7/14/2026

مذكرة تفاهم.. لا تنهي الحرب


الثلاثاء 29 محرم 1448هـ 14 يوليو 2026م

المقال
الرياض

لم تُنهِ مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران حالة المواجهة في المنطقة، كما لم تنهِ المخاطر التي تحكم أسواق النفط، فقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الاتفاقات الدبلوماسية، مهما بدت واعدة، لا تمنع عودة التصعيد العسكري، ولا توفر ضمانة دائمة لاستقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم. لذلك، سواء استمرت مذكرة التفاهم أم انتهت، يبقى أمن الإمدادات النفطية رهينة مزيج من الدبلوماسية والردع العسكري والرقابة البحرية.

وتكشف الأحداث الأخيرة حقيقة هذه المذكرة، بعد تبادل الضربات العسكرية بين واشنطن وطهران، على إثر هجمات استهدفت ثلاث سفن قبالة السواحل العُمانية، من بينها ناقلة غاز طبيعي مسال قطرية وناقلة نفط سعودية، ثم عودتها مجدداً مع مطلع الأسبوع. وقد أثارت تلك الهجمات قلقاً واسعاً بشأن أمن الإمدادات، ما دفع أسعار النفط للارتفاع بأكثر من 6 %، ليبلغ برنت 78.6 دولاراً، قبل أن يعود إلى 76 دولاراً بنهاية الأسبوع، وهو ما يعكس حساسية الأسواق تجاه أي اضطراب يطرأ على مضيق هرمز.

لم يعد المضيق ذلك الممر الآمن الذي اعتمدت عليه أسواق الطاقة لعقود طويلة، إذ إن تصاعد المخاطر الأمنية والنفوذ الإيراني في إدارة حركة الملاحة قلّصا مستوى الثقة بهذا الشريان الحيوي، ورغم استحالة الاستغناء عنه في المستقبل المنظور، فإن استمرار التوترات يدفع الدول المنتجة والمستهلكة إلى تسريع تطوير بدائل تقلل الاعتماد عليه، مع إدراك أن هذه البدائل لن تكون قادرة على تعويض كامل الكميات التي تعبره في المدى القريب.

ورغم أن تعزيز خطوط الأنابيب وممرات التصدير البديلة يشكل ضرورة استراتيجية، إلا إن ذلك يتطلب استثمارات ضخمة وفترات طويلة لتنفيذها. وحتى بعد إنجازها، ستبقى هذه المشاريع مكمّلة لدور المضيق، لا بديلاً عنه، ما يعني استمرار اعتماد العالم على هرمز بوصفه الشريان الرئيس لتجارة النفط العالمية.

كما تصاعدت المخاطر التشغيلية أمام ناقلات النفط، إذ يواجه المشغلون خيارات صعبة في تحديد مسارات العبور، حيث إن المسار الشمالي مرتبط بالمخاطر الإيرانية، بينما المسار الجنوبي لم يعد في منأى عن التهديدات رغم الوجود العسكري الدولي. ونتيجة لذلك، ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، وزادت حالة الحذر بين شركات النقل البحري، ما يضيف أعباء جديدة على تجارة الطاقة العالمية.

ولهذا طغت هذه المخاطر على جميع أساسيات السوق، بما في ذلك قرارات تحالف أوبك+ بزيادة الإنتاج تدريجياً. فالأسواق تدرك أن أي زيادة في الإمدادات لن تكون كافية لتعويض تعطل التدفقات عبر مضيق هرمز إذا تعرضت الملاحة لاضطرابات واسعة، وهو ما يجعل العامل الجيوسياسي أكثر تأثيراً من معادلات العرض والطلب في تحديد اتجاه الأسعار.

تؤكد هذه التطورات أن مذكرة التفاهم لا تنهي الحرب، بل تحدّ منها وقد تؤجلها، وتفتح حواراً لكنها لا تمنع هجمات بحرية تعيد المخاطر سريعاً، ما يبقي علاوة المخاطر في تسعير النفط. فإن استقرار السوق لا يقوم على السياسة أو القوة وحدها، بل بمزيج من الدبلوماسية والردع وحماية الملاحة وبدائل تصديرية، وإلا يبقى مضيق هرمز الأكثر حساسية لإعادة رسم الأسعار والإمدادات.

ليست هناك تعليقات:

الذكاء الاصطناعي.... معادلة الكفاءة والاستهلاك

بحلول عام 2050، سيكون الذكاء الاصطناعي قد أنتج ثروات هائلة، لكن أغلبنا لن يملك ما يشتريها. في سباق محموم نحو الإنتاجية، تتنافس الشركات على أ...