د. فهد محمد بن جمعة 13-09-2026م
من فيينا، جاءت الرسالة السعودية واضحة بأن المملكة
ماضية في تطوير برنامجها النووي السلمي بشفافية، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين،
ومن دون حاجة إلى العمل في الظلام أو خلف الأبواب المغلقة. وأكد الأمير عبدالعزيز
بن سلمان أن الطموح السعودي لا يحتاج إلى أقنعة أو مخابئ تحت الجبال، في إشارة إلى
أن المملكة تتعامل مع مشروعها النووي باعتباره خيارًا استراتيجيًا معلنًا، وليس
نشاطًا تسعى إلى إخفائه عن المجتمع الدولي.
البرنامج النووي السعودي ليس مشروعًا منفصلًا عن التحول
الاقتصادي، ولا يقتصر على إنتاج الكهرباء وتلبية الطلب المحلي المتزايد على
الطاقة. فهو جزء من منظومة متكاملة تستهدف تنويع مزيج الطاقة وتعظيم القيمة
الاقتصادية للموارد الوطنية. ومع زيادة الاعتماد على مصادر متنوعة لتوليد
الكهرباء، يمكن توجيه كميات أكبر من النفط إلى التصدير والصناعات التحويلية
والبتروكيماوية، بما يرفع القيمة المضافة ويعزز العائد الاقتصادي من كل مورد.
وتزداد أهمية الطاقة النووية مع ارتفاع الطلب العالمي
على الكهرباء، مدفوعًا بالنمو الصناعي والتوسع التقني ومراكز البيانات والذكاء
الاصطناعي. وفي هذه البيئة، لم تعد وفرة الطاقة وحدها كافية، بل أصبحت الموثوقية
والاستقرار واستمرارية الإمدادات وتنوع المصادر عناصر أساسية في دعم النمو
الاقتصادي وجذب الاستثمارات. ومن هنا يأتي النووي السعودي إلى جانب النفط والغاز
والطاقة المتجددة، ضمن مزيج متنوع يستهدف تلبية احتياجات اقتصاد يتوسع ويتحول
بسرعة.
ولا تتوقف الطموحات السعودية عند إنشاء المفاعلات، بل
تمتد إلى الموارد التي يمكن أن تدعم بناء صناعة نووية متكاملة. فقد كشف الأمير
عبدالعزيز بن سلمان عن اكتشاف 110 ملايين طن من الخام الذي يحتوي على تركيزات من
اليورانيوم في منطقة المدينة المنورة. كما تمضي المملكة في استكشاف اليورانيوم
وتطوير طرق الاستفادة منه، بما في ذلك استخراجه المصاحب لعمليات تصنيع الأسمدة،
بما يعزز الاستفادة الاقتصادية من الموارد الوطنية.
وتستهدف المملكة إضافة نحو 17 غيغاواط من الطاقة النووية
بحلول عام 2040، وهو هدف يتجاوز بناء المفاعلات إلى تأسيس منظومة متكاملة من
القدرات الوطنية. ويتطلب ذلك تطوير الكفاءات البشرية، والقدرات الهندسية
والصناعية، وسلاسل الإمداد، والبنية التنظيمية، ومراكز البحث والتطوير. ولذلك فإن
البرنامج النووي يمثل أيضًا مشروعًا لبناء المعرفة وتوطين التقنية وتأهيل الخبرات
السعودية، بما يتيح للمملكة امتلاك قدرات مستدامة تتجاوز مرحلة إنشاء المفاعلات
وتشغيلها.
ويمثل التعاون الدولي محورًا رئيسيًا في المسار السعودي،
خصوصًا من خلال اتفاقية "المادة 123" للاستخدامات السلمية مع الولايات
المتحدة واتفاقية الضمانات الثنائية. وتوفر هذه الأطر أساسًا لشراكة طويلة الأمد
في التكنولوجيا والاستثمار ونقل المعرفة وتطوير الكفاءات، إلى جانب تصميم
المفاعلات وبنائها وتشغيلها وصيانتها وتأمين الوقود. كما تفتح المجال أمام الشركات
الأمريكية المتخصصة للمشاركة في السوق السعودية، بما يعزز فرص نقل الخبرة وبناء
قاعدة صناعية وتقنية محلية.
ويحمل ملف الوقود النووي أهمية خاصة في الرؤية السعودية،
إذ يتيح إطار التعاون بحث إمكانية إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل المملكة،
بالاستفادة من الموارد المحلية. ويمهد ذلك، من حيث المبدأ، لبناء سلسلة قيمة تبدأ
من التعدين والاستكشاف وتمتد إلى معالجة الموارد وإنتاج الوقود النووي. وتعكس هذه
الرؤية توجهًا يتجاوز شراء التكنولوجيا وتشغيل المفاعلات، نحو تطوير قدرات محلية
أوسع، مع استمرار البرنامج ضمن الأطر الدولية والضوابط المرتبطة بالاستخدامات
السلمية.
ويمثل البرنامج النووي السعودي سوقًا استراتيجية واعدة
أمام شركات التكنولوجيا النووية، وفي مقدمتها ويستنغهاوس، للمشاركة في مشاريع بناء
المفاعلات وتوفير خدمات التشغيل والصيانة وإمدادات الوقود. وتكتسب هذه الشراكات
أهمية لأنها لا تقتصر على تنفيذ المشاريع، بل يمكن أن تشمل نقل المعرفة وتطوير
الكفاءات وبناء سلاسل إمداد محلية. وفي المقابل، تستفيد المملكة من الخبرات
الدولية لتسريع تطوير قدراتها النووية والصناعية وفق المعايير والاشتراطات المعمول
بها.
إن الرسالة السعودية أكبر من مجرد إنتاج الكهرباء أو
إضافة مصدر جديد إلى شبكة الطاقة. المملكة تريد استثمار مواردها المتنوعة، من
النفط والغاز إلى اليورانيوم والمعادن والطاقة المتجددة، وتحويلها إلى قيمة
اقتصادية وصناعية مستدامة. والهدف هو بناء منظومة طاقة أكثر تنوعًا وقدرة على دعم
النمو الصناعي والتقني، بالتوازي مع تطوير قاعدة معرفية وهندسية وطنية تجعل من
البرنامج النووي جزءًا من مسار أوسع للتنويع الاقتصادي.
ومن فيينا جاءت الرسالة بلا غموض، فالسعودية لا تخفي
طموحها النووي ولا ترى حاجة إلى ذلك، بل تضع مشروعها أمام العالم ضمن شراكات دولية
وأطر معلنة ورؤية اقتصادية طويلة المدى. وبينما يدور الحديث عن المفاعلات
واليورانيوم والوقود والتقنية، تتشكل صورة أوسع لمشروع يريد تعزيز أمن الطاقة
وتطوير الصناعة ودعم الاقتصاد. لذلك فإن النووي السعودي ليس مشروعًا خلف الجبال،
بل مشروع فوق الجبال، واضح الأهداف ومعلن الطموح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق