7/22/2020

آلية حماية السوق والحد من التذبذبات الحادة؟

الاقتصادية
 
 
أدت تذبذبات أسعار سوق الأسهم السعودية الحادة إلى تقلب المؤشر العام ويزيد من معدل خطره ويقلل من اجتذابه للمستثمرين ما يوحي بعدم قدرة السوق المحلية على استيعاب الاستثمارات المحلية، والآن الشركات الخليجية التي تبحث عن عائد مجز ما قد يترتب عليه تحويل تلك السيولة الحالية إلى استثمارات أخرى تضعف جاذبية الاقتصاد السعودي للاستثمارات الإقليمية ناهيك عما له من أبعاد اجتماعية واقتصادية مخالفة لما هو متوقع من فكرة إنشاء هذه السوق المالية. فإن متوسط تذبذب المؤشر بمعدل 300 إلى 1000 نقطة خلال يوم أو يومين متتاليين يجعلنا نطرح العديد من التساؤلات، وأن نشكك في قدرة السوق المستقبلية الذي تحول من سوق المفروض أنها تكون أكثر استقرارا ويغلب عليها الطابع الاستثماري بدلا مما نشاهده هذه الأيام من مضاربات بحتة يتصارع فيه الثيران والدببة Bulls and bears ولكن بمفهوم مختلف حيث الصراع يدور بين الأقلية من هؤلاء الذين يحتكرون السوق، بينما تصبح الأغلبية جمهورا مؤيدا لذلك الصراع، فالمحترف منهم يبيع قبل فوز الثيران ويشتري عندما تبدأ الدببة في الفوز. إن هذا النمط من المضاربة أدى إلى زيادة تذبذب المؤشر واتساع الفجوة بين أدنى نقطة دعم وأعلى نقطة مقاومة من أجل جني أعظم ربحية للأقلية على حساب الأغلبية وبصفة طردية مع معدل الخطر الذي يدفع قيمته صغار المساهمين الذين أصبحوا الضحية في كل حالة ينتكس فيها السوق. فبعيدا عن تطبيق نظرية المؤامرة conspiracy theory على السوق وكيف يتآمر بعض كبار المستثمرين على السوق، فإننا نستطيع أن نجزم بعدم وجود اليد الخفية Invisible Hand التي تعمل على تصحيح السوق وحمايته من الانهيار أو الأزمات الحادة لأننا لم نلاحظ وجودها لدعم السوق في أي حالة من حالات الانهيار التي حدثت في السابق. فلو كانت سوقنا ناضجة لما احتجنا إلى اليد الخفية ولا عملنا بما قام به البنك الفيدرالي في 19 تشرين الأول (أكتوبر) 1987 لإنقاذ سوق الأسهم والبنوك من الأزمة المالية التي تعرضت لها عندما أغرق البنك الفيدرالي البنوك المحلية بالنقدية حتى يشجعها على الاستمرار في عملياتها الاستثمارية وقدم القروض إلى وول ستريت لتأجل قروضها لفترة قصيرة. فما زال معظم المستثمرين الأمريكيين يعتقدون أن اليد الخفية عملت في عام 1998 وفي 11 أيلول (سبتمبر)، ومازالت تعمل حتى أنهم أصبحوا يسمونها Wall Street's Da Vinci Code القصة الغامضة التي ما زال بعض المساهمين يصدقون فيها عندما ينخفض المؤشر أو يرتفع بشكل مفاجئ بعيدا عن تفاعل عوامل السوق وعن العوامل الفنية. إن تدخل الحكومة الأمريكية في السوق بشكل مباشر أو غير مباشر عدة مرات متكررة كما ورد في تقرير 2005, Sprott Asset Management يدخل تحت قاعدة اللا أخلاقية Moral hazard لسوق التي أصبحت سمة مرتبطة بسوق الأسهم الأمريكية ما قد تكون له نتائج سلبية في المدى الطويل عندما يفقد المستثمرين ثقتهم بالسوق وتجد الحكومة نفسها عاجزة عن قيادة السوق في الاتجاه التي تراه متطابقا لمعطيات السوق والاقتصاد التي تراها. أما الحكومة التايوانية في عام 2004 فقد كونت للجنة وطنية تمتلك مصادر مالية تعتني باستقرار سوق الأسهم وإعادة ثقة المساهمين فيها عندما يكون ذلك ضروريا وبعد أن تدهور مؤشر أسهم تايوان TAIEX نتيجة لعدم الاستقرار السياسي. فقد صرح وزير المالية التايواني قولدن شن بأن السوق أغلقت على ارتفاع 1.36 نقطة اليوم الثاني بعد أن تدخلت اللجنة في السوق التي لها السلطة أن تحصل على 130 مليار دولار تايواني كقروض من البنوك حتى تتمكن من شراء الأسهم في الوقت الضروري، كما تم تفويض الحكومات الأربع الباقية لتحصل على 300 مليار دولار تايواني من القروض لأداء المهمة نفسها, وعلى ذلك أكد قولدن أن تحقيق الشركات المسجلة في البورصة على مكرر ربح قدره 14.4 يعتبر مكررا جيدا ويشجع على استقرار السوق وليس هناك حاجة إلى أن تتدخل الحكومة في السوق. إن استقرار سوق الأسهم السعودية وحمايته من تلك التذبذبات الحادة التي أدت به في بعض الأحيان إلى الغرق في قاعة البحر ما يستدعي قرارات تدعم توازن السوق وتحافظ على استقراره لاستعادة ثقة المستثمرين في قدرة الهيئة على تنظيم السوق واستقراره. وكما هو الحال في معظم الأسواق الناشئة التي منها سوقنا تنقصها الكفاءة والقدرة التنظيمية والإدارية, فإني اقترح على هيئة المال السعودية أن تفكر جيدا في الاختيارات التالية: 1- السماح لشركات المدرجة في سوق المال بإعادة شراء Buyback أسهمها بنسبة 10 في المائة من عدد أسهمها كما هو معمول به في بورصات العالم وأخيرا في الإمارات وقطر ولكن تحت معيارين مهمين. المعيار الأول: أن تكون قيمة أسهم تلك الشركات أقل من قيمتها الحقيقية, ألا تكون من الشركات الخاسرة تاريخيا, أن تتوافر لديها السيولة النقدية الكافية, ألا يكون لديها فرصة استثمارية عوائدها أعلى من سعر الفائدة الحالية. أما المعيار الثاني: أن تشتري أسهمها أيضا في حالة تدهور السوق من أجل المحافظة على استقرار السوق ولا تبيعها إلا في حالة الارتفاع الحاد للأسعار، وذلك بتفويض من هيئة سوق المال للسوق لتسهم تلك الشركات في صناعة السوق. 2- زيادة الاكتتاب العام IPO في شركات لها تاريخ استثماري جيد لا يقل عن خمس سنوات حتى يكون للسوق عمق استثماري يحافظ على استقرار stabilize الأسعار. 3- تكوين اتحاد من الشركات أو البنوك تتعهد يدعم السوق syndicates Underwriting من خلال شراء وبيع الأسهم في حالة الأزمات التي قد يتعرض لها السوق سواء في حالة الانخفاض الحاد الذي قد يستمر لعدة أيام أو في حالة الارتفاع الحاد في الأسعار الذي ينذر بخطر ما. ففي حالة الانخفاض الحاد للأسعار تمارس ضغوط جانب العرض بعرض أوامر شراء وتقوم بعمل العكس في حالة ارتفاع الأسعار الحاد بأن تمارس ضغوط على جانب الطلب بطرح أوامر بيع عند سعر لموازنة السوق. 4- أسماح بتكوين سوق موازية للسوق الحالي خارج سوق المال. ( (Over the counter security marketsمن أجل دخول المؤسسات والشركات الصغيرة والعائلية التي ليس لها تاريخ استثماري فيها حتى يتأكد المستثمرون والهيئة من سلوكها الاستثماري، وعلى أنها شركات تستحق إدراجها في سوق المال فيما بعد. فضلا عن تحويل الشركات الخاسرة في سوق المال إلى تلك السوق الموازية من أجل إعادة تقييمها. ولكن نجاح تلك الاختيارات يعتمد على توافر العوامل المساعدة الأخرى التي تنظم السوق وتطبق مبادئ حوكمة الشركات لمزيد من الإفصاح والشفافية والحد من انتشار الشائعات التي هي الأساس الذي يعتمد عليه المضاربون في السوق. فضلا عن جعل فترة تداول الأسهم اليومية لفترة واحدة تبدأ من 9:30 صباحا وتغلق عند الساعة الرابعة مساء، لكي لا يكون هناك افتتاحين وإغلاقين لسوق في اليوم نفسه، ما يجعل عملية التداول متقطعة ولا تعكس اتجاها معينا يستطيع المساهمون التنبؤ به في معاملاتهم المستقبلية.

لا تقترض أو تبيع بيتك من أجل المضاربة


الاقتصادية|
 

  زادت نبضات قلبي كلما هبطت أسعار الأسهم وارتفع ضغطي كلما قربت الأسعار من القاع, ولن يرتاح قلبي حتى لو تجاوز المؤشر أعلى نقطة مقاومة، فأنا دائما في هلع وفزع، فالمال قليل والأطماع كبيرة والمعرفة محدودة، وأذني دائما صاغية لكل شائعة ومشاركة في كل منتدى، فلا أفرق بين سهم مضاربة ولا سهم استثمار، وإنما ألقي اللوم على الهيئة كلما خسرت لأن السوق قد تتدهور، وأنا ألتقط أنفاسي شهيقا وزفيرا. لقد أصابني الملل من سماع كبار المضاربين ( الهوامير) ومشاهدة شاشة الأسهم التي أحولت عيوني من ملاحقة أرقامها كلما استبق للونها الأحمر المتكرر للونها الأخضر ومع ذلك لم أتوقف وأستمر، فليس من طبعي الخوف ومراجعة الحسابات، فأنا تعودت دائما أن أقتحم اللون الأحمر في الشاشة وفي الشارع تلقائيا فلا تخيفني الخسارة ولا الصدمة، فلا أبيع وأقول النور الأخضر قادم، ولكن الشاشة زادت احمرارا ومصادفة التفت يمينا فإذا بمساهم يهز رأسه من هول مصيبته، ويقول لقد خسرت بيتي وأفقرت عائلتي بقروضي وكأنه يهمس في أذني فتنبهت لنفسي وتذكرت عائلتي وابنتي الصغيرة وبريق عينيها فقلت صحيح إن القناعة كنز لا يفنى، وما نوري الأخضر وشمعة حياتي التي لا تنطفئ إلا سعادة عائلتي، فقسما بعد اليوم لا أعود إلى الشاشة مرة ثانية. إنها صورة تعكس حالة معظم صغار المساهمين الذين اقترضوا مبالغ كبيرة من البنوك ليست هينة, فواحد منهم كتب لي يقول لقد اقترضت 500 ألف ريال, إنهم فعلا يخسرون في سوق الأسهم والأعظم أن بعضهم قد باع أغلى ما لديه وهو سكنه ليلقي بأهله في غبار أرض أحلامه. إنها مأساة وخسارة يصعب تعويضها، ولكن علينا أن نتعلم دروسا مما حصل للآخرين، وألا نكرر أخطاءهم أبدا. فمن أراد أن يستثمر مبلغا فائضا عن مصاريف معيشته ولا يضيق على عائلته وسعا ولا يؤدي إلى ترك عمله بمجرد أحلام احتمالية يكون تحقيقها شبه مستحيل في سوق الأسهم فلا بأس في ذلك. لقد انتحر بعض أصحاب الملايين في الأسهم العالمية بعد أن خسروا كل ما كسبوه منها والقصص كثيرة فلا تدع العاطفة تسيرك إلى جحيم الأسهم بل دع العقلانية ورشادة الاستثمار تقودك إلى بر الأمان حتى لا تغرق في قاع البحر مثلما تغرق أسعار السوق فجأة وتكون بمثابة الضربة القاضية لك، فإفلاس وخسارة لما تملك. إن سوق الأسهم ليست القناة الوحيدة لاستثماراتك، بل هناك قنوات عديدة وأكثرها أمانا شراء السندات والادخار والصناديق التعاونية والعقارية ولكل منها إيجابياتها وسلبياتها وعليك تفهمها جيدا, فضلا عن أن الاستثمار ليس شرطا يجب عليك تنفيذه، وإنما هو اختيار متى ما كان لديك فائض في دخلك. فلا تدع سياسة الدعاية والإغراق في سوق الأسهم تخدعك مثل ما حصل للكثير من المضاربين الصغار حتى أنهم غرقوا في ديون وخسارة, واحذر منتديات الأسهم هذه الأيام التي تروج لسهم إحدى الشركات الصغيرة والخاسرة فلا تندفع وراء شراء هذا السهم فتصبح وجبة شهية لكبار المضاربين التي تتوافر لديهم معلومات داخلية عن الشركة فيقومون بإغراق السوق ببيع جميع أسهم تلك الشركة فيحققون أرباحا طائلة, وإنك سوف تكتشف هذه الخدعة بعد أن يهبط السعر بشكل سريع ولكن خسارة كبيرة وقرار متأخر لا ينفع ولا يعوض عن الخسارة, أليست هذه حقيقة في سوق الأسهم لدينا. وإذا لم تكف الإنترنت إغراقا فإن رسائل الجوال القصيرة سوف تغرق كل من