شهدت أسعار النفط هذا الأسبوع تقلبات حادة، عاكسةً حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية. ففي الوقت الذي قفزت فيه الأسعار بأكثر من 5% عقب تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، عادت للتراجع سريعًا بعدما ركز المستثمرون على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى أن طهران أبدت رغبتها في التوصل إلى اتفاق، ما خفف مؤقتًا من المخاوف بشأن تعطل الإمدادات.
وتؤكد هذه التحركات أن أسواق النفط لا تتفاعل مع الأحداث العسكرية فحسب، بل مع توقعات المتعاملين بشأن مستقبل تلك الأحداث. فالتصعيد العسكري يرفع علاوة المخاطر الجيوسياسية ويدفع الأسعار إلى الارتفاع، بينما تؤدي مؤشرات التهدئة أو استئناف المفاوضات إلى تقليص تلك العلاوة وإعادة الأسعار إلى التراجع.
ورغم انخفاض الأسعار في نهاية الأسبوع، فإن المخاطر لم تختفِ. فقد أعادت الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران القلق بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. وأي تهديد لحركة الناقلات أو تعطيل للصادرات الخليجية كفيل بإعادة إشعال موجة صعود جديدة في الأسعار.
كما أن إلغاء الولايات المتحدة الترخيص الذي كان يسمح بإنتاج وبيع النفط الإيراني يضيف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين، إذ قد يؤدي تشديد العقوبات إلى تقليص المعروض العالمي إذا استمرت الأزمة، في حين سارعت إيران إلى زيادة صادراتها قبل أي قيود جديدة، في محاولة لتخفيف أثر أي حصار محتمل.
وفي المقابل، يرى المستثمرون أن جميع الأطراف تدرك التكلفة الاقتصادية والسياسية لأي مواجهة طويلة، وهو ما يفسر سرعة تراجع الأسعار بعد تصريحات ترامب حول إمكانية التوصل إلى اتفاق، رغم استمرار العمليات العسكرية. وهذا يعكس أن الأسواق أصبحت تتعامل مع التطورات السياسية بالقدر نفسه الذي تتعامل به مع التطورات الميدانية.
وبالتالي، فإن اتجاه أسعار النفط خلال الفترة المقبلة سيظل رهينة ثلاثة عوامل رئيسة: مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية، ومستوى أمن الملاحة في مضيق هرمز، وحجم الإمدادات الفعلية القادمة من دول الخليج وإيران. وإذا استمرت الهجمات على السفن أو تعثرت الجهود الدبلوماسية، فقد تعود علاوة المخاطر الجيوسياسية للارتفاع مجددًا، أما إذا نجحت الاتصالات السياسية في احتواء الأزمة، فمن المرجح أن تتراجع تلك العلاوة تدريجيًا، لتعود أساسيات السوق المتمثلة في العرض والطلب إلى قيادة حركة الأسعار.
وبذلك، يبدو أن النفط لا يعيش أزمة نقص في الإمدادات بقدر ما يعيش أزمة ثقة؛ فكل تصريح سياسي أو تطور عسكري أصبح قادرًا على تغيير توقعات المستثمرين خلال ساعات، وهو ما يجعل التقلبات السمة الأبرز لأسواق النفط في المرحلة الحالية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق