7/21/2026

الإيرادات العامة.. حوكمة واستدامة

الثلاثاء 7 صفر 1448هـ 21 يوليو 2026م

المقال
الرياض
تمثل كفاءة الإيرادات العامة إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الاستدامة المالية وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، إذ لم يعد تطوير منظومة تحصيل الإيرادات وإدارتها مجرد إجراء تنظيمي، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا يرسخ الاستقرار المالي ويدعم التنويع الاقتصادي، ويجسد نظام إيرادات الدولة المحدث هذا التوجه من خلال تأسيس مرحلة جديدة في إدارة الإيرادات العامة، تقوم على الحوكمة والشفافية والكفاءة، بما يعزز نمو الإيرادات غير النفطية ويواكب التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة.

وقد مهدت المملكة لهذا التحول عبر برنامج الاستدامة المالية، الذي انطلق عام 2016 تحت مسمى برنامج التوازن المالي، وأسهم في ترسيخ الانضباط المالي، وتطوير التخطيط متوسط وطويل الأجل، وتنويع مصادر الدخل، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، ومع استكمال البرنامج مستهدفاته، أصبحت الاستدامة المالية جزءًا أصيلًا من منهجية العمل الحكومي، لتأتي الأنظمة والتشريعات الجديدة، وفي مقدمتها نظام إيرادات الدولة، امتدادًا عمليًا لهذه المرحلة، وتحولًا من برامج الإصلاح إلى مؤسسات مستدامة.

ولا يقتصر النظام على تنظيم إجراءات تحصيل الإيرادات، بل يقدم إطارًا متكاملًا يشمل تقدير الإيرادات العامة وإدارتها وتنميتها ومتابعتها وفق منظور يمتد لعشر سنوات، مع تحديد واضح للأدوار والمسؤوليات بين الجهات الحكومية. ويسهم ذلك في توحيد الإجراءات، والحد من تداخل الاختصاصات، ورفع كفاءة الأداء المالي، وتحسين دقة تقديرات الإيرادات، بما يعزز جودة التخطيط المالي واستقرار المالية العامة. كما يرفع النظام كفاءة التحصيل عبر إجراءات واضحة ومرنة تعزز الامتثال للمستحقات الحكومية، مع المحافظة على حقوق الخزينة العامة. ويمنح ديون الدولة أولوية في السداد، ويلزم الجهات الحكومية بالإبلاغ عن المخالفات المالية خلال ثلاثين يومًا، بما يعزز الرقابة ويحد من الهدر المالي. وفي الوقت ذاته، يتيح حلولًا تنظيمية مثل تقسيط بعض المستحقات وفق ضوابط محددة، بما يحقق توازنًا بين حماية المال العام واستمرارية الأنشطة الاقتصادية.

ومن أبرز التحولات التي يجسدها النظام انتقاله من التركيز على التحصيل إلى بناء ثقافة مؤسسية قائمة على الأداء والنتائج، إذ يربط تنمية الإيرادات بحوافز مالية للجهات الحكومية والعاملين فيها، بما يشجع على الابتكار، وتحسين الخدمات، وتنمية الموارد الذاتية. كما يعزز وضوح المسؤوليات والإجراءات، ويرفع مستويات الانضباط المالي والمساءلة، ويزيد من ثقة المستثمرين والقطاع الخاص في البيئة التنظيمية، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على تنافسية الاقتصاد الوطني. وتتجاوز آثار النظام الجانب المالي، إذ تسهم استدامة الإيرادات في منح الحكومة مرونة أكبر لتمويل المشروعات التنموية والخدمات الأساسية دون الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية أو أدوات التمويل قصيرة الأجل. كما تعزز قدرة المالية العامة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، وتوفر بيئة أكثر استقرارًا تشجع الاستثمار، وتدعم نمو القطاع الخاص بوصفه محركًا رئيسيًا للتنمية الاقتصادية.

ويمثل نظام إيرادات الدولة المحدث نقلة مؤسسية في إدارة الإيرادات العامة، تستكمل مسيرة الإصلاح المالي التي أرستها المملكة خلال السنوات الماضية. فمن خلال ترسيخ الحوكمة، وتعزيز التخطيط طويل الأجل، ورفع كفاءة التحصيل، وتنمية الإيرادات غير النفطية، يرسخ النظام أسس الاستدامة المالية، ويدعم مستهدفات رؤية 2030، ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستدام ومواجهة المتغيرات المستقبلية بكفاءة وثقة.

ليست هناك تعليقات:

الإيرادات العامة.. حوكمة واستدامة

الثلاثاء 7 صفر 1448هـ 21 يوليو 2026م المقال الرياض د. فهد محمد بن جمعة تمثل كفاءة الإيرادات العامة إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الاستدامة ال...