بقي من صغار المضاربين خسارة وبهتانا. لأن ارتفاع سعر هذا السهم ناتج عن الدعاية والشائعات الكاذبة وليس نتيجة تغير إيجابي حدث لشركة فلا بد أن تكون الخسارة مصير كل من اشترى هذا السهم. إن حيلة الدعاية والإغراق تزداد فاعليتها يوما بعد يوم لأنها تمكن القائمين بهذه الدعاية من السيطرة على أسعار تلك الأسهم المحدودة وبيعها بأسعار مرتفعة ثم شرائها بأسعار رخيصة حتى تتكرر مؤامرة الإغراق مرة ثانية. فنسمع بعض الأحيان أن هيئة سوق المال قد أوقفت أحد المضاربين المشهورين لتبرهن على أنها تراقب أداء ومعاملات السوق ولكن المهمة صعبة, لأن إيقاف تسرب المعلومات الداخلية في الشركات التي يعمل لحسابها أفراد محترفون من أجل الحصول على صفقات رابحة سوف يستمر وهذا ما يحصل فعلا في (وول ستريت) فماذا تتوقع من سوقنا. إن عليك أن تهتم بكل شيء يؤثر في أسهمك التي تمتلكها حتى لا تفاجئك المتغيرات التي تأتي من حيث لا تدري فتوقع كل شيء وحاول أن تعرف كل شيء. فإن لم تستطع التحكم في مشاعرك فابحث عن شيء غير سوق الأسهم لأنك لا تمتلك القدرة على تحمل المخاطرة ولن يزيدك انفعالك إلا مزيدا من الخسارة, هكذا تدفعك المشاعر المتأججة إلى خسارة مؤلمة عندما تتخذ القرار الخاطئ, لأن تحقيق الأرباح عملية طويلة وفي بعض الأحيان مملة، فأنت دائما تنتظر كثيرا حتى تجني تلك الأرباح فتحتاج إلى نفس عميق حتى يحين جني ثمار ما استثمرته. وإذا ما حققت نجاحا في سوق الأسهم في حالة انتعاش السوق وارتفاع المؤشرات فيما فوق 19 ألف نقطة على سبيل المثال، فلا تعتبر نفسك عبقريا، ولا تجعل الثقة الزائدة تسيطر عليك، فأنت لا تملك أيا من هما لأن السوق هو الذي سهل ذلك لك. إن أغلبية المستثمرين الرابحين هم الذين ليس لديهم ارتباط عاطفي بالأسهم التي يشترونها بل يبتعدون عن الخوف والأحلام وينظرون إلى واقع السوق بقراءة البيانات الأساسية والفنية حتى يتخذوا القرار الاستثماري الصحيح. وإذا ما كنت تستمع إلى المحللين في تلفاز أو تقرأ لهم ما يكتبونه فإنهم في بعض الأحيان متهورون في تحليلاتهم فهم قد يكذبون، وكذلك الاقتصاديون قد لا يجيدون تقييم أداء الاقتصاد، وأما المحاسبون فهم قد يزيفون الأرقام لتحويل الشركات الخاسرة إلى شركات رابحة وإلا لما أدرجت على قائمة السوق بعض تلك الشركات الخاسرة التي لا فائدة إلا لأصحابها. فلا أتمنى أن تكون واحدا من هؤلاء المساهمين الكسالى والطامعين، وإنما عليك أن تتحمل مسؤولية مخاطرتك عند شرائك أو بيعك للأسهم بناء على معلومات سرية, وأن اعتقدت أنك قد أجدت اللعب في السوق لكسب الملايين، فقد تكتشف لاحقا أنك الملعوب عليه، فتجنب النصائح والمعلومات التي لا تثق بها ولا تستطيع فهمها. عليك أن تستثمر في نفسك أولا وأن تكون منظما تعمل في إطار استراتيجية معينة ومرنة حتى تتجنب أخطاءك وتركز على نجاحاتك من أجل تعظيم أرباحك. وأخيرا لا تسئ إدارة أموالك ولا تخدع نفسك ففكر كثيرا قبل أن تستثمر حتى تدرك أنه من الصعب للغاية أن تجد استثمارات لا تخسر فيها أموالك، وهذا لا يمنعك من أن تحاول، ولكن احذر مغبة تقلب الأسعار والسوق والاقتصاد وما يروجه الإعلام والمنتديات من شائعات وإعلانات غير صحيحة. وأن تعرف أن الأسواق ليست عادلة مع المتعاملين الأفراد فإذا كنت لا تجيد اللعب في سوق يعج بالمخاطر فليس لك أي خيار إلا أن تعطي أموالك للمحترفين والمتخصصين لاستثمارها لك.

