6/09/2026

رغم التوترات.. الصين تضغط النفط


الثلاثاء 23 ذو الحجة 1447هـ 9 يونيو 2026م

المقال
الرياض

شهدت أسواق النفط خلال الأسابيع الأخيرة موجة هبوط حادة، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتعطل جزء من الإمدادات العالمية. فقد تراجع برنت بنحو 12% خلال أسبوع واحد و16% خلال شهر مايو، فيما انخفض غرب تكساس بـ9.5% أسبوعياً و14.5% على أساس شهري. وبينما يبدو هذا التراجع غير متسق مع المشهد الجيوسياسي الراهن، فإن قراءة أعمق لتوازنات السوق تكشف أن العامل الصيني يتصدر قائمة الضغوط المؤثرة في الأسعار.

وتعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، وقد لعبت دوراً محورياً في هذا التراجع بعد انخفاض وارداتها إلى نحو 6.78 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ قرابة عقد، مقارنة بمتوسط بلغ 10.66 مليون برميل يومياً خلال العام الماضي. ويعكس هذا التراجع ضعف الطلب المحلي، إضافة إلى اعتماد بكين بصورة أكبر على احتياطياتها الاستراتيجية المقدرة بنحو 1.2 مليار برميل، مما خفّض حاجتها إلى الشراء من الأسواق العالمية.

كما ساهمت الأسعار المرتفعة خلال الفترات السابقة في تقليص نشاط المصافي الصينية، إذ تراجعت معدلات التكرير بأكثر من 1.9 مليون برميل يومياً مقارنة بمستويات عام 2025، الأمر الذي انعكس مباشرة على حركة الأسعار العالمية. ولا تقتصر مؤشرات الضعف على الصين وحدها، إذ تشير تقديرات غولدمان ساكس إلى أن الطلب في الصين وأوروبا الغربية قد يأتي أقل بنحو 2 مليون برميل يومياً من التوقعات السابقة، وهو ما قد يدفع خام برنت للتراجع بنحو10 دولارات للبرميل خلال الربع الرابع من العام.

وفي الوقت ذاته، ساهمت التطورات الدبلوماسية في تهدئة مخاوف المستثمرين، مع تزايد التوقعات بإمكانية توصل الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات سياسية تضمن استمرار تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. كذلك، تواصل السياسة النقدية الأمريكية المتشددة ممارسة ضغوط على الأسعار، في ظل استمرار تحفظ الاحتياطي الفيدرالي بشأن خفض أسعار الفائدة مع بقاء التضخم قرب مستوى 3%، مما يحد من وتيرة نمو الطلب العالمي على الطاقة.

من جهة أخرى، حافظ الإنتاج الأمريكي على استقراره عند نحو 13.7 مليون برميل يومياً، رغم تراجع المخزونات التجارية 8 ملايين برميل، وانخفاض المخزون الاستراتيجي بـ 58 مليون برميل منذ اندلاع الحرب إلى 357 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ أبريل 2024، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. ومع ذلك، يحذر عدد من المحللين من أن التراجع الحالي قد يكون مؤقتاً، في ظل فقدان السوق كميات كبيرة من الإمدادات، ويدفع ذلك الأسعار مجدداً إلى مستويات تتجاوز 150 دولاراً للبرميل إذا استمرت اضطرابات التدفقات النفطية.

كما أطلقت شركات النفط الكبرى تحذيرات متزايدة بشأن أوضاع الإمدادات العالمية، إذ أشار مسؤولون تنفيذيون في إكسون وشيفرون إلى أن المخزونات العالمية وقدرة السوق على امتصاص الصدمات تواجه ضغوطاً متنامية، مما قد يؤدي إلى نقص ملموس في المعروض خلال الأشهر المقبلة. ومن المرجح أن تتضح آثار هذه الضغوط بصورة أكبر خلال الصيف، الأمر الذي قد يدفع الأسواق إلى موجة تصحيح سعرية جديدة ما لم تشهد منطقة الخليج انفراجاً يخفف من حدة المخاطر الجيوسياسية.

ويعكس التراجع الحالي في أسعار النفط مزيجاً من تباطؤ الطلب العالمي، ولا سيما في الصين، وتراجع معدلات الاستهلاك، إلى جانب تنامي الرهانات على الحلول الدبلوماسية واستمرار التشدد النقدي الأمريكي واستقرار الإنتاج الأمريكي. ومع ذلك، لا تزال الأسواق تتحرك ضمن معادلة دقيقة بين تفاؤل المستثمرين بإمكانية احتواء المخاطر الجيوسياسية من جهة، ومخاوف نقص الإمدادات العالمية ووصول مخزونات النفط العالمي الى مستويات حرجة من جهة أخرى.

ليست هناك تعليقات:

رغم التوترات.. الصين تضغط النفط

الثلاثاء 23 ذو الحجة 1447هـ 9 يونيو 2026م المقال الرياض د. فهد محمد بن جمعة شهدت أسواق النفط خلال الأسابيع الأخيرة موجة هبوط حادة، رغم استمر...