4/08/2026
د. فهد محمد بن جمعة
يمثل وقود الطيران المستدام (SAF) أحد أهم الأدوات لتحقيق الحياد الكربوني في قطاع الطيران، إلا أن التحليل الاقتصادي يشير إلى أنه، في المستقبل المنظور، لن يكون بديلاً كاملاً للوقود التقليدي، بل مكملاً استراتيجياً له. ويعود ذلك إلى الفجوة السعرية الكبيرة بين النوعين، والتي تحد من قدرته التنافسية رغم مزاياه البيئية الواضحة.
وتتراوح تكلفة إنتاج وقود الطيران المستدام بين 3.71 و5.72 دولارًا للجالون، مقابل نحو0.60 دولار للوقود التقليدي، فيما قد تصل تكلفة الوقود الاصطناعي المنتج من الهيدروجين الأخضر وثاني أكسيد الكربون إلى أكثر من10 أضعاف تكلفة الوقود الأحفوري. وتشير التقديرات إلى أن التكافؤ السعري لن يتحقق قبل عام 2050، حتى مع انخفاض تكلفة الكهرباء المتجددة وتطور التقنيات.
تقتصر المعايير الدولية على مزج وقود الطيران المستدام مع التقليدي بنسبة تصل إلى 50%، رغم قدرته على خفض الانبعاثات 35-80%، ويواجه التوسع تحديات استثمارية، إذ تتراوح تكلفة المصنع بين 200-500 مليون دولار، وفترة استرداد 15 عاماً، مما يجعله حساساً لتقلبات النفط. ويتضاعف التحدي لشركات الطيران التي يشكل الوقود 25-35% من تكاليفها، بينما هوامش أرباحها لا تتجاوز 3-5%.
تمتلك السعودية مزايا تنافسية قد تمنحها موقعاً متقدماً في هذه الصناعة. فتكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، التي تعد من بين الأدنى عالمياً، تخفض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهو عنصر أساسي سواء في معالجة المواد الأولية أو في تقنية الطاقة السائلة (Power-to-Liquid) لإنتاج الوقود الاصطناعي منخفض الانبعاثات.
وتجسد هذه المزايا مشاريع استراتيجية، أبرزها مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر باستثمارات تبلغ8.4 مليار دولار، تعتمد على 4 جيجاواط من الطاقة المتجددة لإنتاج600 طن يوميًا من الهيدروجين الأخضر، وتحويله إلى نحو1.2 مليون طن سنويًا من الأمونيا الخضراء، مع بدء الإنتاج التجاري في2027 . كما يجري تطوير مشروع ينبع بطاقة إنتاجية تبلغ 400 ألف طن سنويًا بحلول 2030، بما يعزز مكانة المملكة كمركز عالمي للطاقة النظيفة.
ويعتمد مشروع أرامكو للوقود المستدام، الذي أُطلق بالشراكة مع توتال إنرجيز وسيرك في ديسمبر 2024، على تحويل زيوت الطهي المستعملة والدهون الحيوانية إلى وقود طيران مستدام، في نموذج قائم على الشراكات الاستثمارية والحوافز الاقتصادية، بخلاف النهج الأوروبي الذي يفرض نسب مزج متزايدة تصل إلى 70% بحلول 2050. ويمنح هذا النهج المملكة مرونة أكبر لبناء صناعة الوقود المستدام وفق اعتبارات الجدوى الاقتصادية، مع الاستفادة من وفرة الطاقة المتجددة وتطور قطاع التكرير.
وتعزز الحوافز الحكومية الجدوى الاقتصادية، إذ يقدم النموذج الأمريكي دعماً يصل إلى1.25 دولار لكل جالون من الوقود المستدام، إلا أن معظم التقديرات تشير إلى أنه سيظل أعلى تكلفة من الوقود التقليدي حتى منتصف القرن، مع توقع أن تتراوح حصته في سوق وقود الطيران بين10 و30% بحلول 20250.
وبناءً على ذلك، يبدو أن مستقبل وقود الطيران المستدام يتمثل في تكامله مع الوقود التقليدي ضمن مزيج طاقة أكثر استدامة، مع امتلاك السعودية ودول الخليج مقومات تؤهلها لقيادة هذه الصناعة، ليس فقط عبر الإنتاج، بل أيضًا من خلال تطوير التقنيات ونماذج الأعمال التي سترسم مستقبلها.