لماذا بدأت الاستثمارات السعودية تأخذ اتجاها معاكسا؟

الاقتصادية

| 
إن خطاب الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز الأمين للهيئة العليا للسياحة خلال افتتاح المعرض والملتقى الدولي لآفاق الاستثمار في ("الاقتصادية", 17/11/1426هـ) كان خطابا رائعا ودقيقا عندما قالها وبكل صراحة "أنه لا دخل لمسائل الوطنية في الاستثمار داخل المملكة أو خارجها وإنه لا يمكن أن تستعمل عبارة الوطنية كوسيلة لجذب هذه الاستثمارات الهاربة، بل الأولى أن توجه عبارة الوطنية تلك للمسؤول الحكومي مهما كان صغيراً أو كبيراً الذي يتردد في اتخاذ قرارات جذب الاستثمار وتحفيزه، فأولئك أولى بتوجيه رسائل الوطنية لما اقترفوه في حق وطنهم من حرمانه ومواطنيه من المشاريع التي تضيف للاقتصاد وتشغل الأيدي العاملة المحلية. فالمسؤولية لا تقع على عاتق المستثمر الذي قرر الهجرة باستثماراته إلى حيث يجد من يرحب به، بل على المسؤول الذي أرغمه على ذلك" إني أشد على يدي سموه وأقول له لقد تابعت وسمعت فأصبت عندما وضعت النقاط على الحروف، فعلا إن قرارات المستثمرين، وهذا ما تؤكده كل كتب الاقتصاد والأعمال في أي بلد من بلدان العالم من حولنا، تهدف إلى تحقيق عائد على استثماراتهم عند معدل من الخطر يتقبله هؤلاء المستثمرون لأن قراراتهم ليست مبنية على أهداف سياسية أو وطنية لأنهم أصلا وطنيون، وهذا ما يدعني لا أشكك في أن المستثمر السعودي عندما يجد فرصة استثمارية في بلده حتى ولو عند معدل خطر أعلى منها في بلد آخر فإنه لن يتردد في اغتنامها والاستثمار فيها. فأنت محق يا صاحب السمو بعد أن فتحت الدولة الباب على مصراعيه للاستثمارات الأجنبية وذللت الكثير من العقبات التي تقف في طريقها في ظل اقتصاد سعودي قوي عند معدل نمو قد تجاوز معدل النمو السكاني ليبلغ 6.5 في المائة هذا العام. لذا لماذا تتهافت الاستثمارات على تلك المدينة الخليجية الصغيرة "دبي" رغم ضيق سوقها الاستثمارية وارتفاع أسعار التضخم فيها؟ إن عودة الرساميل السعودية من الخارج في أعقاب أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2002 إلى السعودية التي استثمر معظمها في مجالات العقار والأسهم مع أن ذلك لا يضيف الكثير إلى إجمالي الناتج القومي (لنسميها فترة عودة الأموال السعودية الهاربة) التي لم تلق الأرض الخصبة لها حتى تترعرع وتنبت مصادر دخل متنوعة يقطف ثمارها الاقتصاد السعودي، فسرعان ما اتجهت مرة ثانية إلى الخارج وخاصة إلى دول الخليج (لنسمها فترة نفور الأموال السعودية). إن تحليل ذلك من الهين ولا يحتاج إلى دراسات وبحوث وإنما بمجرد مساءلة بعض هؤلاء النافرين باستثماراتهم إلى الخارج فإن الأسباب التي أجبرتهم على هذا الرحيل مرة ثانية ما تعرضت له استثماراتهم من تضييق الخناق عليها من خلال قرارات حكومية صارمة تفوت عليهم فرص الاستثمار المجدية وعنصر المنافسة في عالم متحرر من قيود التجارة بعد أن تم انضمام السعودية إلى منظمة التجارة العالمية. لقد كان المستثمرون يتذمرون من الضريبة على الاستثمارات الأجنبية ومن العقبات التي تقف في طريق استثماراتهم ولكن الآن بعد أن طفح الكيل وأصبح هم المستثمرين وخاصة إذا ما كانت استثماراتهم ذات كثافة عمالية مثل شركات المقاولات والخدمات التي عانت من ضيق سوق العمل السعودية وعدم توافر العمالة سوءا كانت سعودية أو أجنبية أنهم فعلا في مأزق من أمرهم. فبينما إمارة دبي تلعب على وتر قرارات العمل السعودية وتنادي بأعلى صوتها مؤكدة توافر العمالة ذات التكلفة المتدنية من جميع الجنسيات فإننا نرى في الاتجاه المعاكس إن وزارة العمل السعودية تعلن في الصحف المحلية وتحذر السعودي من الاستثمار في أي مشروع مفترضا أن وزارة العمل ستلي حاجته من العمالة. إن ذلك فعلا تلاعب بجهد وأموال المستثمرين وكارثة اقتصادية وصدمة مؤلمة توجه إلى المستثمرين السعوديين عندما نرى تظلم رجال الأعمال حتى المواطنين لعدم توافر العمالة التي يحتاجون إليها ويتبناهى بعض هؤلاء المسؤولين بالتوظيف الوهمي للسعوديين. هكذا نعود مرة ثانية إلى الوطنية كلعبة سياسية أو اجتماعية أو شماعة يعلق عليها ما لم يستطع بعض هؤلاء المسؤولين عمله لإصدار قرارات متناقضة ولا تنسجم مع الأهداف الاستراتيجية للدولة من سياحة واستثمار حتى توظيف السعوديين. لقد كثرت التحديات في سوق العمل السعودية واعتمدت على سياسة التنفير للاستثمارات السعودية، حيث إن العنصر البشري أهم عناصر الإنتاج التي يعتمد المستثمر عليها في قراراته، فنرى الشركات الأمريكية على سبيل المثال تتجه إلى الدول الآسيوية طلبا للعمالة الرخيصة، فهل يا ترى من الأجدى لنا أن ننفر المستثمرين السعوديين وندفعهم قسرا إلى الهرولة وراء توافر العمالة وعند تكاليف متدنية؟ هل ما زلنا نتبع مبدأ الانفرادية في قراراتنا ونردد شعارات الوطنية ونقول إننا مخلصون وهدفنا توظيف السعوديين فإن النيات بالأعمال في قطاع الاقتصاد والقرارات الحكومية وليس العكس، حيث تظهر الأرقام ماذا تم تقديمه من برامج وتوظيف للموارد المالية والبشرية. إن معالجة البطالة الهيكلية في السعودية لا تتم عن طريق الانتقام من رجال الأعمال وتنفير استثماراتهم فلم يكونوا يوما من الأيام سببا في تلك البطالة، بل إن السبب المباشر في ذلك كانت سياسة وزارة العمل التي أقحمت سوق العمل السعودية بمنح التأشيرات دون حاجة القطاع الخاص لها، ما شجع العمالة المتسترة والمتاجرة بتلك التأشيرات في السوق السوداء. لذا لا بد أن تكون سياسة سوق العمل متفقة مع احتياجات التنمية الاقتصادية والقطاع الخاص بعد أن علقت الدولة آمالها عليه لينهض بالاقتصاد السعودي وينوع مصادر دخله. إن فرضية وزارة العمل أن هناك ترابطا إيجابيا شديدا بين نسبة توظيف السعوديين لأدركنا أيضا أن نسبة استقدام العمالة الأجنبية التي تحتاج إليها تلك المنشآت غير دقيقة ولا توجد تلك العلاقة في المهن التي لا يرغب السعودي العمل فيها اقتناعا منه، بينما توجد علاقة طردية وموثقة في شركات مثل "أرامكو" و"سابك" بين عمل واستمرار العامل السعودي في عمله وتوفير القرض السكني له، فهل تعلم ذلك وزارة العمل، علما أن لديها صندوق الموارد البشرية الذي يموله القطاع الخاص الذي يقابل بالاتهامات والتضييق عليه. كما أنه لو تم تحديد عدد العمالة التي تحتاج إليها السوق السعودية الآن وفيما بعد لأدركنا أيضا أنها فعلا فرضية مجحفة وظالمة لأصحاب المنشآت الذين بدأت أعمالهم تنكمش ويعصف صداها بمعدل النمو الاقتصادي غير النفطي فما بالك بردة الفعل المتأخرة التي سوف تكون محطمة لآمال التوظيف بتقليصها المهن غير المرغوبة فيها. هكذا يتسبب انحصار المنشآت الصغيرة والمتوسطة في تضاءل فرص العمل للسعوديين ناهيك من التأثير السلبي على إجمالي الناتج المحلي.

