الثلاثاء 22 محرم 1448هـ 7 يوليو 2026م
المقال
تحول في سوق النفط العالمية، حيث أظهرت الأسواق قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بما كان يحدث في العقود الماضية. فبرغم فقدان نحو 11.7 مليون برميل يومياً من إنتاج الشرق الأوسط خلال ذروة الأزمة، لم تستمر الأسعار فوق حاجز 100 دولار للبرميل طويلاً، بل عادت سريعاً إلى نطاق 70-74 دولاراً، في إشارة إلى تنامي دور المخزونات الاستراتيجية كعامل رئيسي في موازنة السوق وتوجيه الأسعار.
وعلى مدى سنوات طويلة، كان أي تهديد لمضيق هرمز كفيلاً بإشعال موجات من الذعر ورفع الأسعار إلى مستويات قياسية، لكن الأزمة الأخيرة أظهرت واقعاً مختلفاً؛ إذ دخلت الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، وهي تمتلك مخزونات تقدّر بنحو 1.2 مليار برميل، جرى بناؤها خلال سنوات من الاستفادة من الإمدادات منخفضة التكلفة القادمة من روسيا وإيران وفنزويلا. وعندما تعطلت الإمدادات، فضّلت بكين السحب من مخزوناتها بدلاً من زيادة مشترياتها من السوق الفورية، مما ساهم في تهدئة الطلب العالمي والحد من الضغوط السعرية.
كما لعبت الاحتياطيات الاستراتيجية للدول الصناعية دوراً محورياً في احتواء الأزمة. فقد نسّقت وكالة الطاقة الدولية عملية سحب قياسية بلغت نحو 400 مليون برميل من مخزونات الطوارئ، مقارنة بنحو 182 مليون برميل فقط خلال أزمة أوكرانيا عام 2022. وفي الولايات المتحدة، تراجع الاحتياطي النفطي الاستراتيجي إلى نحو 331 مليون برميل، وهو من أدنى مستوياته منذ 1983.
لكن نجاح المخزونات في امتصاص الصدمة يثير تساؤلاً عن مستقبل السوق؛ إذ إن استنزاف البراميل أثناء الأزمة يستوجب إعادة تخزينها، ما سينشئ مصدراً جديداً للطلب منفصلاً عن الاستهلاك الطبيعي، ومن هنا تتجلى الأهمية المحورية للمخزونات في رسم ملامح الدورة السوقية القادمة.
وهنا تكمن نقطة التحول التي قد يغفل عنها كثير من المتشائمين بشأن سوق النفط. فبينما يتوقع بنك غولدمان ساكس ومورغان ستانلي عودة السوق إلى الفائض خلال عام 2027، مدفوعة بارتفاع الصادرات الأمريكية وضعف الواردات الصينية، فإن عملية إعادة بناء المخزونات العالمية قد تولّد طلباً إضافياً منفصلاً تماماً عن الاستهلاك الجاري. والهند، التي لا تغطي احتياطياتها سوى ثمانية أيام من الواردات، كانت قد أعلنت بالفعل عن خطط لتعزيز مخزوناتها، في حين تدرس دول آسيوية أخرى توسيع قدراتها التخزينية، استلهاماً من الدروس القاسية التي كشفتها أزمة مضيق هرمز.
لذلك، فإن التركيز على وفرة المعروض وحدها قد لا يعكس الصورة الكاملة، فالسوق لا تواجه فقط معادلة العرض والطلب، بل تشهد أيضاً سباقاً عالمياً لبناء احتياطيات استراتيجية أكبر وأكثر أماناً. وإذا كانت المخزونات قد أدت دور صمام الأمان الذي امتص صدمة هرمز ومنع استمرار ارتفاع الأسعار على فترة أطول، فإن إعادة بناء الاحتياطيات قد تتحول إلى المحرك الخفي الذي يدعم سوق النفط خلال السنوات المقبلة.
فإن عصر النفط المرن لا يعني انتهاء التقلبات أو تراجع أهمية النفط، بل يعكس نشوء معادلة جديدة أصبحت فيها المخزونات ركناً أساسياً في التسعير. فكما أدت دور صمام الأمان خلال أزمة هرمز، قد تتحول خلال عامي 2027 و2028 إلى أحد أهم المحركات الخفية للطلب واتجاهات الأسعار في السوق العالمية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق