خطاب ولي العهد... وتحويل الأزمات لفرص
الثلاثاء 25 ربيع الآخر 1448هـ 6 أكتوبر 2026م
المقال
الرياض
جاء الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أمام مجلس الشورى، في ظل تحولات متسارعة يشهدها العالم، ليؤكد أهمية الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي عززت قدرة المملكة على التعامل مع الأزمات والمتغيرات، والنجاح في تحويلها إلى فرص لتعزيز مكانتها ومواصلة أولوياتها التنموية بكفاءة واستدامة، ويجسد ذلك توجه رؤية 2030 نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة، قادر على التكيف مع المتغيرات والاستفادة من الفرص الجديدة، فالظروف العالمية المتغيرة تؤكد أهمية التخطيط طويل المدى، الذي يبني القدرات وينوع الاقتصاد ويوسع قاعدة الاستثمار والنمو، بما يعزز قدرة المملكة على مواصلة مسارها التنموي، ويحول المتغيرات الخارجية من عوائق محتملة إلى فرص للتطوير وفتح مجالات اقتصادية جديدة.
وتؤكد الأرقام أن هذا التحول لم يعد مجرد مستهدفات مستقبلية، إذ تحققت 93% من مستهدفات برامج، واستراتيجيات رؤية 2030، وارتفعت الصادرات غير النفطية بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، فيما وصلت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 51%. وتعكس هذه المؤشرات اتساع قاعدة الاقتصاد، وتنامي دور القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل، بما يعزز قدرة الاقتصاد على توليد مصادر متعددة للنمو.
وتزداد أهمية هذا التحول في عالم تتداخل فيه المخاطر الجيوسياسية مع التقلبات الاقتصادية والتغيرات التقنية المتسارعة. فتنويع مصادر الدخل والنمو والصادرات لا يحد من أثر الصدمات فحسب، بل يمنح الاقتصاد مساحة أوسع للتحرك عندما تتغير الظروف، كما أن قوة المؤسسات والقدرات المالية والاقتصادية تتيح للمملكة مواصلة الاستثمار في أولوياتها التنموية والاستراتيجية.
كما أن نجاح الإصلاحات في بناء مرونة اقتصادية يمنح المملكة قدرة أكبر على مواصلة الإنفاق الاستثماري، وتحفيز النشاط الخاص، واستقطاب الاستثمارات، والاستفادة من الفرص التي تفرضها إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، فالمنافسة الدولية لم تعد تقوم على الموارد وحدها، وإنما على سرعة الاستجابة، وكفاءة المؤسسات، والقدرة على تحويل الإمكانات إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
ويكمل الاستثمار في الإنسان والتقنية هذه المنظومة، من خلال رفع مهارات المواطنين وإنتاجيتهم، وتوسيع مشاركتهم في سوق العمل، وتطوير القطاعات الواعدة، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز حضورالمملكة في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير القطاع العقاري ومجالات الاستثمار الجديدة.
لذلك، فإن تحويل التهديدات إلى فرص لا يعني تراجع المخاطر، بل يعكس ارتفاع قدرة المملكة على مواجهتها والاستفادة من التحولات المصاحبة لها. فعندما يكون الاقتصاد أكثر تنوعًا، والقطاع الخاص أكثر حضورًا، والإنسان أكثر تأهيلًا، والتقنية أكثر تأثيرًا، تصبح الأزمات محفزًا لإعادة البناء، والتحديات دافعًا للتطوير، والمتغيرات مجالًا لاقتناص فرص جديدة. وهذا هو جوهر التخطيط طويل المدى، وبناء اقتصاد مستعد للمستقبل، وقادر على التعامل مع اتجاهاته المختلفة بثقة ومرونة.
تعليقات