7/24/2026

أزمة النفط والوقود... تضخم عالمي

 24/07/2026

د. فهد محمد بن جمعة

 لا تكمن خطورة الصراع الأمريكي الإيراني في ارتفاع أسعار النفط فحسب، بل في انتقال الأزمة تدريجياً من مضيق هرمز إلى الاقتصاد العالمي عبر أسعار النفط والوقود والنقل. فكلما طال أمد المواجهة واتسعت المخاطر على طرق الملاحة البحرية، ارتفعت علاوة المخاطر في أسواق الطاقة، لتتحول من أزمة جيوسياسية إلى موجة تضخمية عالمية يصعب احتواؤها.

تعكس حركة الأسعار حجم هذا التحول؛ إذ ارتفع برنت إلى نحو 100 دولاراً للبرميل، وتجاوز غرب تكساس 90 دولاراً الخميس الماضي، وهي أعلى مستوياتها منذ منتصف يونيو، مع استمرار العمليات العسكرية وازدياد المخاوف بشأن أمن الإمدادات عبر مضيقي هرمز وباب المندب. ويعني ذلك ارتفاعاً بأكثر من 35% مقارنة بالمستويات التي سجلها النفط بعد تراجع التوترات في مطلع يوليو، ما يشير إلى أن السوق أعادت تسعير المخاطر الجيوسياسية بالكامل.


لا يمثل النفط سوى بداية سلسلة ارتفاع الأسعار، فكل زيادة 10 دولارات في النفط ترفع تكاليف النقل 5-25%، والكهرباء الصناعية 15-40%، وخام الحديد 11%. تنتقل الزيادات إلى أسعار الغذاء والسلع، مضافة 0.3% للتضخم. كما ترفع تغيير مسارات الناقلات وارتفاع التأمين تكاليف الشحن 13%، حتى دون نقص فعلي. وكل ذلك يحوّل أزمة النفط إلى موجة تضخمية شاملة.


فلم يعد ضعف الطلب العالمي قادراً على موازنة السوق كما حدث في الأشهر الأولى. فالصين خفضت وارداتها إلى أدنى مستوياتها منذ نحو عقد، بينما رفعت الولايات المتحدة إنتاجها إلى مستوى قياسي بلغ 13.93 مليون برميل يومياً، وهي عوامل ساعدت سابقاً على منع وصول الأسعار إلى مستويات 150 أو 200 دولار التي كانت تتوقعها بعض المؤسسات. لكن استمرار الحرب واستنزاف المخزونات يحدّان من قدرة هذه العوامل على كبح الأسعار مستقبلاً.


الأكثر إثارة للقلق أن أزمة الوقود قد تصبح أشد من أزمة النفط الخام نفسها. فقد تضررت طاقات التكرير في الشرق الأوسط، وتأثرت صادرات الديزل الروسية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود بوتيرة أسرع من ارتفاع النفط. وتشير البيانات إلى أن أسعار البنزين ارتفعت بنحو 32% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، بينما ارتفع النفط الأمريكي بنحو 18% فقط، وهو فارق يعكس اختناقات في سوق المنتجات المكررة وليس في الخام وحده.


وتنعكس هذه التطورات مباشرة على التضخم العالمي. فقد قدرت بلاك روك أن استمرار صدمة الطاقة قد يضيف نحو 0.8% إلى معدل التضخم العالمي، بينما ترى مؤسسات مالية أن أوروبا وآسيا ستكونان الأكثر تأثراً بسبب اعتمادهما الكبير على واردات الطاقة. وفي حال استمرار ارتفاع أسعار النفط، قد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بما يضغط على الاستثمار والإنفاق والاستهلاك، ويبطئ وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، حيث تشير التقديرات إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر البرميل قد تخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 0.15-0.2%.


وفي ضوء هذه المؤشرات، لم تعد الأسواق تراقب تطورات الحرب باعتبارها حدثاً سياسياً فقط، بل عاملاً يعيد تشكيل معادلة النمو والتضخم عالمياً. فكلما استمرت المواجهة، تقلصت قدرة المخزونات على امتصاص الصدمات، وازدادت احتمالات دخول الاقتصاد العالمي مرحلة تضخم جديدة تقودها الطاقة، لا الطلب، وهي بيئة تُعد الأكثر صعوبة أمام صناع السياسات النقدية والمالية.


ليست هناك تعليقات:

علاوة النفط في تصاعد

 25/07/2026 د. فهد محمد بن جمعة شهدت أسواق النفط أسبوعاً جديداً من المكاسب، مواصلةً ارتفاعها للأسبوع الرابع على التوالي، في إشارة إلى أن علا...