الثلاثاء 19 ربيع الأول 1448هـ 1 سبتمبر 2026م
المقال
الرياض
في تحول استراتيجي يعكس طموحات المملكة العربية السعودية لتنويع اقتصادها، تتجه أرامكو نحو التعدين باعتباره ركيزة صناعية ثالثة إلى جانب النفط والبتروكيماويا، ولا يمثل هذا التوجه ابتعاداً عن النفط، بقدر ما يعكس تطويرًا لدور الشركة في منظومة الطاقة والموارد الطبيعية، بما يجعلها لاعباً محورياً في استثمار الموارد المعدنية، وبناء قاعدة صناعية أكثر تنوعاً وتكاملاً.
وفي 18 أغسطس 2026، أُعلن عن مشروع مشترك بين أرامكو ومعادن، بحصة 49% لأرامكو و51% لمعادن، لاستكشاف النحاس والزنك والرصاص والعناصر الأرضية النادرة على مساحة 182 ألف كيلومتر مربع، وتستند أرامكو إلى مخزون ضخم من البيانات الجيولوجية المتراكمة على مدى 90 عاماً، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، بما يمكن أن يقلص زمن الاستكشاف من سنوات إلى أشهر، ويرفع كفاءة عمليات التنقيب ويخفض تكاليفها.
وتتعامل المملكة مع ثرواتها المعدنية باعتبارها محفظة استثمارية استراتيجية؛ فقد تجاوزت استثمارات قطاع التعدين 189.4 مليار ريال في عام 2025، فيما تُقدّر قيمة الثروة المعدنية بنحو 9.4 تريليون ريال، ويعكس ذلك التحول المتسارع في موقع التعدين داخل الاقتصاد الوطني، بالتوازي مع جهود استقطاب الاستثمارات والشراكات الدولية ونقل التقنيات وفتح أسواق تصديرية جديدة.
ويبرز النحاس بوصفه أحد أهم المعادن الاستراتيجية للمستقبل، نظراً لدوره في شبكات الكهرباء والمركبات الكهربائية وتخزين الطاقة ومشروعات الطاقة المتجددة، وتشير التوقعات إلى نمو الطلب العالمي عليه بنحو7 ملايين طن إضافية حتى عام 2040، مدفوعاً بالتوسع في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما يحول المعادن من مجرد مواد خام إلى مدخل أساسي لصناعات المستقبل.
وفي تطور موازٍ، أعلنت أرامكو ومعادن عن خطاب نوايا غير ملزم للتخطيط لمشروع مشترك للتنقيب عن المعادن المرتبطة بتحوّل الطاقة، وعلى رأسها الليثيوم، وقد حددت أرامكو تركيزات واعدة من الليثيوم تتجاوز 400 جزء في المليون، مع توقع بدء الإنتاج التجاري بحلول عام 2027، ومن شأن هذا المشروع تلبية الطلب المحلي المتوقع على الليثيوم، والذي سينمو عشرين ضعفاً بين 2024 و2030، بما يلبي احتياجات 500 ألف بطارية سيارة كهربائية و110 جيجاوات من الطاقة المتجددة.
وتمتلك المملكة أكثر من 45 نوعاً من المعادن، بقيمة تقديرية للعناصر النادرة تبلغ 375 مليار ريال، واحتياطيات نحاس 3.87 مليون طن، وزنك 5.24 مليون طن، وذهب يتجاوز 100 مليون أونصة، وقد حققت المملكة قفزة في الجاذبية الاستثمارية، إذ صنفت ضمن أفضل 10 وجهات عالمياً باستطلاع «فريزر» 2025، بعد أن كانت في المرتبة 104 عام 2013، وتصدرت عالمياً في وضوح الأنظمة والضرائب، وتطمح لأن تكون ضمن الخمس الكبرى منافسة لأستراليا وكندا.
ورغم بقاء النفط ركيزة أساسية للاقتصاد السعودي لعقود مقبلة، فإن التعدين مرشح ليصبح العمود الفقري الجديد للصناعة.، وتكمن المعادلة الأهم في الانتقال من استخراج الخام إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة تشمل التعدين والمعالجة والتكرير والتصنيع، بما يعزز المحتوى المحلي، ويقلل مخاطر سلاسل الإمداد، ويرفع القيمة المضافة، ومع استهداف رفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي إلى 300 مليار ريال بحلول 2030، تتشكل ملامح أرامكو جديدة، كشركة طاقة ومعادن رائدة، في نموذج اقتصادي يحوّل الموارد إلى منتجات ذات قيمة مضافة، ويعزز التنافسية، ويجسد ملامح رؤية 2030.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق