعية علوم وتقنية المياه لدول مجلس التعاون الخليجي قد أوصى بضرورة الإسراع بوضع سياسات مائية وطنية مبنية على مبادئ ومنهجيات الإدارة المتكاملة للموارد المائية من كفاءة اقتصادية وعدالة اجتماعية واستدامة بيئية، على أن تكون تلك السياسات واقعية وتوازن بين الاستهلاك الزراعي وقدرة الموارد المائية المتاحة المتجددة ومياه الصرف الصحي المعالجة على تلبية الطلب السكاني وزراعي، وذلك بتطبيق الأدوات الاقتصادية كإحدى الأدوات الإدارية الفعالة في إدارة الموارد المائية.
وفي موقع آخر بعنوان (الأمن المائي في الوطن العربي) نقرأ فيه أنه في الوقت الذي ترتفع فيه معدلات استهلاك المياه بشكل كبير مازال الطلـب الزراعي على المياه يتزايد في دول مجلس التعاون خلال الفترة 1980-1990م بمعدل ثماني مرات، بقصد تحقيق الاكتفاء الذاتي بالنسبة لبعض المواد الغذائية، ومازال أيضا الاستهلاك المنزلي يتضاعف بمقدار ثلاثة أمثاله خلال الفترة نفسها. فإن الذي نستنتجه من ذلك أن سياسات الدعم الحكومي للقطاع الزراعي هو من أبرز المحفزات المؤدية إلى أزمة استنزاف الميـاه الجوفية في دول الخليج وعلى رأسها السعودية.
فلا شك أن تنسمة في السكان يمثل عبئاً على الموارد المائية في أي بلد من بلدان العالم حتى وإن كانت تمتاز سطوحها الترسبية بوفرة المائية، ناهيك عن البلدان ذات الموارد المائية المحدودة مثل السعودية التي زاد عدد سكانها من 12.846 مليون نسمة عام 1985 إلى 17.119 مليون نسمة عام 1993، وتمثل هذه الزيادة 34 في المائة. كما أن استهلاك المياه لأغراض زراعية ارتفع من 5173 مليون متر مكعب عام 1981 إلى 18 ألف مليون متر مكعب عام 2000، أي بزيادة هائلة بلغت 248 في المائة - حسب بيانات وزارة المالية.
إن هذا الحجم من الاستهلاك المتصاعد للمياه سوف يفضي بدون شك إلى عجز في مصادر المياه الجوفية غير المتجددة، ما سوف يؤثر على تحقيق الأمن المائي في المملكة في المستقبل القريب في ظل هذا الاستنزاف للمصادر المتاحة دون رادع، وأنظمة تلزم المستهلكين بسياسة المحافظة على المياه. فقد يقول البعض إن هذا ليس مستغربا في ظل النمو المستمر لعمليات التنمية الاقتصادية, اتساع حجم المدن وازدياد حركتها العمرانية, توسع المشاريع الزراعية بشكل كبير لمواجهة الاستهلاك الغذائي المرتبط بمعدل النمو السكاني المتزايد، ولكن هذا لا يمنعنا أبدا من ترشيد ووقف استنزاف المعروض من المياه الجوفية، المصدر الرئيسي في المملكة، والذي يكلف استخراجه مبالغ طائلة، حيث أشارت بعض المصادر إلى أن تكلفة المتر المكعب من المياه الجوفية غير المعالجة يبلغ (ريالين) تقريبا, المياه البحر المحلاة بالتبخر ما بين 15 و25 ريالا, المياه البحر المحلاة بتعامل العكسي 6 - 8 ريالات, المياه المعالجة (خمسة ريالات)، في حين يكلف نقل المتر المكعب من المياه ما بين 15 و25 ريالا، مع الأخذ في الاعتبار تفاوت التكاليف من دولة إلى أخرى. وإذا ما أردنا معرفة السعر الذي يدفعه الفرد السعودي لإجمالي تكاليف المتر المكعب من المياه المحلاة، فإنه لا يتجاوز بعض القروش لبعض شرائح الماء الاستهلاكية، رغبة من الدولة في تحقيق المزيد من الرفاهية لمجتمعها، ولا نعترض على ذلك أبدا، ولكن لا بد من ترشيد استهلاك المياه على جميع المستويات، وأن ندرك أن من أبرز التحديات التي سوف تواجهها المملكة في المستقبل هو العجز الكبير في إمدادات المياه واعتمادها على مخزون المياه الجوفية الذي يقابله عجز في مخزون المياه الجوفية غير المتجددة التي تتناقص تدريجيا. وهذا ما أوضحه تقرير البنك الدولي ومعهد الموارد العالمية بأن نصيب الفرد السعودي من المياه آخذ في التناقص، وأنه الأقل مقارنة بنصيب الفرد في الدول العربية الأخرى، حيث إن خفض نصيب الفرد السعودي من 537 مترا مكعبا في 1960 إلى 156 متراً مكعباً في 1990. كما توقعت دراسة أخرى أن ينخفض نصيب الفرد من المياه بشكل ملحوظ من 156 مترا مكعبا إلى 49 متراً مكعباً في عام 2025م، وهذا معدل يدل على وجود شح في مصادر المياه السعودية، ما يتطلب التعامل مع هذه القضية بكل واقعية من خلال وضع استراتيجيات فاعلة للمحافظة على أمن المخزون المائي في المملكة.

