25/07/2026
د. فهد محمد بن جمعه
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض لتحقيق انتصار عسكري فقط، بل أصبحت وسيلة لإعادة تشكيل موازين الاقتصاد والنفوذ. فالقوة العسكرية قد تفرض واقعاً جديداً على الأرض، لكن المكاسب الحقيقية غالباً ما تتحقق عبر السيطرة على الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وتدفقات رؤوس الأموال. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل ما تشهده المنطقة اليوم تحركه اعتبارات اقتصادية، أم أنه صراع أوسع هدفه إعادة رسم موازين السيطرة؟
أزمة الشرق الأوسط في عام 2026 تقدم نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة. فمع تصاعد التوترات، قفزت أسعار النفط بفعل المخاوف من تعطل الإمدادات، وارتفعت العلاوة الجيوسياسية، بينما شهدت أسواق الطاقة والمال تقلبات حادة. وفي المقابل، ارتفعت تكاليف التأمين البحري ورسوم الشحن، واضطرت شركات النقل العالمية إلى إعادة توجيه عدد من سفنها بعيداً عن الممرات عالية المخاطر، الأمر الذي انعكس على تكاليف التجارة العالمية، وأسعار السلع، وسلاسل الإمداد.
ولم يكن النفط وحده محور التأثير، بل أصبحت الممرات البحرية نفسها جزءاً من معادلة القوة. فمضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد طرق لعبور التجارة، بل تحولت إلى أدوات ضغط جيوسياسي تؤثر في حركة الطاقة والاقتصاد العالمي. وكلما ارتفعت المخاطر في هذه الممرات، ارتفعت معها كلفة النقل والتأمين، واستفادت قطاعات الشحن والخدمات اللوجستية والتأمين والصناعات الدفاعية من بيئة يسودها عدم اليقين.
وفي الوقت نفسه، تراجعت شهية المستثمرين تجاه المناطق المضطربة، واتجهت رؤوس الأموال إلى الأسواق الأكثر استقراراً، بينما ازداد الإنفاق على الأمن والدفاع وحماية البنية التحتية والمنشآت الحيوية. وهنا تظهر حقيقة اقتصادية تتكرر في معظم الأزمات؛ فكل دولار يُنفق على إعادة بناء الثقة والاستقرار، يسبقه إنفاق أكبر على إدارة المخاطر واحتواء آثار الصراع.
المشهد لا يعكس صراعاً بين طرفين فحسب، بل شبكة معقدة من المصالح. فالقوى الكبرى تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في أسواق الطاقة وخطوط التجارة العالمية، بينما تستخدم القوى الإقليمية أدواتها السياسية والعسكرية لتعزيز مواقعها التفاوضية وحماية مصالحها الاستراتيجية. وفي ظل هذا التشابك، تصبح الأزمات وسيلة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والسياسي أكثر من كونها مجرد مواجهات عسكرية.
ولهذا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس حرباً شاملة، ولا سلاماً دائماً، وإنما استمرار حالة من التوتر المحسوب، تضمن بقاء أوراق الضغط بيد جميع الأطراف، دون الوصول إلى مواجهة واسعة قد تخرج عن السيطرة. فهذه الحالة تمنح القوى الدولية والإقليمية مساحة لإدارة مصالحها، وتحافظ على أهمية الممرات البحرية وأسواق الطاقة في معادلة النفوذ العالمي.
إن ما يحدث اليوم يؤكد أن الاقتصاد لم يعد مجرد متأثر بالحروب، بل أصبح أحد أهم أدواتها. فالسيطرة على تدفقات الطاقة، وتأمين الممرات البحرية، والتأثير في حركة التجارة العالمية، أصبحت أهدافاً استراتيجية لا تقل أهمية عن تحقيق التفوق العسكري. ولذلك، فإن السؤال لم يعد: من يربح الحرب؟ بل: من يسيطر على الاقتصاد الذي تصنعه الحرب؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون المفتاح لفهم كثير من أزمات المنطقة اليوم، وربما شكل النظام الإقليمي والدولي في السنوات المقبلة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق