اقتصاد إيران... نحو الإفلاس
د. فهد محمد بن جمعة
المقال
ورغم امتلاك
إيران احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، فإن وفرة الموارد لم تتحول إلى قوة
اقتصادية مستدامة. فقد قيدت العقوبات تدفق الاستثمارات والتكنولوجيا، بينما أدى
ضعف البنية الاقتصادية والمالية إلى زيادة الضغوط على الموازنة والعملة والإنتاج.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: دولة غنية بالموارد، لكنها عاجزة عن تحويل هذه
الثروة إلى رفاه اقتصادي مستدام.
وتكشف الأرقام
المحدثة عمق الأزمة. فقد بلغ معدل التضخم السنوي في سبتمبر 2026 نحو 68.4%، وهو
أعلى مستوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بينما سجل التضخم نقطة بنقطة 83.8%،
وبلغ تضخم السلع 97.3% والخدمات 41.6%. وهذه المستويات تعني تآكلًا متسارعًا في
القوة الشرائية، وتحول التضخم إلى عبء مباشر على الأسر والنشاط الاقتصادي.
ويتوقع صندوق
النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% في 2026. كما فقد الاقتصاد
مليون وظيفة بشكل مباشر، مع وجود مليوني عاطل مباشر أو غير مباشر، فيما أصبح 3.5
مليون عامل معرضين للتأثر بتدهور القطاع الصناعي. وبذلك تنتقل الأزمة من مؤشرات
الاقتصاد الكلي إلى سوق العمل والدخل ومستوى المعيشة.
وفي الجانب
الاجتماعي، يتوقع البنك الدولي ارتفاع نسبة السكان تحت خط الفقر البالغ 8.30 دولار
يوميًا من 33.2% في 2024 إلى 38.8% في 2026، أي ما يعادل 34 مليون شخص إضافي
يلتحقون بصفوف الفقراء.
ورغم الحرب
والعقوبات، تواصل إيران تصدير ما بين 1.4 و2.1 مليون برميل يوميًا عبر مضيق هرمز
قبل الأزمة. لكن تدفق النفط لم يمنع اتساع الفقر والتضخم؛ لأن النفط يوفر
الإيرادات، ولا يصنع بمفرده اقتصادًا منتجًا. فالقوة الاقتصادية تحتاج إلى استثمار
وإنتاجية وتكنولوجيا واستقرار وانفتاح.
وتكشف أزمة
إيران أن المشكلة ليست في ندرة الموارد، بل في قدرة الاقتصاد على تحويلها إلى قيمة
مضافة وفرص عمل ونمو مستدام. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية، ترتفع تكلفة
المخاطر وتزداد صعوبة جذب الاستثمارات والتكنولوجيا.
اقتصاد إيران لا يواجه أزمة عابرة، بل أزمة
نموذج اقتصادي؛ فثروة النفط والغاز لا تكفي لإنقاذ اقتصاد تتآكل فيه العملة،
ويتسارع فيه التضخم، ويتسع فيه الفقر، ويتراجع فيه الاستثمار والإنتاجية.
تعليقات