لا يوجد تعليقات

متى نوقف استنزاف المياه؟

صحيفة الاقتصادية الالكترونية
العدد:4455  old  الموافق:2005-12-22

متى نوقف استنزاف المياه؟

د. فهد محمد بن جمعة
لقد طالبت اقتصاديات البحث العلمي بتخفيض المفقود من المياه المنزلية وتقليص الري الزراعي والإسراع في تأسيس المركز الوطني لمعلومات المياه كجهة حكومية مستقلة، حيث نصت الاستراتيجية المستقبلية لإدارة الموارد المائية على تحويل أزمة المياه في السعودية إلى عجلة دافعة للاقتصاد الوطني والتنمية الشاملة من خلال منهج الإدارة المتكاملة للموارد الطبيعية التي من أهدافها الاستراتيجية إدارة الموارد المائية واستمرار تأمين مياه الشرب بكميات كافية وبنوعية جيدة لجميع السكان وتوفير خدمات الصرف الصحي وهذا ما اقترحه الدكتور عادل بشناق "الرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودي في عام 2020" وذلك بزيادة موارد مياه الشرب المتاحة ما فوق 12 مليون متر مكعب في اليوم، ويتم توفير 50 في المائة منها من تحلية مياه البحر, تخفيض إجمالي الطلب على المياه بنسبة 2.5 في المائة سنويا، تخفيض استهلاك القطاع الزراعي من مخزون المياه غير المتجددة ليكون أقل من استهلاك القطاع المنزلي من هذا المخزون. ووفقا لذلك فإن على وزارة المياه أن تهتم بالتخطيط والتنسيق لقطاع المياه على المستوى المحلي والإقليمي والوطني، كما أنه اقترح ضرورة التوازن المائي القابل للاستدامة قبل حلول عام 2020 من خلال زيادة كفاءة استخدام المياه وتخفيض إجمالي الطلب على المياه بمعدل لا يقل عن 2.5 في المائة سنوياً وتخفيض الاستهلاك الزراعي بمعدل 5 في المائة سنوياً مع العمل على تخفيض الاستهلاك المنزلي بمعدل 2 في المائة من خلال تقليص نسبة الفاقد في شبكات التوزيع والمنازل لتكون أقل من 5 في المائة عام 2020، فإذا ما طبقنا تلك المعدلات الاستهلاكية السابقة فإنها ستسهم في المحافظة على مخزون المياه الجوفية غير المتجددة لفترات طويلة، وإذا ما كان الهدف هو تكوين مخزون وطني استراتيجي لضمان الأمن المائي والأمن الغذائي في حالات الطوارئ من خلال إدارة قادرة على إقناع القطاع الزراعي ألا يتجاوز نسبة الكمية الاستهلاكية المحددة له من ذلك المخزون على حساب القطاع المنزلي.
كما أكدت الدراسة التي قدمها الدكتور محمد القنيبط رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى حول الواقع المائي في المملكة نشرها في "ميدل إيست أونلاين, 18/6/2002" أن السعودية تعاني من عجز مائي كبير بلغ 11.77 مليون متر مكعب تقريبا، حيث يتم تغطيته من مخزون المياه الجوفية غير المتجددة التي توجد في مناطق عميقة، بينما ذكرت دراسات أخرى أن ذلك العجز المائي قد تجاوز 13.56 مليون متر مكعب سنويا، فإنه ليس من المدهش أن يضع تقرير الأمم المتحدة "الشرق الأوسط" السعودية في صف الدول التي تقع في دائرة الأزمة المائية، حيث بلغ متوسط حصة الفرد فيها من المياه 118 مترا مكعبا سنويا. وهذا أيضا ما أشار إليه وزير المياه والكهرباء في نيسان (أبريل) 2005 أن شح المياه في السعودية قد وضعها في الفئة الأولى بين دول العالم الأكثر شحاً، حيث صُنفت دول العالم إلى أربع فئات حسب إمكانياتها المائية، من الأكثر شحاً في الفئة الأولى إلى الأكثر وفرة في الفئة الرابعة.
وأشار أيضا إلى أن إجمالي كمية المياه المتاحة للشرب من كافة الموارد المائية في المملكة بلغ ستة ملايين متر مكعب يومياً، فيما تشير بعض الدراسات إلى أن معدل استهلاك الفرد في المملكة قد تجاوز 286 لتراً في اليوم، لتحتل المملكة المرتبة الثالثة عالمياً في استهلاك المياه بعد الولايات المتحدة، وكندا.
إن تلك النسبة تشير بحسب الدراسات الأولية إلى عجز مائي قدره 1.5 مليون متر مكعب يوميا، علما أن المقياس العالمي لنصيب الفرد من المياه حدد نصيب الفرد السنوي من استخدام المياه أو كما يسمى مؤشر الحاجز بين 1000 و1700 متر مكعب للشخص الواحد وهذا ما يدل على وجود أزمة إذا ما كان نصيب الفرد أقل عن ألف متر مكعب، كما أنه يدل على ندرة المياه كلما انخفض نصيب الفرد عن 500 متر مكعب، ويعني ذلك ندرة مطلقة في المياه كما هو الحال في السعودية. وإذا ما دققنا النظر في حديث الدكتور عادل بشناق رئيس منتدى جدة العالمي للمياه والطاقة 2005 أن إحصاءات خطة التنمية السابعة أوضحت أن نصيب استهلاك الفرد من مياه الشرب في المملكة زاد من 120 لترا يومياً عام 1980 إلى 315 لترا يومياً عام 1999 مع أن بعض المصادر تقول إن نصيب الفرد قد ارتفع إلى 375 لترا يومياً عام 2004 وإن متوسط النمو السنوي في القطاع المنزلي بلغت نسبته 2.8 في المائة وهذا مؤشر خطير يدل على سرعة تنامي معدل الاستهلاك على مستوى الأفراد، فما بالك على المستوى الزراعي.
ثم ذكر الخبير المائي الدكتور عادل بشناق في منتدى جدة العالمي للمياه والطاقة 2005 أن مصادر وزارة المياه أوضحت أن حجم المياه السطحية والجوفية المتجددة بالأمطار يبلغ نحو ثمانية آلاف  مليون متر مكعب ماء في السنة، علماً أن معدل المياه المتجددة التي تتم الاستفادة منها حالياً نحو ملياري متر مكعب سنوياً.
وبما أننا نتفق مع غالبية تلك الدراسات مهما تفاوتت الأرقام على أن بعض المنتجات الزراعية مثل القمح والتمور والأعلاف تستهلك كميات كبيرة من المياه، وتتسبب في استنزاف مصادر المياه في السعودية فإن الموضوع يتطلب من الباحثين والمختصين البحث عن وسائل ناجحة لوقف هذا الهدر، فقد أثار الباحث محمد حبيب البخاري في الإنتاج الزراعي والحيواني في "الشرق الأوسط 12 -11/2005" قرب وقوع خطر استنزاف المياه نتيجة الممارسات الزراعية الخاطئة وعدم وجود القوانين التي ترغم المزارعين على تقليصهم استهلاك المياه ووقف استنزافهم لها. يقول بدأ استنزاف المياه عام 1981 عندما انتشرت زراعة القمح على نطاق واسع بواسطة الشركات الزراعية والمزارعين وتم استنزاف المياه الجوفية المتوافرة وحفر آبار جديدة وتركيب المضخات ذات الحجم الكبير وأجهزة الرش المحوري بشكل عشوائي ودون دراسات علمية لعمليات الري تبعا للاحتياجات المائية، ثم عقب ذلك انتشار زراعة الأعلاف عام 1986 لتسرع من استنزاف مصادر المياه المتبقية.


** كاتب اقتصادي

لا يوجد تعليقات

استدامة إيرادات الميزانية

الثلاثاء 25 ذو القعدة 1447هـ - 12 مايو 2026م المقال الرياص د. فهد محمد بن جمعة شهد عام 2026 واحدًا من أكثر الأعوام تعقيدًا في أسواق الطاقة ا...