الثلاثاء 8 محرم 1448هـ 23 يونيو 2026م
المقال
الرياض
شهدت أسواق النفط خلال الأيام الأخيرة تحولًا ملحوظًا في توجهات المستثمرين، بعدما تراجعت أسعار برنت إلى ما دون 80 دولارًا للبرميل للمرة الأولى منذ مارس 2026، في إشارة إلى تراجع المخاوف المرتبطة بنقص الإمدادات العالمية. غير أن الصورة الحالية قد لا تعكس بالضرورة ما ستكون عليه السوق بعد انتهاء مهلة 60 يومًا المنصوص عليها في مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران.
وارتفعت أسعار النفط بنحو 0.9 % يوم الجمعة، لكنها أنهت الأسبوع على خسائر كبيرة؛ إذ تراجع برنت 6.76 دولارَا أو 8 % إلى 80.57 دولارًا للبرميل، بينما انخفض غرب تكساس 8.37 دولارَا أو 10 % إلى 76.51 دولارًا. وهذا الأداء يعكس حالة ترقب محادثات السلام وتأخر وصول الوفود إلى سويسرا، ما أبقى السوق بين واقع نقص الإمدادات الحالي وتوقعات عودتها خلال الفترة المقبلة.
ورغم هذا التراجع السعري، إلا إن المؤشرات الأساسية مازالت أكثر تشددًا مما توحي به الأسعار. فقد أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية انخفاض مخزونات النفط التجارية بمقدار 8.3 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 12 يونيو 2026، وتراجع مخزونات البنزين بنحو 0.9 مليون برميل، مقابل ارتفاع مخزونات المشتقات الوسطى بمليون برميل، مما يشير إلى استمرار الطلب على المنتجات النفطية.
وخلال أقل من شهر، فقد برنت أكثر من 33 % من قيمته متراجعًا من نحو 120 دولارًا إلى قرابة 79 دولارًا للبرميل، نتيجة تحول توقعات الأسواق من الخوف من نقص المعروض إلى الرهان على عودة الإمدادات بعد إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الصادرات الإيرانية. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن نحو 20 % من تجارة النفط العالمية تمر عبر المضيق.
كما إن تقديرات وكالة الطاقة الدولية تشير إلى انخفاض المخزونات العالمية المرصودة بمقدار 143 مليون برميل خلال مايو وحده، بمتوسط سحب يومي بلغ 3.8 ملايين برميل منذ بداية الأزمة، ما يعكس استمرار الضغوط على الإمدادات. كما تتوقع الوكالة أن يبلغ المعروض العالمي 102.4 مليون برميل يوميًا خلال 2026 قبل أن يرتفع إلى 110.3 ملايين برميل يوميًا في 2027.
وتتعامل الأسواق بحذر مع الاتفاق الأمريكي الإيراني، إذ تترقب استكمال الترتيبات الأمنية في مضيق هرمز وإزالة الألغام البحرية. ويرى محللون أن عودة التدفقات النفطية إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق أسابيع أو أشهرًا، خاصة في ظل انخفاض المخزونات العالمية. كما يبرز احتمال فرض إيران رسوم عبور على السفن بعد انتهاء المهلة، وهو ما قد يرفع تكاليف النقل والتأمين ويعيد جزءًا من علاوة المخاطر إلى الأسعار.
في الوقت نفسه، تستعد الأسواق لاستقبال نحو 62 مليون برميل من النفط العالق في الخليج على متن 36 ناقلة، وفق بيانات سيجنال، إلا أن العديد من الدول الآسيوية كانت قد أمّنت احتياجاتها لشهري يونيو ويوليو من مصادر بديلة، ما قد يحد من تأثير هذه التدفقات على الأسعار.
وتكمن أهمية المرحلة المقبلة في أن الشرق الأوسط لم يصدّر النفط منذ أربعة أشهر، ما أدى إلى فقدان نحو 1.15 مليار برميل من الإمدادات العالمية وفق تقديرات "كيبلر". لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما يحدث اليوم، بل ما سيحدث بعد انتهاء مهلة 60 يومًا. فإذا عادت الصادرات الإيرانية بكامل طاقتها وزادت أوبك+ إنتاجها، فقد تتعرض الأسعار لمزيد من الضغوط الهبوطية. أما إذا تعثرت الترتيبات الأمنية أو فُرضت رسوم عبور جديدة، فقد تستعيد الأسعار جزءًا مهمًا من علاوة المخاطر التي فقدتها خلال الأسابيع الأخيرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق