9/05/2026

مجاعة النفط الإيراني


05-09-2026

د. فهد بن جمعة

دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة يمكن وصفها بـمجاعة النفط، بعدما تحولت أزمة تصدير الخام إلى أزمة عملة ونقد أجنبي ومعيشة. فالمشكلة لم تعد في قدرة إيران على إنتاج النفط، بل في قدرتها على تصديره وتحويل عائداته إلى دولارات، في ظل العقوبات الأمريكية والقيود على حركة الناقلات وقنوات التمويل والشحن.

وتكشف بيانات الشحن حجم الاختناق؛ إذ تراجعت الصادرات الإيرانية إلى نحو 260 ألف برميل يوميًا في أغسطس 2026، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يوميًا في أغسطس 2025، وبأكثر من النصف عن يوليو، بعدما كانت تقترب من مليوني برميل يوميًا في مارس. ويعني ذلك فجوة تصديرية ضخمة تضغط مباشرة على إيرادات الدولة من العملة الصعبة. ورغم تأكيد طهران استمرار الإنتاج ومحاولاتها الالتفاف على القيود، فإن الفارق بين الإنتاج والقدرة على الوصول إلى الأسواق أصبح أكثر وضوحًا.

وتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار النفط العالمية؛ إذ اقترب خام برنت من 100 دولار للبرميل، مدفوعًا بالمخاوف من اضطراب الإمدادات والتوترات العسكرية. لكن ارتفاع السعر العالمي لا يعوض إيران عن فقدان قدرتها على تصدير النفط وتحصيل عائداته بحرية.

وتنتقل الصدمة سريعًا إلى العملة والأسعار. فقد تراجع الريال الإيراني بنحو 60% منذ بداية الحرب في السوق الموازية، متجاوزًا 2.2 مليون ريال للدولار، بينما بلغ التضخم السنوي نحو 69.9%، ووصل تضخم الغذاء إلى 128%. كما انخفضت التجارة الخارجية بنحو 35%، وفق تصريحات إيرانية، في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبة متزايدة في توفير السيولة والعملات الأجنبية لتمويل الواردات.

ولا تتوقف الأزمة عند النفط والتجارة؛ فالقطاع المصرفي والموازنة العامة يضيفان ضغوطًا داخلية إلى العقوبات الخارجية. كما تواجه إيران أزمة وقود رغم كونها منتجًا كبيرًا للنفط، بسبب محدودية قدرات التكرير، ما يضطرها إلى استيراد البنزين واستنزاف احتياطياتها من النقد الأجنبي.

وتدفع هذه التطورات الاقتصاد نحو ما يشبه اقتصاد البقاء؛ تقنين بعض السلع، تقييد الوصول إلى العملات الأجنبية، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، في وقت ترتفع فيه تكاليف الغذاء والسكن بوتيرة تفوق نمو الدخول.

وهنا تكمن جوهر مجاعة النفط؛ إنتاج النفط لا يحقق قيمته الاقتصادية بمجرد استخراجه، وإنما عندما يمكن تصديره وتحويل عائداته إلى نقد أجنبي قابل للاستخدام. وإذا استمر اختناق الصادرات، فقد تتحول أزمة النفط من أزمة إيرادات إلى أزمة اقتصادية شاملة، تُضعف قدرة الدولة على تمويل الواردات والإنفاق، وتزيد الضغوط المعيشية والاجتماعية. وحتى انتهاء الأعمال العسكرية لن يعني بالضرورة عودة الأموال سريعًا؛ فإعادة بناء قنوات الشحن والتأمين والتمويل والمراسلة المصرفية قد تستغرق وقتًا، ما يجعل التعافي الاقتصادي الإيراني أطول وأصعب من مجرد وقف الحرب.

ليست هناك تعليقات:

الجيوسياسة.. التأثير الأعمق

06-09-2026 د. فهد مجمد بن جمعة لم تعد أسعار النفط تتحرك وفق معادلة العرض والطلب التقليدية وحدها، بل أصبحت العوامل الجيوسياسية قادرة على ...