د. فهد محمد بن جمعة
لم يعد التهديد بإغلاق مضيق هرمز مجرد رسالة سياسية عابرة، أو ورقة ضغط عسكرية تقليدية في يد إيران؛ بل تحوّل إلى ما يشبه امتلاك "قنبلة اقتصادية" نووية، قد تنفجر في وجه من يستخدمها قبل أن تحقق أي مكاسب ميدانية أو سياسية. فالمضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إلى جانب كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال، يُعتبر شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي. وأي تعطيل لحركة الملاحة فيه لن يمسّ الدول المستهلكة وحدها، بل سيطال جميع الأطراف المرتبطة بهذا الممر الاستراتيجي، وفي مقدمتها إيران نفسها.
صحيح أن أي اضطراب في المضيق سيُحدث قفزة فورية في أسعار النفط خلال الأيام الأولى، إلا أن التجارب الأخيرة أثبتت أن الأسواق العالمية باتت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مما كانت عليه قبل عقود. فقد عززت الدول المستهلكة احتياطياتها الاستراتيجية من النفط الخام، ورفعت الدول المنتجة خارج منطقة الخليج طاقتها الإنتاجية، كما توسعت شبكات خطوط الأنابيب البديلة التي تتجاوز المضيق، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق-غرب السعودي الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر، إلى جانب خطوط في الإمارات والعراق تقلل الاعتماد النسبي على هرمز. ومع مرور الوقت، تبدأ الأسواق في التكيف وإعادة التوازن، بينما تبقى كلفة المواجهة الاقتصادية مرتفعة بشكل غير متناسب على الدولة التي تسببت في الأزمة.
وفي المقابل، تعتمد طهران بدرجة كبيرة على استمرار حركة الملاحة لتصدير نفطها والحفاظ على ما تبقى من مواردها المالية في ظل عقوبات خانقة. ولذلك، فإن تحويل المضيق إلى ساحة مواجهة مفتوحة قد يؤدي إلى فرض قيود أشد على صادراتها، وتشديد العقوبات الدولية، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري، فضلاً عن احتمال استهداف البنية العسكرية التي تستخدمها في تعطيل الملاحة. وهذا يجعل الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي ستتكبدها إيران أكبر بكثير من أي مكاسب سياسية أو تفاوضية متوقعة.
ومن الناحية العسكرية، يبدو من الصعب تصور أن يسمح المجتمع الدولي باستمرار إغلاق أحد أهم الممرات البحرية في العالم لفترة طويلة. فالولايات المتحدة والقوى البحرية الكبرى تعتبر حرية الملاحة جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، كما أن كبار مستوردي الطاقة في آسيا وأوروبا يعتمدون على استمرار تدفق الإمدادات دون انقطاع. ولهذا السبب، فإن أي تعطيل واسع للمضيق قد يدفع إلى تشكيل تحالفات بحرية أوسع، وزيادة الوجود العسكري، وتنفيذ عمليات فعلية لإعادة فتح الممر، مما يرفع احتمالات التصعيد العسكري الذي لا تحمد عقباه.
علاوة على ذلك، لم تعد دول الخليج العربية تعتمد على مضيق هرمز وحده كما كان الحال قبل عقود. فقد استثمرت مليارات الدولارات في تطوير خطوط أنابيب بديلة، وموانئ على البحر الأحمر وبحر العرب، بهدف تقليل المخاطر الجيوسياسية وضمان استمرار الصادرات حتى في أوقات الأزمات. ورغم أن هذه البدائل لا تستطيع تعويض كامل الكميات المارة عبر المضيق، إلا أنها تقلص بشكل كبير من قدرة أي طرف على استخدام هرمز كورقة ضغط مطلقة وفعالة.
وتكشف التطورات الأخيرة عن تحول جوهري في معادلة الطاقة العالمية؛ فبعد أن كان إغلاق المضيق يُنظر إليه باعتباره تهديداً قادراً على شل الاقتصاد العالمي، أصبح يُنظر إليه اليوم كخيار محفوف بتكاليف باهظة على جميع الأطراف، وعلى إيران بصورة خاصة. فكلما زادت البدائل، وارتفعت المخزونات النفطية، وتحسنت مرونة الأسواق، تراجعت الفعالية الاستراتيجية لهذا السلاح الاقتصادي.
لهذا فإن تشبيه إغلاق مضيق هرمز بـ"القنبلة النووية" لا يتعلق بحجم الدمار المادي، بل بطبيعة الأثر المرتد والموجات المتلاحقة التي يُطلقها. فكما أن الإشعاع النووي يصعب احتواؤه بعد انفجاره، فإن تعطيل أهم ممر للطاقة في العالم يُطلق سلسلة من التداعيات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي تتجاوز قدرة أي طرف على السيطرة عليها. وعندها قد تتحول الورقة التي يُراد بها ردع الخصوم إلى سبب رئيس في استنزاف من استخدمها، لتصبح "قنبلة هرمز" سلاحاً يهدد صاحبه بقدر ما يهدد الآخرين، بل ربما أكثر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق