واشنطن وطهران... لعبة صفرية على حساب الخليج
د. فهد محمد بن جمعة
المقال:
تتجاوز الأزمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وطهران حدود الخلاف السياسي أو التفاوض على الملفات العالقة، لتأخذ أبعادا أوسع تقترب من مفهوم لعبة الصفر Zero-sum game، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب على حساب الطرف الآخر، دون أن تكون هناك مساحة كافية لتسوية تحقق مصالح متبادلة. لكن الإشكالية الأهم أن دول الخليج تجد نفسها في قلب هذه المواجهة، وتتحمل جانبا كبيراً من تكاليفها الأمنية والاقتصادية، رغم أنها ليست طرفاً في إشعالها.
وتكمن خطورة هذه المعادلة في أن أي تصعيد بين واشنطن وطهران لا يبقى محصوراً بينهما، بل يمتد أثره إلى أمن الخليج واستقرار المنطقة وحركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة. فالممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ليست أوراق ضغط سياسية لطرف بعينه، وإنما شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، وأي تهديد لها يرفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، ويضع اقتصادات دول المنطقة أمام مخاطر لا تخدم مصالحها.
وتظهر التجارب الأخيرة أن فاتورة هذه المواجهة لا تقتصر على الخسائر العسكرية، بل تشمل تعطيل الصادرات، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتضرر المنشآت الحيوية، وتراجع ثقة المستثمرين، فضلا عن الضغوط التي تواجهها الاقتصادات الخليجية في تنفيذ برامج التنويع الاقتصادي. وقد أشار المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الحرب أضعفت صورة الخليج بوصفه منطقة آمنة للاستثمار، ووضعت أهدافه الاقتصاد طويلة الأجل تحت ضغوط إضافية.
أما واشنطن وطهران، فإن استمرار سياسة تبادل الضغوط والتهديدات يضعهما أمام معادلة مكلفة، فالإدارة الأمريكية تسعى إلى فرض شروطها وإظهار قدرتها على حماية مصالحها، بينما تحاول طهران الاحتفاظ بأوراق الضغط الإقليمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز. وبين الحسابات السياسية والعسكرية للطرفين، تتحول دول الخليج إلى ساحة تتأثر بتداعيات قرارات لم تشارك في صنعها. وتشير التطورات الأخيرة إلى استمرار التحركات الدبلوماسية القطرية لاحتواء التصعيد، بالتزامن مع تجدد الضربات الأمريكية المحدودة على أهداف إيرانية.
المشكلة أن منطق لعبة الصفر لا ينتج بالضرورة منتصراً حقيقياً، حتى إذا تمكن أحد الطرفين من تحقيق مكاسب تكتيكية أو انتزاع تنازلات مؤقتة؛ لأن الخسائر الأمنية والاقتصادية قد تتجاوز المكاسب السياسية المتوقعة. كما أن استمرار المواجهة يهدد بإضعاف الثقة الدولية في استقرار المنطقة، ويدفع المستثمرين والشركات إلى إعادة تقييم مخاطر وجودهم وأنشطتهم فيها.
ومن هنا، فإن مصلحة دول الخليج لا تكمن في انتصار طرف على آخر، بقدر ما تكمن في إنهاء هذه المواجهة، واستعادة الأمن والاستقرار، وضمان حرية الملاحة والتجارة، واحترام سيادة الدول وعدم استخدام أراضيها أو منشآتها لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
إن المنطقة لا تحتاج إلى لعبة صفرية يكون فيها مكسب واشنطن خسارة لطهران، أو العكس، بينما تتحمل دول الخليج فاتورة الصراع. ما تحتاج إليه هو معادلة سياسية وأمنية تحقق المصالح المشتركة، وتفتح الطريق أمام التهدئة والتعاون والتنمية. فاستقرار الخليج ليس مكسباً لدولة وحدها، بل مصلحة للاقتصاد العالمي بأسره.
تعليقات