نعم لتخصيص البريد السعودي..ولا لتكليف المواطن

الاقتصادية
د. فهد محمد بن جمعه
 2009
تسعى الدولة السعودية دائما إلى تقديم أفضل الخدمات لأفراد مجتمعها وتحرص على تحقيق المزيد من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية لهم سواء كانت مباشرة من خلال مؤسساتها الحكومية أو غير مباشرة من خلال مجلس الحوار الوطني الذي يرصد الأولويات التي يحتاج إليها المجتمع ويرفعها إلى الجهات المعنية, ليتم بلورتها في قرارات تخدم المصلحة العامة. فكان تخصيص بعض الشركات التي تملكها الدولة وزيادة رواتب موظفيها بنسبه 15 في المائة شاهدا على صدق نوايا هذه الدولة التي تضع نصب عينيها أهمية خدمة المواطن التي لا تقيسها بتكلفتها المالية بل برضا المواطن عن مستوى من الحياة المعيشية تكفل له حياة كريمة. وهذا لا يعني أنه لا ينبغي على الدولة أن تبحث عن أفضل الطرق والوسائل لتخفيض تكاليف الخدمات التي تقدمها بشرط ألا تضعف نوعية هذه الخدمات أو تستثني أحدا من مواطنيها. وكما أن صانعي القرارات يصدقون في قانون (باريتو) بأن أفضل القرارات هي التي تضع أغلبية المجتمع في حالة اقتصادية أو اجتماعية أفضل مما كانوا عليها بينما لا تضع الأقلية في حالة أسوأ مما كانوا عليه, فإن قانونا مثل هذا تحاول الدول أن تستفيد منه في توزيع خدماتها بقصد العدالة الممكنة في ظل الموارد الاقتصادية المحدودة, والسعودية دائما تحاول أن تتوافق معه عند تقديم خدماتها في حدود إمكانياتها الاقتصادية التي يضيق عليها الخناق كلما زاد الطلب عليها مع تزايد معدل النمو السكاني المطرد كل عام. إن تخصيص الخدمة البريدية لها مغزى اقتصادي واجتماعي وأهداف استراتيجية تهدف إلى رفع الكفاءة والفعالية لتلك الخدمة, وهذا ما يدعونا إلى أن نتساءل ما التخصيص الأفضل الذي سيحوز على رضا المواطنين واقتناعهم بأنه سيرفع من جوده تلك الخدمة؟ وهل يكون التخصيص كاملا تتولى أمره شركة خاصة وتتقاضى أسعارا معينة على كل خدمة تقدمها؟ أم يكون التخصيص بتعاقد مع شركات توفر تلك الخدمات وتقوم الدولة بتمويلها من أجل تقليص تكاليفها وتحسين أدائها؟. ولكن قبل الإجابة عن تلك الأسئلة لا بد أن أنوه بما يقوم به الدكتور محمد بنتن رئيس مؤسسة البريد السعودي من تحديث لنظام البريد الحالي واستغلال التقنية الحديثة التي سترفع من مستوى الخدمة وتسهل من متابعتها وسرعة وصولها من المرسل إلى المستلم بكل دقة ممكنة واحترافية وهذا شيئا نفتخر به جميعا. فقد حضرت محاضرة ألقاها الدكتور محمد بنتن في مقر "الاقتصادية" في 20/2/2006, استعرض فيها هيكلة البريد وتخصيص مرافقه إلى أقسام مستقلة ولكنها مترابطة يتم إدارتها بواسطة شركات القطاع الخاص وتخضع لمراقبة الإدارة العامة للبريد, ونظام التقسيم والترقيم التنازلي من المنطقة إلى المربع البريدي مستخدما التقنية المتطورة من (ستل لايت) لإنجازات ومتابعة العمليات البريدية بكل دقة وسرعة ممكنة. وطبقا لهذا النظام الرقمي الجديد فقد تم وضع صندوق بريدي على كل بوابة منزل وما زالت العملية مستمرة لتكون هناك تغطية متكاملة لجميع مدن وأحياء المملكة, مع أن هناك مأخذا على ذلك النظام الذي من المفروض أن يتم عن طريق الأمانة العامة للبلديات لأنها المسؤولة عن ترقيم المنازل وإذا ما كان هناك تقصير ناتج عن سوء التخطيط فمن خلال التنسيق بين إدارة البريد والأمانة يمكن الوصول إلى رقم موحد بدلا من أن يكون لكل إدارة رقم خاص بها. ما يدل على ضعف التنسيق بين تلك الإدارات الحكومية ويؤدي إلى ازدواجية التكاليف التي تصرف من الميزانية العامة. فرغم أن التقنية المتقدمة أصبحت ضرورة ورافدا من روافد هذا العصر وتؤدي إلى تحسين مستوى الخدمات وتقليص تكاليفها في الأجل الطويل إلا أن إدارة البريد تريد أن تحمل كل مواطن يرغب في استخدام تلك الصناديق تكاليف تأسيسية وسنوية قدرها 300 ريال مبررة ذلك بأنه لا بد من تطوير الخدمات البريدية لمواكبة تغيرات العصر مع ظهور بوادر الحكومة إلكترونية. ولكن هذا التطور قد جاء متأخرا بعد أن انتشر استعمال الإنترنت والرسائل القصيرة التي لا يستغرق إرسالها إلا بعض الثواني من الوقت ما يبقي أصحاب الدخل المحدود ومن هم أقل تعليما المستخدم الأكبر للرسائل البريدية فلن يقبلوا تحمل مثل تلك التكاليف. وهذا لا يدع مجالا للاستغراب عندما ذكره رئيس البريد السعودي أن متوسط عدد الرسائل للفرد السعودي عشر رسائل سنويا, وهذا لا شك أنه معدل متدنٍ للغاية عندما يتم مقارنته بمعدل الرسائل في الولايات الأمريكية الذي بلغ 650 رسالة للفرد الأمريكي طبقا للبريد الموحد الأمريكي. إذاً ما الحاجة إلى تلك الصناديق البريدية إذا لم يرتفع معدل الرسائل في ظل الظروف الراهنة حتى لا تصبح شبه مهجورة وأنا لا ألغي أهميتها؟ فإنه يمكن زيادة معدل الرسائل التي ستصل أو تغادر صندوق بريدك في حالة تفعيل الحكومة إلكترونية وتوزيع فواتير الخدمات من خلال تلك الصناديق التي سيكون توافرها شرطا أساسيا لحصولك على تلك الخدمات, وكذلك من خلال زيادة معدل الرسائل والدعاية التجارية في ظل الانفتاح التجاري العالمي. إن الأمر المهم الذي يحدد مدى نجاح استراتيجية البريد الجديدة من عدمها هو مدى تقبل المواطن لها, لأنه من المتوقع ألا يشارك معظمهم في تلك الصناديق حيث إن الفئة القادرة على دفع تلك التكاليف ليس من عادتها أن تتعامل مع الرسائل البريدية في معاملاتها الشخصية, بعد أن توافرت لهم الوسائل الأخرى وبصوت وصورة ووسائل البريد السريعة ذات السمعة المعروفة. وهذا سيعرض البريد إلى خسارة كبيرة, أولا تكلفة تلك الصناديق غير المستغلة, وثانيا تكلفة تلك التقنية المتطورة التي قد تكون تكلفتها أعلى من مستوى الخدمة. ليس هذا فقط, بل قد يضع إدارة البريد في موقف لا تحسد عليه عندما يتم تفعيل الحكومة الإلكترونية وتتعاقد شركات الخدمات مع البريد السعودي على توصيل خدماتها إلى زبائنها دون أن يشترك هؤلاء المواطنون في تلك الصناديق. وأنا أتفهم لماذا البريد السعودي فرض أسعارا ثابتة لتخوفه من عدم تغطية تكاليفه الثابتة والتشغيلية خلال الفترة الاستثمارية للمشروع, ولكن المشكلة أن تلك الأسعار لن تكون مقبولة اجتماعيا وفي النهاية نعود إلى نقطة البداية. لذا اقترح على إدارة البريد السعودي أن يكون التخصيص بالتعاقد مع بعض الشركات الخاصة وتقديم خدمة تلك الصناديق إلى أصحاب المساكن الخاصة مجانيا, على أن يتم تمويل تلك الخدمات من خلال زيادة أسعار الطوابع المحلية والدولية وتأجير الصناديق لأصحاب المساكن والأنشطة التجارية وتوسع في استثمارها من خلال تنويع أحجام الصناديق وتوفير خدمات أخرى توفر المبالغ اللازمة لتشغيل عمليات البريد بشكل مقبول.

خروج الإمارات.. يعزز تماسك أوبك

الثلاثاء 18 ذو القعدة 1447هـ - 5 مايو 2026 م المقال الرياض د. فهد محمد بن جمعة جاء قرار الدول السبع في أوبك+، يوم الأحد، بزيادة الإنتاج تدري...